لبنان بين نار الانتخابين

الفترة الانتخابية لا يمكن للبنان أن يعوّل على نتائجها، حتى لو كانت انتقالية للسلطة
الأحد 2026/08/30
حالة من “اللا تفاهم” تسود بين واشنطن وتل أبيب

ذكر موقع “واللا” الإخباري الإسرائيلي، يوم الخميس 27 آب/أغسطس، أن تل أبيب أبلغت واشنطن بأن “مشروع المناطق التجريبية”، الذي بدأ تنفيذه في جنوب لبنان عقب توقيع مذكرة التفاهم بين بيروت وتل أبيب، “قد فشل”. ما ذكره الموقع يتقاطع مع ما قاله رئيس الأركان الإسرائيلي، يوم الثلاثاء 25 آب/أغسطس 2026، اللواء إيبال زامير، حين أكد أن الجيش لن يسمح لأعدائه في غزة ولبنان بإعادة بناء قوتهم، مشدداً على تأهبه على جميع الجبهات.

تصريحات زامير تؤكد أن الحرب قد تعود إلى الجبهات، وتكشف عن نوايا حكومته ذات التوجه اليميني المتطرف، التي تربط عودة القتال بتحقيق مصالح انتخابية مرتبطة بانتخابات الكنيست المزمع إجراؤها في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. فالرجل يدرك أن أي تراجع في هذه المرحلة سيُسجَّل خسارة تكتيكية لفريقه السياسي، ما قد ينعكس سلباً على النتائج المرجوة في الجولة الانتخابية.

نية رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في تعويض خسارة “10 مقاعد من حزب الليكود الذي يقوده”، بحسب تسريبات من مصادره، تتعارض مع رؤية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمنطقة. فترامب يستعد مع فريق عمله لانتخابات الكونغرس النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، والتي يحتاج إلى كسبها لتعزيز نصف ولايته المتبقية، وتمهيد الطريق أمام حزبه الجمهوري للانتخابات الرئاسية المقبلة.

بين انتخابات الكنيست والكونغرس يتأرجح لبنان بين ضغوط نتنياهو لإشعال الجبهات وموقف ترامب الساعي للتهدئة، ما يضع المفاوض اللبناني أمام معضلة صعبة

يسعى الرئيس ترامب إلى فرض نوع من الاستقرار؛ فقد عيّن لقطاع غزة مجلساً للسلام، وللبنان نصّ “اتفاق الإطار” الذي يجول السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، على المسؤولين من أجل تعبيد الطريق لإنجاح الجولة الثامنة منه المقرر عقدها في أيلول/سبتمبر المقبل.

حالة من “اللا تفاهم” تسود بين واشنطن وتل أبيب حول إدارة هذه المرحلة، تجعل لبنان يتأرجح بين ناري الانتخابات. الأولى، انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر، حيث يخوض نتنياهو منافسة مصيرية ليس فقط على مستقبله السياسي، بل أيضاً على احتمال فتح أبواب السجن أمامه. لذلك تدفع حكومته الحالية نحو إشعال الجبهات من جديد، إذ تبقى الحرب بالنسبة إليه الملاذ الأخير لتعزيز حظوظه الانتخابية، لأنها تحاكي هواجس مستوطني الجنوب والشمال.

الرغبة الإسرائيلية في “التفلّت” من أي التزام أمام واشنطن، تضع المفاوض اللبناني أمام معضلة غير مستحبة، في ظل استمرار إسرائيل بالاعتداءات على مناطق لبنان، ورفضها طلباً لبنانياً بأن تكون الخيام أو بنت جبيل إحدى المناطق التجريبية في المرحلة المقبلة.

الفترة الانتخابية لا يمكن للبنان أن يعوّل على نتائجها، حتى لو كانت انتقالية للسلطة، إذ إن المنافس غازي أيزنكوت ينتمي إلى اليمين الوسطي الذي يلتقي في كثير من القضايا مع نتنياهو. لهذا يتمسك لبنان الرسمي بنجاح الجولة المقبلة من مفاوضات روما، وهو ما أكده الرئيس جوزاف عون يوم الخميس 27 آب/أغسطس في عيد الـ81 لقوى الأمن العام. وأوضح أن ذلك يتوقف على استغلال الإرادة الأميركية في فترة الانتخابات، خصوصاً تلك التي تعارض مجاراة نتنياهو في توسيع الحرب، رغم أنها تتجاهل ما يحصل من تدمير واعتداءات إسرائيلية على مناطق جنوبية.

في 27 آب/أغسطس كشف موقع “واللا” أن مشروع المناطق التجريبية في جنوب لبنان فشل فيما شدّد رئيس الأركان الإسرائيلي على منع إعادة بناء القوة

تسعى إدارة الرئيس ترامب إلى فرض التهدئة على جبهتي غزة ولبنان، بعدما تزايدت حملات المطالبة بوقف الحرب ووقف دعم إسرائيل. وإن صعود موجة اليسار التقدمي في الانتخابات التمهيدية دفعه إلى أن يكون أكثر حذراً في مرحلة التمهيد للانتخابات النصفية في الكونغرس الأميركي، خوفاً من انعكاساتها السلبية على مركزية القرار في البيت الأبيض.

قد تكون هذه من المرات النادرة التي يقع فيها لبنان بين انتخابين يحملان عناوين مختلفة بين الحليفين. فبين مصالح حكومة نتنياهو وهواجس ترامب الانتخابية، يترنح لبنان بين الموقف الأميركي الداعي إلى ضرورة الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وتحقيق بنود الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، وبين التمسك بعمقه العربي الذي يدعم لبنان الرسمي في إعادة الإعمار وتأمين فرص الاستثمار.

في ظل واقع انقسام الأهداف الانتخابية بين إسرائيل التي تحتل الكثير من أراضي لبنان وترفض الانسحاب إلا بتسليم الحزب، وبين الولايات المتحدة التي تبحث عن استقرار انتخابي، يقع لبنان أمام معضلة ما بين الانتخابين، ما يطرح تساؤلات حول جدوى الموقف الرسمي اللبناني من المضي في مسار التفاوض.

3