المغرب يشدد قواعد نزاهة الانتخابات
الرباط – تشكل الانتخابات التشريعية المغربية التي انطلقت اليوم الأربعاء محطة جديدة في المسار الانتخابي بالمملكة، وسط منظومة قانونية وإجرائية تستهدف تعزيز شفافية الاقتراع وضبط مختلف مراحل التصويت والفرز وإحصاء الأصوات. ويبرز ضمن هذه المنظومة تشديد العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية، وتعزيز حقوق ممثلي لوائح الترشيح في تتبع العمليات والحصول على محاضرها، إلى جانب توسيع آليات المراقبة المستقلة لتشمل آلاف الملاحظين المغاربة والدوليين.
ومن أبرز الضمانات التي تواكب انتخابات مجلس النواب تمكين ممثلي لوائح الترشيح من مراقبة عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، وتسجيل ملاحظاتهم في المحاضر، والحصول على نسخ منها. وأكد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، في دورية موجهة إلى الولاة والعمال، أن القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يكفل هذا الحق، وأن نسخ المحاضر تتمتع بالحجية نفسها التي تتمتع بها أصولها.
وتكتسب المحاضر أهمية خاصة باعتبارها إحدى الوثائق الأساسية التي تسمح للمرشحين وممثلي اللوائح بتتبع مسار النتائج ومراجعة العمليات الانتخابية، فضلاً عن إمكانية الاستناد إليها عند تقديم الطعون. ولذلك نص القانون صراحة على عقوبة في حق رئيس مكتب التصويت الذي يمتنع عن تسليم نسخة من محضر العمليات الانتخابية لممثل لائحة ترشيح كان حاضراً عند إعداد النسخ وتسليمها.
وتنص المادة 57 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على معاقبة رئيس مكتب التصويت الممتنع عن تسليم نسخة المحضر بالحبس من ستة أشهر إلى سنة، وبغرامة تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف درهم. كما يحق للمترشحات والمترشحين المعنيين الاطلاع على محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء خلال الآجال التي يحددها القانون.
ويرى رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، أن هذا التشديد يعكس توجهاً نحو توحيد تطبيق الضمانات القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، ولا سيما ما يرتبط بحق ممثلي اللوائح في مراقبة مختلف مراحل الاقتراع.
وأوضح لزرق، في تصريح لـ«العرب»، أن تمكين ممثلي اللوائح من تسجيل ملاحظاتهم والحصول على نسخ المحاضر يضيّق هامش الاجتهاد داخل مكاتب التصويت، ويوفر أساساً يمكن الرجوع إليه عند مراجعة النتائج أو ممارسة الطعون الانتخابية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في ظل تعديلات قانونية طالت المنظومة الانتخابية. فقد تم تعديل 28 مادة من أصل 32 مادة في النص المنظم، مع مضاعفة العقوبات السالبة للحرية والغرامات المالية في عدد من الجرائم، وإعادة تكييف بعض المخالفات لتصبح جنايات بالنظر إلى خطورتها. كما تضمنت التعديلات مقتضيات جديدة لتعزيز سرية التصويت، من بينها تنظيم وضع المعزل بطريقة تحد من إمكانية تصوير أوراق التصويت أو التأثير في اختيار الناخب.
ولم تعد الضمانات الانتخابية مقتصرة على مكاتب التصويت، إذ امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءاً أساسياً من الحملات السياسية. فقد نصت المقتضيات الجديدة على تجريم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض الأفعال التي تستهدف نزاهة العملية الانتخابية، بما في ذلك نشر أخبار زائفة أو ادعاءات ووقائع كاذبة، أو تركيب صور وأقوال بقصد التشهير بالمترشحين أو المساس بالحياة الخاصة للناخبين والمترشحين.
