سيرة الكتابة سؤال مفتوح

"أحاول" لعزّت القمحاوي: الكتابة بوصفها عزلةً ونجاةً وامتحانًا للذات
الجمعة 2026/09/18
كاتب يعيد ترميم عالمه

ينتمي عزّت القمحاوي إلى جيل من الكتّاب المصريين الذين أسهموا في توسيع أفق الكتابة العربية، عبر تجربة إبداعية متعددة المسارات جمعت الرواية والقصة والنصوص والبورتريه والعمل الصحفي في نسيج متكامل. ومنذ كتابه الأول الصادر سنة 1992، أخذت تجربته في التبلور والاتساع، مستندة إلى عقود من الممارسة والقراءة والانخراط في الحياة الثقافية، فأصدر نحو عشرين كتاباً تنوعت عوالمها بين السرد والتأمل والاحتفاء بالتفاصيل الإنسانية.

يأتي كتاب "أحاول"، الصادر عن دار المحيط في الفجيرة (2025)، بوصفه كتاباً يضع تجربة الكاتب أمام مرآته، ويفتح مساحة واسعة للتأمل في القراءة والكتابة والذاكرة واللغة والمكان والزمن. حيثُ يحمل مؤلف عزت القمحاوي منذ عنوانه إشارة شديدة الدلالة إلى موقف صاحبه من تجربته الإبداعية؛ ففعل "أحاول" يحيل إلى الحركة المستمرة، وإلى الكتابة باعتبارها فعل بحث متواصل، وإلى تجربة إبداعية تحتفظ بمسافة بينها وبين ادعاء الاكتمال.

من هنا تبدو كلمة "أحاول" أكثر من عنوان؛ إنها مفتاح جمالي وفلسفي للكتاب كله. فالقمحاوي يكتب عن الكتابة من موقع الكاتب الذي خبر مساراتها، واختبر غواياتها ومآزقها، ثم عاد إلى بداياته كي يرى الطريق من جديد. لذلك تتحرك نصوص الكتاب بين السيرة والتأمل والنقد والذكرى والحكاية، وتستفيد من خبرة الروائي والصحفي والقارئ في بناء رؤية مركبة لفعل الكتابة. ويكشف فهرس الكتاب نفسه هذا الاتساع؛ إذ ينتقل من "في البدء يكون القارئ" إلى "فوق ظهر النمر"، ثم "قليل من السهو والندم"، و"ترويض النمر"، و"شيء عن رسم الوجوه"، و"الحسية والحواس"، و"عتبة العنوان"، و"عن البدايات"، وصولاً إلى "الزمن جرح"، و"المكان بزمانه"، و"حلم العمر".

الكتابةُ تبدأ من أثر سابق

يضع القمحاوي القارئ في بداية الرحلة، وهي بداية تحمل دلالة عميقة؛ فالكاتب في تصوره يخرج من قارئ سابق، ومن علاقة مبكرة بالكتب، ومن دهشة تجاه عالم اكتُشف قبل أن يتشكل الوعي بمفهوم الكاتب نفسه. هذه الرؤية تمنح القراءة موقعاً تأسيسياً داخل التجربة الإبداعية، فالطفل الذي وصلته الكتب عبر طرق ملتوية، وفي أحيان كثيرة عبر كتب ناقصة الصفحات والأغلفة والبدايات والنهايات، تعلّم منذ طفولته أن النص مساحة تحتاج إلى ترميم، وأن الخيال قادر على ملء الفجوات. هنا تتشكل واحدة من أهم الأفكار الجمالية في "أحاول": النقص نفسه يمكن أن يتحول إلى طاقة إبداعية.

فالكتب التي وصلت إلى القمحاوي في طفولته كانت تحتاج إلى قارئ يرممها بخياله، وهذا القارئ الصغير سيصبح لاحقاً كاتباً يترك بدوره مساحات للقارئ كي يشارك في إكمال النص. هذه العلاقة بين النقص والمشاركة تجعل الكتابة فعلاً تشاركياً؛ فالكاتب يقدم البنية، والقارئ يضيف إليها خبرته وذاكرته وحساسيته.

