البرجوازية بين الأخلاق الرأسمالية والشكل الأدبي

"البرجوازي بين التاريخ والأدب" يقرأ تحولات السرد والزمن والمكان من روبنسون كروزو إلى إبسن.
الثلاثاء 2026/09/22
أعمال كثيرة رسختها رؤى برجوازية

يكشف الأدب، في قراءة فرانكو موريتي، عن حضور البرجوازية داخل بنيته الجمالية، لا في موضوعاته وحدها. ومن خلال مفاهيم الأسلوب والزمن والمنطقة الرمادية، يتتبع كتاب "البرجوازي بين التاريخ والأدب" أثر التحولات الاجتماعية في السرد، وفي تنظيم الوقت والمكان والأشياء، وفي التوتر المتصاعد بين القانون والمصلحة والضمير داخل النص الأدبي.

يمثل كتاب فرانكو موريتي "البرجوازي بين التاريخ والأدب"، الصادر عن دار قرطاس في أربيل (2026)، محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والشكل الأدبي، عبر نقل البحث من مستوى تمثيل البرجوازية في الأدب إلى مستوى حضورها داخل البنية الجمالية ذاتها. ويتتبع موريتي التحولات التي أحدثها صعود هذه الطبقة في تنظيم السرد وإيقاع الزمن وطرائق وصف الأشياء، فضلاً عن اللغة التي تتحرك من خلالها الشخصيات في فضاءات العمل والملكية والمصلحة والسلطة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مشروعه عبر ثلاثة مفاهيم مترابطة: "الأسلوب البرجوازي"، و"الزمن البرجوازي"، و"المنطقة الرمادية". فإذا كان المفهوم الأول يكشف انتقال البرجوازية من موقع اجتماعي محدد إلى بنية جمالية تؤثر في طريقة تشكل النص، فإن المفهوم الثاني يضيء التحول الذي يصيب الزمن حين يغدو مرتبطاً بالانتظام والإنتاج والتراكم، بينما تحيل "المنطقة الرمادية" إلى اللحظة التي تفقد فيها المنظومة البرجوازية انسجامها الأخلاقي، فتدخل في شبكة من التناقضات بين القانون والمصلحة والضمير.

الأسلوب البرجوازي كبنية ثقافية

يؤسس موريتي مفهوم "الأسلوب البرجوازي" على فكرة محورية مفادها أن الطبقة الاجتماعية يمكن أن تظهر داخل الأدب من خلال الشكل أكثر مما تظهر من خلال الموضوع. ولذلك فهو يعلن منذ "المدخل" أن اهتمامه ينصرف إلى كيفية توافق الأشكال الثقافية مع الحقائق الجديدة التي أفرزتها الطبقة البرجوازية. فالسؤال عنده يتجاوز معرفة من يملك المال ومن يعمل في التجارة أو الصناعة، ويتجه نحو الطريقة التي أعادت بها هذه الطبقة ترتيب العالم الرمزي الذي تتحرك داخله.

وفق هذا المنظور، يصبح "الأسلوب البرجوازي" منظومة من السمات المتداخلة كالوضوح والتنظيم والجدية والانضباط والاهتمام بالتفاصيل، والقدرة على تحويل الواقع إلى مجموعة من الوحدات القابلة للفهم والاستعمال. ومن هنا تكتسب الأمثلة التي يوردها موريتي حول مفردات مثل "الراحة" أهميتها؛ إذ تتحول الكلمة إلى مؤشر ثقافي يكشف تصوراً جديداً للحياة والاستهلاك والمكان. فالراحة هنا تتجاوز معناها الجسدي لتصبح جزءاً من نظام اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والأشياء، ويمنح التفاصيل اليومية دلالات تتصل بنمط العيش وموقع الفرد داخل العالم.

"الأسلوب البرجوازي" و"الزمن البرجوازي" و"المنطقة الرمادية" يمكن النظر إليها باعتبارها ثلاث مراحل في تاريخ الحساسية البرجوازية

وبذلك يتشكل "الأسلوب البرجوازي" داخل النص عبر التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها محايدة. فالأثاث والبيت والملابس وتنظيم المكتب، وطريقة الحديث عن العمل، وتوزيع الوقت، كلها عناصر تشترك في إنتاج صورة لعالم يضع النظام في مواجهة الفوضى، ويمنح الأشياء مواقع محددة داخل بنية الحياة اليومية. وهذه إحدى أكثر النقاط أهمية في مشروع موريتي، إذ ينقل مفهوم الطبقة من مستوى البنية الاقتصادية إلى مستوى الحساسية الجمالية. فالبرجوازي يتحول إلى طريقة في رؤية الأشياء وتنظيمها قبل أن يظهر بوصفه شخصية ذات وظيفة اجتماعية محددة.

