من المستفيد من التقارب الصيني المصري؟

الضرورة تفرض على مصر الانتقال من تنويع الخيارات إلى تمتين العلاقة مع الصين تحت عنوان “تلاقي الضرورة”.
الأحد 2026/09/13
من تنويع الخيارات إلى تلاقي الضرورة

أكدت مصر في بيان مشترك مع الصين، الأربعاء 2 أيلول/سبتمبر الجاري، رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة. وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في بيان جاء خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، على أن “تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية“.

قد لا تكون قضية الجزيرة تعني السيسي، ولا حتى وحدة المسار والمصير بين التايوانيين والصينيين، فالرجل جلّ ما يحتاجه هو رفع سقف مواقفه السياسية بما يرضي الرئيس شي، لأن الطريق إلى واشنطن لم تعد معبّدة منذ اللقاء الذي لم يحصل بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والسيسي في البيت الأبيض، بسبب حرب غزة وإشكالية نقل السكان إلى صحراء سيناء. تباعد بين الطرفين بدأ يظهر إلى العلن مع المتغيرات التي تشهدها المنطقة في ظل حرب لا تعرف النهاية يقودها الأميركي والإسرائيلي، رغم الدعوات العربية إلى فرض التهدئة وفتح باب الحوار، كبيان مجلس الوزراء القطري في 2 أيلول الجاري الذي دعا فيه إلى الوقف الفوري والكامل للأعمال العسكرية والعودة إلى مسار الحوار والمفاوضات.

التقارب بين مصر والصين يعكس انتقال القاهرة من تنويع الخيارات إلى تمتين الشراكات بحثًا عن بديل استراتيجي يوازن الضغوط الأميركية ويعزز حضورها الإقليمي

لا يبدو أن نجاح الحوار مضمون، فالمباحثات بين طهران وواشنطن وصلت إلى طريق مسدود حيث سقط اتفاق إسلام أباد ونعاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. لهذا باتت الضرورة تفرض على مصر الانتقال من تنويع الخيارات إلى تمتين العلاقة مع الصين تحت عنوان “تلاقي الضرورة”. لقد شعرت مصر أن الحليف الروسي لم يعد وازنًا في المنطقة ولا حتى في أفريقيا بعد سقوط النظام في سوريا ومع تراجع الحضور والنفوذ في القارة السمراء، لذلك “جفّت” الاتفاقيات الثنائية بين البلدين، وإن زمن الاتحاد السوفيتي لن يعود كما كان في العدوان الثلاثي عام 1956، فاليوم زمن نهضة التنين الأصفر الذي يؤمن بالقضية الفلسطينية ومبدأ حل الدولتين ضمن ثوابت السياسة الخارجية الصينية، وهذا ما يحتاجه المصري حاليًا لإبعاد شبح “الترانسفير” الغزّاوي إلى بلاده.

لا نقاش في أن الصيني يحتاج إلى بناء أرضية دولية واسعة مؤيدة لقرار “ضم الجزيرة” قبل لجوئه إلى عملية عسكرية خاصة لتحقيق الغرض، لكن الرؤية الصينية إلى التقارب مع مصر أبعد من مسألة “التحشيد” الدولي، فهي تمثلت بعقلية التاجر الحريص الذي دعا المسؤولين الإيرانيين إلى فتح مضيق هرمز والتخلي عن فكرة تقاضي الضرائب على السفن العابرة منه. فالصين تحتاج النفط والاستقرار معًا في المنطقة، ومن مصلحتها ألا ترتبك حركة التجارة العالمية، ثم إن إيران ليست شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه، فواردات إيران تشكل فقط 0.3% من صادرات الصين، إضافة إلى أن الاقتصاد الإيراني بات وشيك الانهيار.

حاجة متبادلة تجمع الطرفين، فمصر أيضًا تريد هذا التلاقي في ظل منطقة تشهد تكتلات ترى نفسها خارجها، كـ”اتفاق مكة” الذي جمع بين تركيا والسعودية وباكستان. إضافة إلى أن مصر بدأت تشعر أنها تخسر دورها التاريخي كحاضن رئيسي للقضية الفلسطينية التي تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى تفريغها من مضمونها مع اتخاذ القرار بشن حرب واسعة على الضفة الغربية. كشفت المناورات الجوية المصرية الصينية الأخيرة عن تنامي التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، لكن ما هو أبعد من المناورات المشتركة يرتبط بالرؤية المصرية نحو توسيع مروحتها في تنويع مصادر التسلح من خارج الولايات المتحدة.

الصين تنظر إلى مصر كحليف ضروري لتوسيع نفوذها التجاري والسياسي بينما ترى القاهرة في بكين سندًا لمواجهة تحديات سد النهضة وضغوط واشنطن المتزايدة

تقاطع في المصالح بات واضحًا بين جمهورية الصين الشعبية التي باتت تريد ممرًا لها في المنطقة يكون بديلًا عن الممر الإيراني الذي يتعرض إلى مزيد من العقوبات والدمار من قبل الولايات المتحدة، وبين الجمهورية العربية المصرية التي باتت تجد في الصين الملاذ الأوحد لها في تمتين علاقاتها الدولية وسط توتر واضح مع واشنطن التي تستخدم أكثر من ورقة ضغط بوجه القاهرة، على رأسها القضية الشائكة المتمثلة في إثيوبيا بعد الاتفاق الأمني الذي وقّع بين أديس أبابا وواشنطن في آب الماضي، والذي لم يشكل دعمًا استراتيجيًا لها فحسب، بل أتى بالتزامن مع استعداد إثيوبيا لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق قد تتجاوز سعتها التخزينية سعة سدّ النهضة.

تعاملت القاهرة مع التطور الأمني المشترك بحذر وسعت إلى استيعاب تداعياته، ورغم تصريحات المسؤولين المصريين بأن الخطوة لن تمثل تغييرًا جوهريًا في ميزان القوى في القرن الإفريقي، فإن الشراكة مع الصين بالنسبة إليها لم تعد خيارًا بل قرارًا لا بدّ منه. إذ لم تقتصر هذه الشراكة على البيانات السياسية، لكنها توسعت لتشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، ووصلت إلى المجال العسكري الجوي.

أربكت “النرجسية” الترامبية التحالفات الدولية وأعادت خلط الأوراق من جديد، وهذا ما فتح هامشًا من التحرك أمام الدبلوماسية الصينية وساعد في خلق البديل في تحالفاتها، وما بات يطرح السؤال أمام الإصرار الأميركي على تضييق الخناق على الصين: هل ستنتقل الصين إلى استخدام العصا الغليظة بدل الدبلوماسية الناعمة وتدعو فيها الحليف للمشاركة، مصر نموذجًا؟ أم ستبقى الصين تفكر بعقلية التاجر بينما تستثمر مصر هذه الصداقة لحث واشنطن على تبديل مواقفها الهجومية تجاهها؟