انتخابات المغرب: الخوارزميات تطارد أصوات الناخبين
الرباط - لم تعد الحملة الانتخابية في المغرب تُقاس فقط بعدد التجمعات التي تنظمها الأحزاب أو حجم الملصقات التي تغطي الشوارع، إذ دخلت الخوارزميات إلى قلب المنافسة على أصوات الناخبين، محولة الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات انتخابية مفتوحة على مدار الساعة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر، يتسع استخدام «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» و«يوتيوب»، فيما يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة لإنتاج الرسائل وتحليل الجمهور وتخصيص المحتوى.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن التكنولوجيا لم تعد تستخدم فقط لنشر البرنامج الانتخابي أو الإعلان عن موعد تجمع انتخابي، وإنما تتيح للمرشح الوصول إلى شرائح محددة من الناخبين برسائل مصممة وفقا لاهتماماتهم وموقعهم الجغرافي وسلوكهم على المنصات. وبذلك تنتقل المنافسة تدريجيا من سؤال «من يملك حضورا أكبر في الشارع؟» إلى سؤال آخر: من يستطيع الوصول إلى الناخب المناسب بالرسالة المناسبة وفي الوقت المناسب؟
لطيفة أخرباش: المخاطر الرقمية يمكن أن تهدد سلامة العملية الانتخابية والثقة الديمقراطية
وتتيح أدوات الإعلانات الرقمية للمرشحين توجيه المحتوى إلى جماهير محددة داخل الدوائر الانتخابية، فيما أصبحت مقاطع «ريلز» و«شورتس» وسيلة لإيصال رسائل قصيرة ومباشرة يمكن إنتاجها ونشرها بسرعة. ويمنح هذا الأسلوب الحملات قدرة على اختبار أنواع مختلفة من المحتوى ومراقبة التفاعل معها، ثم تعديل الرسائل وفقا لما تجذب إليه الخوارزميات من اهتمام.
ويذهب التحول أبعد من ذلك مع إدماج الذكاء الاصطناعي في العملية التواصلية نفسها. فقد اختار مرشح شاب في طنجة، يخوض الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى بعد تجربة سابقة في الانتخابات الجماعية، إطلاق نسخة رقمية منه تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وتحمل ملصقاته الميدانية رمز استجابة سريعة «QR»، يقود المستخدم إلى وكيل رقمي يظهر في صورة «أفاتار» للمرشح، ويتيح له التفاعل مع البرنامج الانتخابي والإجابة عن أسئلة المواطنين.
وتكشف هذه التجربة عن تحول في مفهوم الحملة الانتخابية: فالمرشح لم يعد حاضرا فقط خلال جولة ميدانية أو لقاء جماهيري، وإنما يمكن أن يصبح متاحا رقميا في أي وقت. وبالنسبة إلى الأحزاب والمرشحين، يعني ذلك إمكانية توسيع دائرة التواصل مع الناخبين من دون الحاجة إلى الحضور الميداني في كل مرة، وإنتاج محتوى متعدد اللغات والصيغ خلال وقت قصير.
لكن الوجه الآخر لهذا التحول يرتبط بالسؤال حول حدود الاستهداف السياسي. فكلما ازدادت قدرة الحملات على معرفة الجمهور والوصول إليه، ارتفعت الحاجة إلى قواعد واضحة تحدد كيفية استخدام البيانات، وطبيعة الإعلانات السياسية، ومصادر تمويلها، والتمييز بين المحتوى السياسي والمحتوى الدعائي، فضلا عن منع التضليل والتلاعب بالمعلومات.
وحذرت لطيفة أخرباش، رئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، من المخاطر الرقمية التي يمكن أن تهدد سلامة العملية الانتخابية والثقة الديمقراطية، معتبرة أن تحديث الإطار القانوني والتنظيمي لاستخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي ضروري، لكنه لا يكفي وحده، في ظل الحاجة إلى بناء قدرات مستدامة لحماية نزاهة النقاش العمومي ومصداقية المنظومات الإعلامية.