ويظهر هذا المعنى بصورة واضحة في قراءة موريتي لشخصية روبنسون كروزو؛ فالرجل الموجود في الجزيرة يحول الطبيعة إلى مجال للتصنيف والعمل والتنظيم. وتكتسب الأشياء قيمتها من قابليتها للاستخدام، فيما يكتسب الزمن معناه من خلال ما ينجزه الفرد داخله. وهكذا تتطابق حركة الشخصية مع حركة السرد؛ إذ تتقدم الأحداث عبر أفعال متتابعة، ويتحول كل إنجاز إلى أساس لإنجاز تالٍ، فتتشكل الرواية نفسها وفق منطق التراكم. هنا يغدو الأسلوب حاملاً لرؤية اجتماعية تتجاوز الموضوع المباشر، حيث يتجاوب انتظام الحكاية مع انتظام الفعل الاقتصادي، ويتحول ترتيب الأحداث إلى صيغة جمالية تعكس تصوراً محدداً للعمل والزمن والإنجاز.

ومن ثم يمكن القول إن "الأسلوب البرجوازي" عند موريتي يمثل انتقالاً من مفهوم الطبقة إلى مفهوم النظام الإدراكي؛ فالطبقة تنتج عادات في النظر إلى الواقع، وهذه العادات يمكن أن تتسرب إلى الشكل الأدبي فتؤثر في الإيقاع، والوصف، وتنظيم التفاصيل، وحركة الشخصيات داخل الزمن. وهكذا يصبح الأدب مجالاً لاكتشاف الطبقة عبر إيقاعها ومفرداتها وطرائق ترتيبها للعالم، بحيث يظهر الاجتماعي داخل الجمالي من خلال الطريقة التي يُبنى بها العالم المتخيل ويُمنح فيها الواقع شكله الأدبي.

تحول الوقت إلى قيمة إنتاجية

إذا كان "الأسلوب البرجوازي" يمثل البنية الجمالية للوعي الاجتماعي، فإن "الزمن البرجوازي" يمثل بنيته الحركية؛ فالبرجوازي الذي يكتشف العمل والتنظيم والملكية، ويكتشف في الوقت نفسه قيمة الزمن بوصفه مورداً قابلاً للاستثمار. ويترك هذا التحول أثراً عميقاً في السرد؛ إذ يغدو الزمن أكثر انتظاماً وتدرجاً، وترتبط الأحداث بمنطق السببية والتراكم، فتتحول حركة الوقت إلى عنصر فاعل في بناء الحكاية وتشكيل الشخصيات.

ويكتسب الزمن في عالم موريتي وظيفة تتجاوز قياس تعاقب الأحداث، إذ يدخل في تكوين الشخصية ذاتها. فشخصية روبنسون كروزو، على سبيل المثال، تتحدد من خلال قدرتها على استخدام الوقت وإدارته. حيثُ تتراكمالأيام، ويتكرر العمل، وتتجمع النتائج، ومن خلال هذه العملية تتشكل الذات تدريجياً. ويثبت الفرد وجوده هنا عبرما ينجزه داخل الزمن، بحيث يصبح الفعل وسيلة لتحويل الوقت إلى نتائج ملموسة، ويغدو التراكم مبدأً ينظم العلاقة بين التجربة والذات والعالم.

وتسمح هذه الرؤية بتمييز "الزمن البرجوازي" عن الزمن الملحمي أو الأسطوري أو الدائري. إنه زمن خطي، متجه نحو المستقبل، ومشحون بفكرة الإنجاز؛ إذ يتحول الماضي إلى خبرة، ويغدو الحاضر مجالاً للفعل والعمل، فيما يظهر المستقبل بوصفه نتيجة محتملة لما يجري في الحاضر. ومن هنا تنشأ الصلة بين الزمن والرواية الحديثة؛ فالرواية الواقعية الكبرى قادرة على استيعاب التفاصيل والتحولات الممتدة لأنها تنتمي إلى تصور للزمن يقوم على التراكم، وعلى متابعة التحولات التي تصيب الفرد والمجتمع عبر مسار متدرج.

وفي "قرن جدي" يبلغ هذا الزمن درجة عالية من التنظيم؛ فالرواية البرجوازية في القرن التاسع عشر تستثمر التفاصيل اليومية، وتبني الأحداث عبر شبكة متداخلة من العلاقات العائلية والاجتماعية والاقتصادية. ويبدو الزمن الروائي نفسه وكأنه يشارك في إنتاج الواقع؛ إذ تتراكم الأحداث، وتتغير الشخصيات تدريجياً، وتتطور العلاقات عبر مراحل متتابعة يمكن تتبعها، فتغدو حركة الزمن جزءاً من آلية بناء العالم الروائي ذاته.

انهيار اليقين الأخلاقي

أكثر النقاط أهمية في مشروع فرانكو موريتي أنه ينقل مفهوم الطبقة من مستوى البنية الاقتصادية إلى مستوى الحساسية الجمالية

يمثل مفهوم "المنطقة الرمادية" المرحلة الأكثر تعقيداً في التحليل الموريتي. ففي عالم إبسن، الذي يخصص له الفصل الأخير من الكتاب، تتراجع الحدود الواضحة بين الخير والشر، وبين المشروع وغير المشروع، وبين القانون والعدالة. ويدخل البرجوازي هنا في فضاء أخلاقي شديد الالتباس، حيث يمكن للفعل الواحد أن يمتلك شرعية قانونية ويظل موضع إدانة أخلاقية، أو يحمل مصلحة عامة في ظاهره بينما يخفي داخله منفعة شخصية.

