الجداريات ذاكرة الجنوب الليبي

ليس كل ما يُخط على الجدران كتابة، وليس كل ما يُرسم عليها زينة.
الخميس 2026/09/17
التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع ذاكرة المكان

في مدن أثقلتها السياسة، وأرهقتها الأزمات، وتراجع فيها حضور المؤسسات الثقافية، يمكن لجدار صامت أن يصبح أكثر بلاغة من كثير من المنابر.

في سبها، يملأ الفن الفراغ الإعلامي، فتتحول الجداريات إلى أداة لإعادة الاعتبار للمدينة، ولجعل ذاكرة الجنوب جزءاً من المشهد الوطني العام.

لهذا فإن النظر إلى الفنون البصرية باعتبارها نشاطاً جمالياً محدوداً لا يكفي. فالفن، في مدينة تقع عند تقاطع جغرافي واجتماعي وتاريخي شديد التعقيد، يستطيع أن يؤدي وظيفة تتجاوز اللوحة والجدارية والمعرض. إنه يوثق، ويستعيد، ويعرّف، ويمنح المجتمع وسيلة للتعبير عن نفسه بعيداً عن اللغة السياسية التي كثيراً ما اختزلت الجنوب في مفردات الأمن والحدود والهجرة والنفط.

وحين يرسم فنان شاب مشهداً من سبها، أو وجهاً من وجوهها، أو سوقاً من أسواقها، أو تفاصيل من أحيائها، فإنه لا يقدم صورة لمكان فحسب؛ بل يقول، بطريقة بصرية بسيطة، إن هذا المكان له ذاكرة، وإن سكانه ليسوا هامشاً في قصة ليبيا، بل جزء من قصتها الأساسية.

أرشيف بصري مفتوح

ربما تكمن قوة الفن في أنه يستطيع أن يبدأ من التفاصيل التي لا تجد عادة مكاناً في الخطاب العام. السياسة تبحث عن السلطة، والاقتصاد يبحث عن الأرقام، والإعلام يبحث عن الحدث، بينما يستطيع الفن أن يتوقف عند وجه إنسان، أو لون جدار، أو مشهد شارع، أو حركة يد، أو ملامح سوق شعبي. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية ما نسميه ذاكرة المكان. فحين تتغير المدن بفعل الزمن والأزمات والهجرة والتوسع العمراني، لا تبقى منها دائماً الوثائق الكافية التي تخبر الأجيال المقبلة كيف كانت الحياة فيها. لكن الصورة تستطيع أن تحفظ ما قد تنساه الوثيقة، واللوحة تستطيع أن تستعيد ما لا تسجله الأخبار.

حين يرسم فنان شاب مشهداً من سبها أو وجهاً من وجوهها فإنه لا يقدم صورة لمكان فحسب بل يقول بطريقة بصرية بسيطة إن هذا المكان له ذاكرة

من هنا يمكن النظر إلى جدران سبها بوصفها أرشيفاً بصرياً مفتوحاً. إنها لا تحفظ التاريخ الرسمي للمدينة، بل تحفظ شيئاً من تاريخها الإنساني. وإذا كان التاريخ الرسمي يميل بطبيعته إلى تسجيل الأحداث الكبرى، فإن الفن يلتقط الحياة التي تجري تحتها: الناس في الأسواق، الأطفال في الشوارع، ملامح الأحياء، الرموز المحلية، الصحراء، الألوان، الوجوه، والعادات التي تمنح المكان شخصيته الخاصة. وفي هذا المعنى، تصبح الجدارية وثيقة من نوع مختلف، لا لأنها تقدم حقائق إحصائية أو تواريخ سياسية، وإنما لأنها تسجل كيف أراد مجتمع ما أن يرى نفسه في لحظة معينة.

وهنا تكتسب تجربة الفنانين الشباب أهمية خاصة. هؤلاء لا يرسمون الجنوب من ذاكرة بعيدة، بل من تجربة يومية يعيشونها. إنهم أبناء مدينة عرفت التغيرات السياسية والاجتماعية، وشهدت آثار الانقسام، وتعايشت مع مشكلات التنمية والخدمات، لكنها لم تتوقف عن إنتاج الحياة. لذلك فإن الفن الذي يخرج من هذه البيئة لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية التقنية الفنية، بل أيضاً من زاوية قدرته على إعادة تعريف الصورة التي يُرى بها الجنوب.

لقد اعتاد الخطاب العام أن ينظر إلى الجنوب باعتباره منطقة تحتاج إلى شيء يأتيها من المركز: مشاريع، أموال، خدمات، قرارات، أو حلول أمنية. لكن الثقافة تقلب هذه العلاقة رأساً على عقب. فهي لا تجعل الجنوب متلقياً فقط، بل تجعله منتجاً. الفنان الجنوبي لا ينتظر أن يرسم الآخرون صورته، وإنما يرسمها بنفسه. وهذه النقلة البسيطة في الظاهر عميقة في معناها السياسي والثقافي، لأنها تنقل الجنوب من موقع الموضوع الذي يُتحدث عنه إلى موقع الذات التي تتحدث عن نفسها.

