نيودلهي هل حسمت أمر تموضعها؟

الهند تسعى لتموضع عالمي متوازن بين شراكات مع الغرب ومنافسة الصين مستندة إلى سياسة عدم الانحياز ومراقبة التحولات الدولية بحذر شديد ومدروس.
الجمعة 2026/09/18
فرصة لإعادة التموضع

أكد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم السبت11 أيلول/سبتمبر الجاري، في كلمته الافتتاحية خلال قمة مجموعة بريكس أن “القمة ليست موجهة ضد أحد”، مضيفًا أن “التكتل وصل إلى سن الرشد التي يجب أن يتطور فيها الجنوب العالمي ليصبح صائغًا للقواعد في الحوكمة العالمية.” وقد ضمّ التكتل، إلى جانب البرازيل وجنوب إفريقيا والهند والصين وروسيا، مشاركة كل من مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات، حيث عقد اجتماعه الثامن عشر في العاصمة الهندية نيودلهي لبحث سبل تعزيز التجارة والاستثمار ومعالجة النزاعات العالمية.

جيد ما قاله مودي بشأن بلوغ التكتل سن الرشد، وإن كان فيه بعض المبالغة، إذ استند إلى عاملين في قراءته: الأول، تراجع النفوذ الأميركي في العالم، وهو أمر من المبكر الحكم فيه؛ والثاني، صمود كل من روسيا وإيران في الحرب مع الغرب، ما اعتبره فرصة لإعادة التموضع، ورآه مؤشرًا على بداية تأسيس نظام متعدد الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الغربية التي تشهد مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب زعزعة بين أوروبا وأميركا. فلماذا لا يكون للهند مكان قطبي عالمي؟

لم يكن مودي دونكيشوتيًا في كلمته الافتتاحية، خصوصًا حين أكد أن هدف القمة ليس موجهًا ضد أحد، رغم إدراكه أن مجموعة بريكس تأسست لمواجهة الأحادية الغربية وكسر هيمنة مجموعة الدول السبع (G7) التي تضم الاقتصاديات الغربية الكبرى. لكنه يدرك أن اتخاذ موقف صدامي مع الغرب في لحظة انفعال قد لا يكون خيارًا صحيحًا، رغم أن دول الجنوب تعمل على كسر هذه الهيمنة. ويسجل التقدم الهائل للصين في الذكاء الاصطناعي خطوة نحو إعادة صياغة الحوكمة العالمية.

في العاصمة نفسها قبل سنوات، وتحديدًا في10  أيلول/سبتمبر 2023، استضافت نيودلهي قمة مجموعة العشرين (G20). الأمر بحد ذاته لا يثير الاستغراب، لكن المستغرب كان إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن خارطة لممر اقتصادي عُرف باسم “الممر الهندي الاقتصادي”، يجعل من نيودلهي قطبًا آسيويًا مركزيًا لحركة التجارة نحو العمق الأوروبي عبر إيطاليا. والأبرز أن نتنياهو اعتبر أن هذا الممر سيشكل نقلة في رسم ممرات التجارة الدولية، حيث سيكون ميناء حيفا نقطة الوصل بين الجنوب الآسيوي والغرب الأوروبي.

◄ مودي أكد في قمة بريكس أن التكتل بلغ سن الرشد مشددًا على ضرورة تطوير الجنوب العالمي ليصبح صائغًا للقواعد في الحوكمة العالمية

انسجامًا مع هذا الممر، وقفت الهند إلى جانب إسرائيل في الحرب على حركة حماس، معتبرة أن تدمير قدرات الحركة يزيل تهديد الممر ويسرّع إطلاق قناة بن غوريون كبديل مائي عن قناة السويس. وقد فتحت الهند دبلوماسيتها لعلاقات جدية مع فرنسا وإيطاليا، في تقاطع مصالح بين أوروبا الباحثة عن بديل آسيوي عن الصين المتحالفة مع روسيا في الحرب الأوكرانية، وبين الهند الساعية لاستمالة الأسواق الغربية لتكريس منافسة مع الصين على مختلف الصعد.

“إجر بالفلاحة، وإجر في البور”، هذا ما ينطبق اليوم على التموضع الهندي. فالهند لم تصل بعد إلى قناعة بوجود شراكة مستدامة مع الصين. إذ تعتمد نيودلهي في هذه المرحلة ضبط خطواتها بانتظار ما ستؤول إليه العلاقة الأميركية الصينية. فصراعها مع الصين لا يقف عند المنافسة على الممرات، بل يمتد إلى حدود جغرافية دموية متنازع عليها في جبال هملايا الوعرة، المعروفة بـ”خط السيطرة الفعلية”.

شكّلت قمة بريكس في نيودلهي تحولًا في سياسة الهند الخارجية، إذ إن التشظي الذي يشهده الغرب في أكثر من ساحة لا يخدم التوجه الهندي، في ظل تماسك دول الجنوب المتمثل بالصمود والتضامن لمواجهة عسكرية واقتصادية، بهدف إيجاد أرضية قادرة على قلب المعادلات لصالح دول الجنوب. فالهند أيضًا دولة من هذا العالم، وأي صعود لهذه الدول سيشملها، ما يجعل سياساتها الخارجية أكثر حذرًا ومدروسة في رسم نهائي لأي تموضع.

تدرك نيودلهي أن الصراع بين الجنوب والشمال يستند جزئيًا إلى النظرة الغربية المتعالية. ولهذا، مهما تقاطعت مصالح الهند مع الغرب، لن تستطيع بناء علاقة ندية. وبالمقابل، تواجه مجموعة بريكس خطر الزعزعة الداخلية، إذ تشهد البرازيل معركة انتخابية قد يفوز فيها المرشح الأقرب للغرب عام 2026، السيناتور فلافيو بولسونارو، الذي يحمل قراءات مختلفة عن الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، الخصم العنيد للرئيس الأميركي، وقد يقود بلاده إلى الخروج من المجموعة.

في ظل التجاذبات الدولية والحروب المفتوحة، يستنسخ مودي عن سلفه جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند، سياسة “عدم الانحياز”، بدلالة تأكيده أن قمة نيودلهي ليست موجهة ضد أحد. لكن إلى حين جلاء الضبابية المسيطرة على المشهد الدولي، كي يكون لمودي القدرة على الاختيار بين “البور” و”الفلاحة”، قد يسقط شعبيًا مع تنامي حزب الصراصير والمعارضين له. فهل هذا السيناريو مطروح؟

3