في مواجهة إيران: وحدة الخليج فوق كل اعتبار

الوحدة الخليجية لا تعني بالضرورة صياغة سياسة واحدة بكل تفاصيلها تجاه إيران. الوحدة الأكثر واقعية هي أن تتفق الدول على المصالح الأساسية.
الخميس 2026/09/17
التنسيق الخليجي المستمر لمواجهة الأزمات

لا تحتاج دول الخليج أن تتفق على كل شيء كي تدرك أنها تواجه المخاطر ذاتها، وتتقاسم البحر والممرات التجارية والطاقة والأسواق والحدود والهواجس الأمنية نفسها. فالعواصم الخليجية قد تختلف في طريقة التعامل مع طهران، وقد تتفاوت في مساحة الحوار التي تتركها لها، أو في تقديرها للجدوى السياسية للوساطة والاتصال المباشر، لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة اختلافاً في أصل المصلحة: أمن الخليج واستقراره لا يمكن أن يكونا رهينة لخلافات ظرفية، ولا يمكن أن تتحول الاختلافات في التكتيك إلى شرخ في الاستراتيجية.

المفارقة أن الخليج لا يواجه إيران فقط باعتبارها دولة جارة ذات وزن إقليمي، بل يتعامل معها ضمن بيئة أمنية أصبحت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية والمنشآت النفطية وشبكات الوكلاء أدوات متداخلة في الصراع. وقد جعلت الحرب المستمرة منذ فبراير 2026 هذه المعادلة أكثر وضوحاً، بعدما تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز بصورة حادة، وامتدت تداعيات المواجهة إلى باب المندب والمنشآت النفطية وخطوط الإمداد.

في مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الخليجي الحقيقي أقل ارتباطاً بمن هو أكثر تشدداً تجاه إيران، ومن هو أكثر ميلاً إلى الحوار، وأكثر ارتباطاً بكيفية تحويل اختلاف الأساليب إلى مصدر قوة لا إلى مصدر ضعف. فالدبلوماسية ليست نقيض الردع، كما أن الردع ليس بديلاً دائماً عن الدبلوماسية. الدولة التي تفاوض تحتاج إلى حماية مصالحها، والدولة التي تعزز دفاعاتها تحتاج في النهاية إلى قناة تستطيع من خلالها إدارة التصعيد. والمشكلة لا تبدأ عندما تختلف دول الخليج في الأدوات، بل عندما تصبح هذه الأدوات متعارضة إلى الحد الذي يجعل كل دولة تتحرك منفردة في قضية تمس أمن الجميع.

"الود الخليجي" أكثر من تعبير دبلوماسي إنه رصيد استراتيجي. في أجواء شديدة التقلب تكون القدرة على الاختلاف من دون القطيعة نوعاً من القوة السياسية

لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذا الخطر ليس نظرياً. فالهجمات التي طالت دولاً خليجية، دفعت مجلس التعاون إلى إصدار مواقف جماعية تؤكد أمن الدول الأعضاء وحرية الملاحة. وفي حزيران/يونيو، أكد المجلس الوزاري حق دوله في الدفاع عن نفسها بصورة فردية وجماعية، لكنه جدد في الوقت نفسه التمسك بالسلام وحسن الجوار والحلول الدبلوماسية. وبعد ذلك بأيام، أكد اجتماع خليجي-أميركي مشترك ضرورة معالجة مجموعة التهديدات المرتبطة بإيران، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة ودعم الجماعات المسلحة، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة.

الوحدة الخليجية لا تعني بالضرورة صياغة سياسة واحدة بكل تفاصيلها تجاه إيران. الوحدة الأكثر واقعية هي أن تتفق الدول على المصالح الأساسية، ثم تترك لكل عاصمة هامش الحركة الذي يناسب موقعها وقدراتها وحساباتها.

التنوع في الأدوات قد يكون أكثر فاعلية من محاولة إنتاج نسخة واحدة من السياسة الخارجية لكل الدول. الجغرافيا نفسها لا توزع المخاطر بالتساوي، كما أن المصالح الاقتصادية والأمنية ليست متطابقة في تفاصيلها. لكن الاختلاف في درجة الانكشاف أو في أسلوب الاستجابة لا يلغي حقيقة أن أي اضطراب واسع في الخليج سيصل إلى الجميع.