ويولي موريتي أهمية خاصة إلى كثافة الشخصيات البرجوازية في مسرح إبسن؛ كالصناعي والمصرفي والتاجر ورجل الإدارة والقاضي والمحامي والطبيب والمهندس ورجل الدين والصحفي والموظف. ويكشف هذا التنوع اتساع العالم البرجوازي وتحوله إلى شبكة مؤسسات ومهن ومصالح. كما يكشف صعوبة اختزال البرجوازية في نموذج اجتماعي واحد.

غير أن الجامع بين هذه الشخصيات عند إبسن يتمثل في اشتراكها داخل فضاء أخلاقي مأزوم. فالجميع يتحدث لغة النظام والاحترام والمصلحة العامة، بينما تكشف الوقائع تدريجياً عن تناقضات المصالح وتضارب الدوافع. وهنا يتحول الحوار نفسه إلى مجال للصراع؛ إذ تفقد الكلمات التي تبدو مستقرة في بداية المسرحية معناها تدريجياً، وتتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين الصورة التي تقدمها الشخصية عن ذاتها والسلوك الذي تكشف عنه أفعالها.

ولهذا يصف موريتي عالم إبسن بأنه "منطقة رمادية" تقوم على التلاعب، والضمير القلق، والأخلاق المرنة. إنها منطقة تتحرك خارج الثنائيات الأخلاقية المبسطة، وتتشكل من شبكة متداخلة من المصالح والمبررات والتناقضات. فقد تجتمع في الشخصية الواحدة مواقع متعارضة، فتظهر في صورة الضحية والجلاد معاً، وقد تتمسك بالقانون وتستخدمه في الوقت نفسه لحماية مصلحة خاصة، أو تدافع عن المجتمع من موقع يتقاطع فيه الخطاب العام مع المنفعة الشخصية.

تحول المكان البرجوازي إلى فخ

يتعمق مفهوم "المنطقة الرمادية" من خلال ما يسميه موريتي "علامات ضد علامات". فالمسرح الإبسني يبدأ غالباً بعالم يبدو ثابتاً ومتماسكاً: كراسٍ ومكتبات وبيانو وأرائك ومدافئ ومكاتب وأماكن مرتبة، وخطاب هادئ حذر. حيثُ تؤدي هذه الأشياء وظيفة علامية؛ فهي تقدم صورة عن مجتمع مستقر، محترم ومنظم، وتمنح المكان هيئة من الانسجام الظاهري.

وتبلغ "المنطقة الرمادية" كثافتها حين يضع موريتي "القانون" في مواجهة "العدالة". فالقانون يمثل المؤسسة وقواعدها، بينما تمثل العدالة معياراً أخلاقياً يتجاوز حدود النص القانوني. وبين الطرفين تنشأ فجوة تكشف أزمة المجتمع البرجوازي؛ فقد يحمي القانون ملكية أو قراراً أو صفقة، بينما يرى فرد آخر في النتيجة ظلماً اجتماعياً. وهنا يتحول القانون من أداة لتنظيم العلاقات إلى مجال تتكشف داخله التناقضات بين الشرعية والمشروعية.

ومن هنا يمكن فهم إبسن بوصفه كاتباً يكشف أزمة النموذج البرجوازي من داخله. فهو يستخدم أدوات هذا العالم نفسه: البيت، والمؤسسة، والوظيفة، والقانون، والسمعة، والمكانة، ثم يكشف التوترات التي تسكن هذه الأدوات. فالنقد يأتي من داخل البنية الاجتماعية ذاتها، ولهذا يكتسب قوته من كشف التناقض بين الصورة التي ينتجها النظام عن نفسه والقوى التي تعمل في داخله.

لذا، يمكن النظر إلى "الأسلوب البرجوازي" و"الزمن البرجوازي" و"المنطقة الرمادية" باعتبارها ثلاث مراحل في تاريخ الحساسية البرجوازية. فالأسلوب يؤسس نظاماً من الوضوح والتنظيم والعمل؛ والزمن يمنح هذا النظام حركته التراكمية؛ فيما تكشف المنطقة الرمادية التوتر الأخلاقي الذي يظهر حين يتحول النظام إلى شبكة واسعة من السلطة والمصلحة والمؤسسات.

وبذلك يصبح البرجوازي عند موريتي مفهوماً جمالياً بقدر ما هو مفهوم اجتماعي؛ فهو يظهر في طريقة ترتيب الغرفة، وفي إيقاع السرد، وفي قيمة العمل، وفي إدارة الوقت، وفي لغة الشخصيات، ثم يظهر بصورة أكثر تعقيداً في المسافة بين القانون والعدالة، وبين السمعة والحقيقة، وبين المصلحة والضمير.

4