فعل ثقافي يعاكس النسيان

لهذا أيضاً يمكن اعتبار الفن البصري شكلاً من أشكال مقاومة التهميش، لكن مقاومة من نوع مختلف. ليست مقاومة بالصدام أو بالشعار، وإنما بالحضور. أن تكون موجوداً في الفضاء العام، وأن ترى صورتك على الجدار، وأن تجد رموز مدينتك في المكان الذي تعيش فيه، هو بحد ذاته فعل ثقافي يعاكس النسيان. فالتهميش لا يحدث فقط عندما تُحرم مدينة من الموارد، وإنما يحدث أيضاً عندما تختفي من المخيلة الوطنية، أو عندما تختزل صورتها في مجموعة من الصور النمطية.

والجنوب الليبي يستحق أن يُرى بما هو أكثر من هذه الصور. سبها ليست مجرد عقدة طرق أو مدينة صحراوية أو نقطة في خريطة أمنية. إنها مدينة لها مجتمعها وتاريخها وتنوعها وذاكرتها الثقافية. والفن يستطيع أن يقدم هذه الحقيقة من دون خطاب دفاعي. لوحة واحدة قد تقول عن المكان ما تعجز عنه صفحات من التقارير، لأنها لا تخبر المتلقي فقط بما يوجد في المدينة، بل تمنحه فرصة للنظر إليها من داخلها.

الفن الذي يخرج من هذه البيئة لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية التقنية الفنية، بل أيضاً من زاوية قدرته على إعادة تعريف الصورة التي يُرى بها الجنوب

وهذا هو أحد أهم أدوار الثقافة في المجتمعات الخارجة من الصراعات؛ إعادة الإنسان إلى مركز الصورة. ففي سنوات الأزمات، يميل الخطاب العام إلى التعامل مع المدن والجماعات من خلال الأرقام والخرائط وموازين القوة. تتحول المدينة إلى منطقة نفوذ، والحدود إلى ملف أمني، والناس إلى إحصاءات. لكن الفن يعيد الأشياء إلى حجمها الإنساني. إنه يقول إن وراء كل رمز حياة، ووراء كل منطقة مجتمعاً، ووراء كل أزمة ذاكرة وأحلاماً وتفاصيل يومية.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن تنتظر الثقافة انتهاء الأزمات حتى تبدأ. على العكس، قد تكون الحاجة إليها أكثر إلحاحاً أثناء الأزمات. فالمجتمعات لا تحتاج إلى الفن عندما تستقر فقط؛ تحتاج إليه كي تفهم ما عاشته، وتستعيد ثقتها بمكانها، وتمنح أبناءها وسيلة للتعبير لا تقوم على العنف أو الاستقطاب. وفي ليبيا، حيث استهلك الصراع السياسي مساحة واسعة من النقاش العام، يمكن للثقافة أن تفتح مجالاً آخر للحديث عن الوطن، مجالاً لا يبدأ بالسؤال عمن يحكم، بل بالسؤال عمن نحن.

مشروع ثقافي مستدام

لكن المفارقة أن الفنون البصرية في سبها تتحرك في مساحة مؤسسية محدودة. كثير من المبادرات الثقافية والفنية تقوم على جهود فردية، وعلى حماس الفنانين والشباب، وعلى إمكانات متواضعة لا تسمح دائماً بتحويل المبادرات إلى مشاريع مستمرة. وهذا يكشف خللاً أوسع في علاقة الدولة الليبية بالثقافة. فحين تُعامل الثقافة باعتبارها بنداً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء المشكلات السياسية والاقتصادية، فإنها تتحول إلى أول ضحية للأزمة، رغم أنها يمكن أن تكون إحدى أدوات الخروج منها.

الدعم الثقافي لا يعني بالضرورة إنشاء مؤسسات ضخمة أو إقامة مهرجانات مكلفة. أحياناً يكون المطلوب أكثر بساطة وأكثر استدامة: مساحة يستطيع الفنان أن يعمل فيها، معرض صغير، ورشة للأطفال، برنامج لتوثيق الفن المحلي، دعم لإنتاج الأعمال، أو أرشيف رقمي يحفظ ما يُرسم اليوم قبل أن يختفي غداً. هذه التفاصيل قد تبدو هامشية أمام حجم التحديات الليبية، لكنها في الحقيقة جزء من بناء البنية الرمزية للدولة، وهي البنية التي لا تقل أهمية عن الطرق والمؤسسات والخدمات.

بل إن غياب المؤسسة قد يكون قد منح بعض الفنانين هامشاً من الحرية. فالمبادرة التي تنشأ من الشارع لا تحتاج دائماً إلى انتظار موافقة بيروقراطية، والفنان الذي يعمل بإمكاناته الخاصة يستطيع أن يكون أكثر قرباً من نبض المجتمع. لكن تحويل هذه الحرية إلى مشروع ثقافي مستدام يتطلب مؤسسات لا تفرض وصايتها على الفن، بل توفر له البيئة التي تسمح له بالنمو. المطلوب ليس أن تتحول الجدارية إلى ملصق رسمي، وإنما أن تصبح جزءاً من مدينة تعترف بالفن باعتباره أحد أشكال التعبير العام.