الإعلانات السياسية الممولة، واستخدام المؤثرين، والخوارزميات التي تحدد مدى انتشار المنشورات، كلها تخلق مستويات جديدة من المنافسة
ويطرح الذكاء الاصطناعي تحديا إضافيا يتعلق بالمحتوى نفسه. فالأداة التي تساعد المرشح على اختصار برنامجه وإنتاج صورة أو فيديو أو منشور يمكن أن تستخدم أيضا في إنتاج محتوى مضلل أو صور ومقاطع مفبركة يصعب على الناخب التمييز بينها وبين المواد الحقيقية. ولهذا أصبحت مكافحة الأخبار الزائفة والمحتويات الاصطناعية جزءا من النقاش حول نزاهة الانتخابات الرقمية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية رشيد لزرق أن الهدف من الضوابط الانتخابية هو حماية نزاهة الاقتراع وحرية الناخب من التأثير والتضليل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير وحق المواطنين في الحصول على المعلومات المتعلقة بالمرشحين وبرامجهم. ويشير إلى أن شبكات التواصل أصبحت أداة تعبئة سياسية كاملة، الأمر الذي يفرض إخضاع استخدامها الانتخابي لمبادئ النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص.
ولا تتوقف المشكلة عند المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي. فالإعلانات السياسية الممولة، واستخدام المؤثرين، والخوارزميات التي تحدد مدى انتشار المنشورات، كلها تخلق مستويات جديدة من المنافسة يصعب قياسها بالطريقة التي تقاس بها الحملة التقليدية. وقد يستطيع مرشح ذو حضور محدود في الشارع أن يصل إلى جمهور واسع عبر حملة رقمية جيدة الاستهداف، فيما قد لا يملك مرشح آخر الموارد أو الخبرة التقنية نفسها.
وتفرض هذه المعادلة سؤالا حول تكافؤ الفرص بين المتنافسين. فإذا كانت الحملات التقليدية تخضع لقواعد واضحة بشأن الإنفاق والمواد الدعائية، فإن البيئة الرقمية أكثر مرونة وأقل وضوحا بالنسبة إلى الناخب، خصوصا عندما تأتي الرسالة عبر حساب شخصي أو مؤثر أو محتوى يبدو غير دعائي في ظاهره.
رشيد لزرق: الهدف من الضوابط الانتخابية هو حماية نزاهة الاقتراع وحرية الناخب من التأثير والتضليل
وتحظر القواعد الانتخابية المغربية التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين، كما تجرّم الحصول على الأصوات أو محاولة الحصول عليها بواسطة الهدايا والتبرعات والمنافع، فضلا عن العنف والتهديد والتخويف. ومع انتقال جزء متزايد من الحملة إلى الإنترنت، يصبح التحدي هو ضمان امتداد هذه المبادئ إلى البيئة الرقمية بما يتناسب مع أدواتها الجديدة.
ومع ذلك، لا يعني صعود الخوارزميات نهاية الحملة التقليدية. فالمرشحون ما زالوا يحتاجون إلى الجولات الميدانية واللقاءات المباشرة، خصوصا في الدوائر التي تلعب فيها العلاقات الشخصية والحضور المحلي دورا مهما. لكن التكنولوجيا تضيف طبقة جديدة إلى هذه المنافسة: الناخب الذي يلتقي المرشح في الشارع يمكن أن يتلقى رسالته مرة أخرى على هاتفه، ثم يشاهد مقطعا آخر له على منصة مختلفة.
وهكذا أصبحت الحملة المغربية ذات مسارين متداخلين: مسار في الشارع ومسار داخل الهاتف. الأول يحتاج إلى أنصار وتنظيم وحضور ميداني، والثاني يحتاج إلى بيانات ومحتوى وخوارزميات وقدرة على فهم الجمهور.
وفي انتخابات 23 سبتمبر، تبدو التكنولوجيا أمام اختبار مزدوج. فمن جهة، يمكن أن تجعل التواصل السياسي أسرع وأكثر مباشرة، وتمنح المرشحين وسائل جديدة لشرح برامجهم والوصول إلى المواطنين. ومن جهة أخرى، تفرض على المؤسسات والأحزاب والمنصات تحديات تتعلق بالتضليل والبيانات والتمويل والشفافية.
ولذلك فإن دخول الخوارزميات إلى الحملة الانتخابية لا يغير فقط طريقة المرشح في مخاطبة الناخب، بل يعيد تعريف من يملك القدرة على الوصول إليه وكيف تُصنع الرسالة التي تصل إلى شاشته. وبينما تزداد قدرة التكنولوجيا على تخصيص الخطاب السياسي، يبقى التحدي هو ضمان ألا يتحول هذا الاستهداف إلى مساحة يصعب فيها على الناخب معرفة لماذا وصلته رسالة معينة، ومن يقف وراءها، وكيف جرى اختيارها له.