واللافت أن القمحاوي يربط هذه التجربة بقراءاته الأولى وبالذاكرة العاطفية التي صنعتها الكتب فيه. رواية "يوسف وزليخة"، التي بقي عنوانها واسم مؤلفها مجهولين فترة طويلة، تحولت في ذاكرته إلى أسطورة شخصية. وحين يستعيدها بعد سنوات، يصبح السؤال أكثر أهمية من الإجابة؛ ماذا يحدث للكتاب حين يغادر الذاكرة ويعود إلى الواقع؟ هنا يكتشف القارئ أن الجمال في الكتاب يرتبط أيضاً بالطريقة التي يستقبله بها، وباللحظة النفسية التي يقع فيها بين يديه.

ولعلّ من أبرزفقرات الكتاب تلك التي يربط فيها القمحاوي بين العزلة والكتابة؛ فهو يرى أن ولع الكتابة يرتبط بصعوبة التواصل مع العالم، وأن الكاتب يجد في الكتابة وسيلة لبناء مساحة بديلة يمكنه التحكم في تفاصيلها.

ويكشف القمحاوي عن جذور هذه العزلة في طفولته، حين كان طفلاً يميل إلى الحزن والمرض وينسحب من الولائم والاحتفالات العائلية. وتظهر هذه الشخصية المبكرة في مشهد مسرحي صغير تحول إلى لحظة كاشفة؛ طفل يؤدي دوراً تمثيلياً يتعلق بموت الأم، فيتحول التمثيل إلى بكاء حقيقي حين يستدعي خيال الموت أمه الواقعية.

وهكذا تبدو الكتابة في "أحاول" امتداداً طبيعياً لطفولة شديدة الحساسية تجاه الفقد والحزن؛ فالكاتب يكتب كي يعيد ترتيب العالم، ويمنح مشاعره شكلاً يمكن احتماله، ويحوّل ما يعجز عن قوله في الحياة اليومية إلى لغة تستطيع حمله. لذلك تبدو الكتابة تعويضاً عن تعثر التواصل، ووسيلة لإقامة علاقة أكثر أماناً مع العالم.

النص المفتوح

يشغل التوتر بين الصحافة والأدب مساحة مهمة في الكتاب، لأن القمحاوي عاش التجربتين من الداخل؛ فالصحافة علمته سرعة الالتقاط والاختصار والانتباه إلى التفاصيل والحركة وسط الناس، بينما دفعه الأدب نحو العزلة والتأمل واللغة المركبة والمساحات التي تسمح للقارئ بإعادة بناء المعنى.

تتجلى المفارقة في أن الصحافة تعتمد على الحضور الخارجي، بينما يحتاج الأدب إلى حضور داخلي كثيف؛ فالصحفي يتحرك في العالم، يجمع الأخبار، يحاور الأشخاص، ويتابع الوقائع في لحظتها؛ أما الكاتب الأدبي فيحتاج إلى مسافة، وإلى وقت يسمح للواقعة بأن تتخمر داخل الذاكرة والخيال. ومن هذه المسافة تشكلت لدى القمحاوي خبرة مزدوجة؛ فقد حمل من الصحافة مهارة الاقتصاد في اللغة، وأخذ من الأدب حساسية الإيقاع والصورة والحذف والإيحاء.

ويقدم الكتاب صورة ساخرة وقاسية لعالم الصحافة، حيث تتبدل الأخبار بسرعة، وتصبح الصفحة التي خرجت من المطبعة في الصباح مادة قابلة للنسيان مساءً. هذه الخبرة قادته إلى البحث عن كتابة تمنح الكلمة عمراً أطول، فاقترب من السرد والحوار والبورتريه والتأمل. كما يشرح أن الكتابة الصحفية تسير في طريق سريع، بينما تسير الكتابة الأدبية في طرق ملتوية، وتترك للقارئ مساحات للتأويل وصناعة المعنى.