الفن يعيد الأشياء إلى حجمها الإنساني
الفن يعيد الأشياء إلى حجمها الإنساني

وهنا يمكن لسبها أن تقدم نموذجاً ثقافياً يتجاوز حدودها. فلو جرى توثيق الجداريات والأعمال البصرية، وتسجيل أسماء الفنانين وقصص الأعمال وتواريخها، وإنشاء أرشيف بصري للمدينة، فإن ما يبدو اليوم مبادرات متفرقة يمكن أن يتحول مع الوقت إلى ذاكرة ثقافية للجنوب. ويمكن لهذا الأرشيف أن يصبح مادة للباحثين والفنانين والطلاب والمؤسسات الإعلامية، وأن يربط سبها بمدن ليبية أخرى، بحيث لا تبقى الثقافة موزعة في جزر منفصلة، بل تصبح شبكة وطنية من القصص والصور والذاكرات المحلية.

وهذا مهم لأن ليبيا لا تحتاج فقط إلى سردية وطنية واحدة تُفرض من الأعلى، وإنما تحتاج إلى فسيفساء من السرديات المحلية التي تجد مكاناً داخلها. طرابلس لها ذاكرتها، وبنغازي لها ذاكرتها، ومصراتة ودرنة وغدامس والكفرة وسبها وغيرها لها ذاكرتها. الوطنية الحقيقية لا تعني محو هذه الاختلافات، وإنما القدرة على جمعها داخل قصة أوسع. وكلما شعر مجتمع ما أن ذاكرته معترف بها، أصبح أكثر قدرة على رؤية نفسه داخل الوطن المشترك.

من هنا يصبح الفن الجنوبي جزءاً من مسألة أكبر من الثقافة نفسها. إنه يساهم في إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الذاكرة المحلية والهوية الوطنية، وبين الإنسان ومكانه. والجدارية التي تصور شارعاً أو سوقاً أو وجهاً قد تبدو صغيرة أمام ملفات النفط والحدود والحكومة والانتخابات، لكنها تطرح سؤالاً لا يقل أهمية: من يملك حق رواية ليبيا؟

نوافذ للحوار

هذا السؤال ليس ترفاً ثقافياً. فالذين يملكون القدرة على رواية الماضي يمتلكون جزءاً من القدرة على تشكيل المستقبل. وإذا بقي الجنوب يُروى دائماً من الخارج، عبر التقارير الأمنية والسياسية والاقتصادية، فإن صورته ستظل ناقصة. أما عندما يبدأ أبناؤه في إنتاج صورته بأنفسهم، فإن المشهد يتغير. لا يعود الجنوب مجرد مساحة على الخريطة، بل يصبح صوتاً داخل السردية الوطنية.

الجدار في سبها أكثر من جدار؛ إنه صفحة من كتاب ليبيا المفتوح يكتب عليها جيل جديد ما يريد أن يتذكره عن مدينته وما يريد للآخرين أن يعرفوه عنها

ولذلك فإن جداريات سبها لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد فن شارع. قيمتها الحقيقية أنها تعيد الاعتبار إلى فكرة المكان بوصفه ذاكرة حية. إنها تقول إن الجدران تستطيع أن تحفظ ما لا تحفظه المؤسسات، وإن الثقافة قادرة على فتح نوافذ للحوار حيث تغلق السياسة أبوابها، وإن بناء الوطن لا يحدث فقط عبر الاتفاقات السياسية أو المشاريع الاقتصادية، وإنما يحدث أيضاً عندما يشعر المواطن أن حياته وتاريخه وصورته جديرة بأن تكون جزءاً من الفضاء العام.

في النهاية، قد تتغير الجداريات نفسها، وقد يطلي الزمن بعضها أو تختفي بفعل إعادة البناء، لكن الفكرة التي تقف وراءها تستطيع أن تبقى: الجنوب ليس هامشاً في ليبيا، وسبها ليست مجرد نقطة بعيدة عن المركز. هناك حياة كاملة تستحق أن تُرى، وذاكرة تستحق أن تُحفظ، وفنانون يستحقون أن يُسمع صوتهم.

ربما لهذا يصبح الجدار، في مدينة مثل سبها، أكثر من جدار. إنه صفحة من كتاب ليبيا المفتوح، يكتب عليها جيل جديد ما يريد أن يتذكره عن مدينته، وما يريد للآخرين أن يعرفوه عنها. وفي بلد أنهكته السياسة حتى كادت السياسة تختزل كل شيء، قد تكون استعادة الثقافة إحدى الطرق القليلة لإعادة الإنسان إلى مركز المشهد. فليبيا لا تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها فقط؛ إنها تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء صورتها عن نفسها.

وعندما يبدأ هذا البناء من جدار في سبها، فإن الرسالة تتجاوز حدود اللوحة: الوطن الذي يريد أن يتصالح مع مستقبله، عليه أولاً أن يصالح ذاكرته، وأن يمنح كل مدينة حقها في أن تحكي قصتها. وربما تكون البداية أبسط مما نعتقد: أن نترك للجدار مساحة كي يتكلم.

4