لقد أثبتت منطقة الخليج خلال العقود الماضية أن العلاقات بين دولها أعمق من مجرد ترتيبات سياسية مؤقتة. هناك شبكة واسعة من الروابط الاجتماعية والاقتصادية والعائلية والتجارية، فضلاً عن إطار مؤسسي يمثله مجلس التعاون. وهذه الروابط لا تمنع الخلافات، لكنها تمنحها مجالاً للإدارة.

وهنا يصبح “الود الخليجي” أكثر من تعبير دبلوماسي. إنه رصيد استراتيجي. في أجواء شديدة التقلب، تكون القدرة على الاختلاف من دون القطيعة، وعلى الحوار من دون التشكيك في أصل العلاقة، نوعاً من القوة السياسية. وهذا الرصيد لا ينبغي استهلاكه في كل أزمة، بل ينبغي الحفاظ عليه.

إيران نفسها تمثل اختباراً لهذا الرصيد. فالتعامل معها ليس قضية دبلوماسية مجردة، بل مسألة تمس الأمن البحري والطاقة والتجارة والعلاقات الدولية. وفي الوقت نفسه، تظل إيران دولة جارة ذات وزن سكاني وجغرافي وعسكري واقتصادي لا يمكن تجاهله. ولذلك فإن السياسة الخليجية الأكثر تعقيداً هي التي تستطيع الجمع بين أمرين قد يبدوان متناقضين: حماية المصالح الخليجية بوضوح، وترك الباب مفتوحاً أمام التفاهم عندما تتوفر شروطه.

ولعل مضيق هرمز يقدم المثال الأكثر وضوحاً. فالمضيق ليس مسألة إيرانية-خليجية فقط، بل شريان عالمي للطاقة والتجارة. وقبل الحرب كان يمر عبره نحو خمس حركة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، فيما أدت الحرب إلى تراجع كبير في حركة السفن. ولذلك فإن أمن المضيق ليس قضية تخص دولة خليجية واحدة، بل قضية جماعية تمتد من مسقط إلى الكويت والدوحة وأبوظبي والرياض والمنامة، وتتصل في الوقت نفسه بالاقتصاد العالمي.

الوحدة الأكثر واقعية هي أن تتفق دول الخليج على المصالح الأساسية ثم تترك لكل عاصمة هامش الحركة الذي يناسب موقعها وقدراتها وحساباتها

ومن هنا يصبح التنسيق الخليجي ضرورة تتجاوز البيانات السياسية. المطلوب هو بناء قدرة جماعية على إدارة الأزمات: تبادل المعلومات، حماية سلاسل الإمداد، تنسيق المواقف الدبلوماسية، تطوير بدائل النقل والطاقة، ورفع جاهزية البنية التحتية أمام الصدمات. وقد أشار الأمين العام لمجلس التعاون في يونيو إلى عقد أكثر من 150 اجتماعاً استثنائياً وزارياً وفنياً للتعامل مع تداعيات الهجمات، بما في ذلك تبادل المعلومات وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد والتحرك الدبلوماسي.

هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن “الوحدة الخليجية” ليست شعاراً سياسياً فقط. إنها، في الظروف الحالية، مسألة قدرة عملية على الصمود.

والأهم أن وحدة الخليج لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها وحدة في الموقف من إيران فقط، وإنما باعتبارها وحدة في تعريف المصالح التي لا يجوز المساس بها. يمكن أن تختلف العواصم في كيفية الوصول إلى الاستقرار، لكنها تستطيع الاتفاق على أن أمن الملاحة لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ابتزاز، وأن المنشآت المدنية والطاقة لا ينبغي أن تصبح أهدافاً في الصراعات الإقليمية، وأن أمن كل دولة عضو يرتبط بدرجة ما بأمن الدول الأخرى.

هذا الفهم يحرر السياسة الخليجية من ثنائية زائفة كثيراً ما فرضتها أزمات المنطقة: إما الحوار أو المواجهة. الواقع أكثر تعقيداً. هناك مساحة واسعة بين الحرب والسلام، بين التصعيد والتهدئة، بين الردع والتفاوض. وقد تحتاج دول الخليج إلى استخدام هذه المساحة كلها في الوقت نفسه، لا بالتسلسل بالضرورة.

لكن هناك درساً آخر لا يقل أهمية: الوحدة لا تعني إخفاء الخلافات. محاولة تقديم موقف خليجي متطابق في كل ملف قد تكون أقل واقعية من الاعتراف بأن لكل دولة مصالحها المباشرة وحساباتها الخاصة.

القوة الحقيقية للمجلس تكمن في قدرته على إدارة هذا التنوع، لا في إنكاره.

1