تتوسع رؤية القمحاوي حين ينتقل إلى مفهوم النص المفتوح وتعدد الطبقات النصية؛ هنا يستفيد من قراءاته في التراث العربي، ومن الفلسفة الظاهراتية، ومن كتابات باشلار وبارت وإيكو، كي يفسر طبيعة الكتابة التي تتحرك بين الأجناس والأفكار والصور والحكايات.

تنبع أهمية هذه الرؤية من إيمانه بأن النص الجيد يترك مساحة للحركة؛ فالكاتب يقدم إشارات، ليلتقطها القارئ وفق خبرته، فيما تؤدي الحواس دوراً أساسياً في هذه العملية، لأن الأشياء حين تمر عبر وعي الكاتب تكتسب ذاكرة ودفئاً ودلالة؛ يصبح الباب أكثر من باب حين يرتبط بذكرى، وتتحوّل النافذة إلى صورة حين تستدعي مكاناً أو زمناً أو شخصاً. بهذا المعنى تصبح الكتابة طريقة لإعادة اكتشاف العالم عبر الحواس.

وهذا الحس أحد أبرز مفاتيح تجربة القمحاوي، فهو يربط اللغة بالمادة، ويريد للكلمة أن تمنح القارئ إمكانية الشم والتذوق والرؤية واللمس. لذلك تبدو الحواس عنده وسيلة لفهم العالم، وأداة لتوسيع طاقة اللغة.

جمال النقص وفضيلة الاستمرار

يكتسب عنوان الكتاب قوّته من بساطته؛ "أحاول" فعل حاضر، مفتوح على المستقبل، ويحمل داخله فكرة الاستمرار. الكاتب يكتب، ثم يعيد النظر، ثم يكتشف نقصاً جديداً، ثم يبدأ محاولة أخرى، وهو مايمنح الكتاب طابعه الداخلي. فكل تجربة ناجحة تفتح أمام صاحبها سؤالاً جديداً، وكل كتاب ينتهي يترك وراءه رغبة في استكمال ما ينقصه.

ومن هنا يأتي حديث القمحاوي عن الإحباط الذي يعقب الانتهاء من الكتاب؛ فالنص الذي كان في الخيال يبدو كاملاً، يتحول بعد خروجه إلى العالم إلى موضوع للمراجعة والندم والتساؤل. هذه المسافة بين الكتاب المتخيل والكتاب المنجز هي التي تدفع إلى محاولة جديدة. وهكذا يصبح الإبداع حركة بين الرضا والنقص، وبين الإحساس بالإنجاز والشعور بأن شيئاً آخر ينتظر. يقول: "اخترت العزلة قبل أنْ أختار الكتابة، ربما لأنني لا أصلح لغيرها. كنت الطفل الذي يكتشفون غيابه عن الولائم والاحتفالات العائلية؛ طفل يمجّد المرض والحزن، ويسعى إليهما سعياً".

تنبع خصوصيّة هذا المقطع من تحويل السيرة الشخصية إلى تفسير جمالي؛ فالعزلة هنا اختيار سابق على الكتابة، والكتابة تأتي بوصفها الشكل الذي وجدته هذه الذات كي تمنح عزلتها معنى. وهنا يصبح الكاتب ابناً لعزلته، وفي الوقت نفسه يصبح قادراً على تحويلها إلى فضاء مشترك مع القارئ، فالذات المنعزلة تكتب كي تبني جسراً بينها وبين العالم، وتستخدم اللغة كي تجعل المسافة قابلة للعبور.

في القسم الأخير من الكتاب يبلغ مفهوم المحاولة ذروة شديدة التأثير من خلال تجربة كتابة الأحلام، حيثُ يروي الكاتب حلماً رأى فيه نفسه غصناً يحترق فوق الجمر، ثم يستيقظ في ظروف جسدية خطرة، ويكتشف لاحقاً أن الحلم ارتبط بحالة اختناق بأول أكسيد الكربون. وسط هذه التجربة القاسية تكتسب الكتابة معنى وجودياً؛ فقد كان حرصه على الاحتفاظ بالحلم وتذكّر تفاصيله أحد العوامل التي أسهمت في بقائه واعياً حتى لحظة النجاة.