توسيع نطاق التجريم ليشمل المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي يعكس تحولاً في طبيعة المخاطر التي تواجه الانتخابات
ويمتد التأطير القانوني أيضاً إلى يوم الاقتراع نفسه. إذ تعاقب المقتضيات الجديدة نشر أو توزيع الإعلانات والمنشورات الانتخابية في يوم التصويت، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكات التواصل والبث المفتوح وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات والتطبيقات الإلكترونية، بعقوبات حبسية وغرامات مالية. كما تفرض القواعد حياد الإدارة، وتحظر على الموظفين العموميين استغلال وظائفهم للتأثير في الناخبين أو توجيههم نحو مرشح أو حزب بعينه.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية مجالاً رئيسياً للتنافس الانتخابي. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد اشتراكات الإنترنت في المغرب تجاوز 41 مليون اشتراك حتى نهاية مارس 2026، وهو ما جعل شبكات التواصل وسيلة رئيسية للأحزاب في التواصل مع الناخبين خلال الحملة الانتخابية. ومع اتساع هذا المجال، أصبحت مواجهة التضليل والأخبار الزائفة والمحتويات الانتخابية المولدة بالذكاء الاصطناعي جزءاً من حماية العملية الانتخابية.
وفي موازاة الإطار القانوني، اعتمدت السلطات آليات مؤسساتية لمتابعة سير الاقتراع. فقد جرى تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب لجان إقليمية وجهوية لمواكبة مختلف مراحل العملية الانتخابية واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على سلامة العمليات. وتعمل هذه اللجان ضمن الاختصاصات التي يحددها القانون، من دون المساس باختصاصات المؤسسات القضائية والتشريعية والإدارية المعنية.
أما المراقبة المستقلة، فتحظى بحضور واسع خلال انتخابات 23 سبتمبر. فقد اعتمدت اللجنة الخاصة لاعتماد ملاحظات وملاحظي الانتخابات 26 جمعية غير حكومية ومؤسسة وطنية و30 هيئة ومنظمة دولية، بإجمالي 3006 ملاحظين وملاحظات. ويشمل العدد 783 ملاحظاً من المجلس الوطني لحقوق الإنسان و2023 ملاحظين يمثلون جمعيات غير حكومية مغربية. كما يشارك نحو 200 ملاحظ يمثلون هيئات ومنظمات دولية وإقليمية ودبلوماسية.
وأكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن الملاحظة ستتم بصورة مستقلة ومحايدة خلال مختلف مراحل العملية الانتخابية، فيما استفاد الملاحظون من دورات تكوينية للتعرف على القواعد القانونية المؤطرة للعملية وكيفيات ممارسة الملاحظة. ويعكس هذا المسار توسيع دائرة الرقابة إلى جانب الآليات الرسمية والقضائية.
ويرى لزرق أن فعالية هذه المنظومة ستبقى مرتبطة بمدى تطبيق القواعد بصورة متساوية على مختلف الأطراف، وبسرعة ترتيب الجزاءات عند وقوع المخالفات. ويعتبر أن المحاضر تمثل في هذا السياق إحدى الأدوات الأساسية لتوثيق ما يجري داخل مكاتب التصويت، بما يسمح بالانتقال من مجرد المراقبة أثناء الاقتراع إلى إمكانية مراجعة وتدقيق العملية عند ظهور نزاع.
كما أن توسيع نطاق التجريم ليشمل المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي يعكس تحولاً في طبيعة المخاطر التي تواجه الانتخابات. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول التأثير المباشر على الناخبين داخل الدوائر، وإنما امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث يمكن للمحتوى المضلل أن ينتشر بسرعة ويؤثر في صورة المرشحين أو في الثقة بنتائج الاقتراع. ولهذا أنشأت المنظومة القانونية الجديدة أدوات لمواجهة هذا النوع من المخاطر بالتوازي مع الضوابط التقليدية.
وفي المحصلة، تحاول انتخابات 23 سبتمبر إقامة سلسلة رقابية تبدأ من مكاتب التصويت وتمتد إلى محاضر الفرز ولجان الإحصاء، ثم إلى آليات الطعن والمراقبة المستقلة، فيما أضيف إليها مجال جديد يتعلق بالمحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي. ولا تتوقف أهمية هذه المنظومة على صرامة العقوبات وحدها، وإنما على قدرتها على ضمان تطبيق القواعد بصورة متساوية وشفافة.
ومن هنا يصبح اختبار نزاهة الانتخابات المغربية مرتبطاً ليس فقط بسلامة عملية التصويت، بل أيضاً بقدرة النظام القانوني والمؤسسات الرقابية على حماية النتيجة من لحظة وضع الورقة في الصندوق إلى لحظة إعلان النتائج النهائية.