 

القمحاوي يكتب عن الكتابة من موقع الكاتب الذي خبر مساراتها، واختبر غواياتها ومآزقها، ثم عاد إلى بداياته

تنتقل الكتابة هنا من كونها وسيلة للتعبير إلى كونها قوة من قوى التشبث بالحياة؛ فالكتابة تحفظ الحلم، والحلم يحفظ الكاتب،ما يمنح عنوان الكتاب"أحاول" أفقاً أعمق؛ فالمحاولة تتحول إلى طريقة للعيش، وإلى مقاومة للنسيان، وإلى رغبة في مواصلة السير رغم هشاشة الجسد والذاكرة والزمن. يقول: "يحلو لي أن أتذكّر تلك الليلة، وأعترف بديني الكبير للكتابة، فكلّ لحظة عشتها بعد ذلك الفجر الشتائي الغريب هي هبتها، وليس هناك أعظم من عمل يهبنا الحياة".

يختصر هذا المقطع فلسفة الكتاب كله تقريباً؛ فالكتابة عند القمحاوي ليست مهنة فقط، ولا تمريناً لغوياً، ولا وسيلة للحصول على الاعتراف؛ إنها علاقة وجودية بالحياة. الكاتب يستمر لأنه وجد في الكتابة إمكانية للنجاة من الفقد، ومن الزمن، ومن ضياع التجربة. ولهذا تأتي النهاية متصلة ببداية الكتاب: عزلة الطفل التي قادته إلى الكتابة تتحول في النهاية إلى كتابة تمنحه سبباً للاستمرار.

تحويل التجربة إلى فعل مستمر

تكشف صفحات "أحاول" عن كاتب شديد الانتباه إلى الجملة والعنوان والإيقاع وطريقة انتقال النص بين الحكاية والتأمل. فهو يتوقف عند عناوين كتبه، ويعيد التفكير في علاقتها بما يأتي بعدها من نصوص. ويرى أن العنوان قد يبدأ غامضاً، ثم يكتسب معناه من القراءة؛ فالمتن يعيد تشكيل العتبة، بينما يُعيد القارئ تشكيل الاثنين معاً.

وتظهر هنا خبرة القمحاوي الصحفية إلى جانب حساسيته الروائية؛ فهو يعرف قيمة الجملة القصيرة، ويعرف أيضاً متى تحتاج الجملة إلى التواء أو حذف أو إيماءة. لذلك تتجاور في كتابه الحكاية الشخصية مع الفكرة النقدية، والمذكرات المهنية مع التأمل الفلسفي، وتدخل السخرية أحياناً لتخفف ثقل الأسئلة الكبرى.

يُقدّم "أحاول" صورةً للكاتب وهو ينظر إلى مسيرته من الداخل، ويعيد ترتيب محطات القراءة والكتابة والصحافة والذاكرة والمكان والحلم. قوته الأساسية تأتي من هذه الحركة بين الشخصي والفكري؛ فالقمحاوي يروي حياته كي يفكر في الكتابة، ويفكر في الكتابة كي يعيد فهم حياته.

ولعلّ من أبرز ما يحققه الكتاب أنه يتعامل مع الإبداع بوصفه تجربة مفتوحة؛ فالكاتب الذي وصل إلى عدد كبير من الأعمال، وراكم خبرة طويلة في الرواية والقصة والصحافة والنصوص العابرة للأجناس، يعود إلى فعل بسيط: "أحاول". وفي هذا الفعل تكمن حكمة الكتاب كلها. المحاولة تمنح الإنسان إمكانية البدء مرة أخرى، وتمنح النص فرصة أخرى، وتمنح الذاكرة قدرة على استعادة ما فقدته، وتمنح الكاتب سبباً كي يواصل الطريق.لهذا يبدو "أحاول" كتاباً عن الكتابة، وسيرةً غير مباشرة للكاتب، وكتاباً عن هشاشة الإنسان أمام الزمن، وعن حاجته إلى أن يصنع من اللغة بيتاً يقيم فيه.