واشنطن بين ذاكرة 11 سبتمبر وتحديات البحر الأحمر

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول هرمز وباب المندب إلى ورقتين في لعبة واحدة بحيث تستطيع إيران الضغط على خطوط الطاقة العالمية من الشمال والجنوب في آن واحد.
الجمعة 2026/09/11
الحرب على الإرهاب رهينة إدارة التوازنات

في العاشر من سبتمبر، تمكن الحوثيون من السيطرة على مدينة المخا الإستراتيجية على الساحل اليمني، في تقدم يضعهم في موقع أقرب إلى باب المندب ويمنحهم قدرة أكبر على الضغط على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. والمخا ليست مجرد مدينة يمنية أخرى؛ إنها تقع على واحدة من أكثر النقاط حساسية في الخريطة البحرية الدولية، فيما أصبح باب المندب أكثر أهمية بعد اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتحول جزء من صادرات النفط السعودية إلى مسار البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل أي تحول في السيطرة عليه قضية تتجاوز اليمن إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وهنا تصبح المفارقة الأميركية أكثر وضوحاً. ففي الوقت الذي تتقدم فيه جماعة مدعومة من إيران نحو واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، لا تبدو واشنطن راغبة في فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن. بل إن التطور الأكثر دلالة جاء عندما طلبت السعودية من الرئيس دونالد ترامب تنفيذ ضربات أميركية ضد الحوثيين، لكن ترامب رفض الطلب، فيما أكد مسؤولون أميركيون أن الإدارة لا تخطط لتدخل عسكري مباشر ضد الجماعة، مكتفية بتعزيز الدعم للسعودية والتنسيق معها.

هنا بالضبط تظهر المسافة بين 11 سبتمبر وواقع السياسة الأميركية في عام 2026. ففي أعقاب هجمات 2001، كان المنطق الأميركي يقوم على أن ترك التنظيمات الإرهابية أو الجماعات المسلحة ذات الأجندات العابرة للحدود تتوسع سيخلق تهديداً لا يمكن تأجيله. كانت واشنطن ترى أن المسافة بين أفغانستان ونيويورك أقصر مما يوحي به البعد الجغرافي، وأن ترك الملاذات الآمنة للجماعات المتطرفة يعني السماح لها بإعادة إنتاج نفسها. أما اليوم، فتبدو الحسابات أكثر انتقائية: واشنطن تضرب إيران عندما ترى أن مصالحها الحيوية مهددة، لكنها تتجنب فتح مواجهة مباشرة مع الحوثيين، حتى عندما يصبح هؤلاء أقرب إلى التحكم في ممر بحري استراتيجي.

قد يكون هذا القرار مفهوماً من الناحية العسكرية. فالولايات المتحدة تخوض بالفعل مواجهة مكلفة مع إيران، وتفرض حصاراً بحرياً على صادراتها، وقد استنزفت الحرب موارد عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة. كما أن فتح جبهة جديدة في اليمن قد يوسع الصراع بدلاً من احتوائه، ويمنح إيران فرصة لتوزيع الضغط على القوات والمصالح الأميركية في أكثر من مسرح. لكن المشكلة ليست في أن واشنطن اختارت عدم القصف؛ المشكلة السياسية والإستراتيجية هي أن العالم يحتاج إلى فهم ما إذا كان ذلك جزءاً من إستراتيجية واضحة أم مجرد تأجيل لمواجهة تزداد كلفتها كل يوم.

فإذا كان الهدف الأميركي هو حماية الملاحة الدولية، فإن باب المندب لا يقل أهمية عن هرمز. وإذا كان الهدف هو احتواء النفوذ الإيراني، فإن الحوثيين ليسوا تفصيلاً ثانوياً في الإستراتيجية الإيرانية، بل يمثلون إحدى أهم أدوات طهران في الضغط على الخصوم وتهديد خطوط الملاحة. وإذا كانت واشنطن تعتبر أمن حلفائها في الخليج جزءاً من أمنها الإقليمي، فإن تعرض السعودية لضربات حوثية، وتهديد منشآتها النفطية وموانئها، ليس شأناً يمنياً داخلياً. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية تفصل بين هذه الملفات، وتضع إيران ومضيق هرمز في رأس سلم أولوياتها، بينما تترك لخصومها وحلفائها الإقليميين مساحة أكبر للتعامل مع اليمن.

◄ إذا نجح الحوثيون في تثبيت مواقعهم على الساحل الغربي اليمني وتهديد باب المندب بصورة مستدامة، فإن إيران ستكون قد حصلت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ورقة إستراتيجية جديدة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها

وهذه الازدواجية هي التي تثير سؤالاً أكبر من حدود البحر الأحمر: هل تغير تعريف الولايات المتحدة لما يستحق أن تخوض من أجله حرباً؟

لقد تغيرت واشنطن فعلاً منذ 11 سبتمبر. تغيرت لأن العالم تغير، ولأن تجربة أفغانستان والعراق أثبتت أن القوة العسكرية تستطيع إسقاط أنظمة وتدمير قدرات، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار. وتغيرت أيضاً لأن صعود الصين وعودة روسيا وتراجع الرغبة الشعبية الأميركية في الحروب الطويلة جعلت التدخل العسكري المباشر أكثر كلفة سياسياً. لكن إدارة ترامب تضيف إلى هذه الاعتبارات عاملاً آخر بالغ الحساسية: الحسابات الانتخابية.

فالرئيس الأميركي يتجه إلى انتخابات التجديد النصفي في وقت تستنزف فيه الحرب مع إيران الاقتصاد الأميركي وتضغط على أسعار النفط والوقود، فيما تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب لا تزال بعيدة عن نهاية واضحة. وقد قال ترامب إن الحرب قد تنتهي بعد انتخابات منتصف المدة، وهو تصريح يكشف، بصرف النظر عن دوافعه السياسية، مدى حضور العامل الانتخابي في الحسابات الإستراتيجية الأميركية.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات السياسة الخارجية حين تدخل إلى المجال الانتخابي: يصبح السؤال أحياناً ليس ما الذي ينبغي فعله لإنهاء التهديد، وإنما ما الذي يمكن فعله من دون أن يدفع الناخب الأميركي ثمنه. وفي هذه الحالة يصبح تجنب جبهة يمنية جديدة منطقياً، حتى لو كان الحوثيون يتقدمون نحو باب المندب. ويصبح دعم السعودية بالسلاح والاستخبارات والتنسيق أقل كلفة من إرسال الطائرات الأميركية إلى اليمن. وتتحول الحرب من مشروع للحسم إلى عملية لإدارة المخاطر.

لكن إدارة المخاطر قد تكون مفيدة في لحظة معينة، لكنها تصبح خطرة إذا تحولت إلى بديل دائم عن تحديد الهدف النهائي. فالجماعات المسلحة لا تقرأ البيانات السياسية بالطريقة التي تقرأها البورصات أو الناخبون. وهي تقيس حدود الخصم بما يستطيع فعله على الأرض. وعندما ترى أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم حليفها لكنها غير مستعدة للانخراط المباشر في الدفاع عن الممر البحري الذي يهدده خصمها، فإنها قد تستنتج أن هناك مساحة يمكن استثمارها قبل الوصول إلى الخط الأحمر الأميركي.

المسألة لا تتعلق بمن يرفع العلم فوق مبنى في مدينة ساحلية يمنية، وإنما بمن يستطيع التأثير في حركة السفن عند واحد من أكثر الممرات حساسية في التجارة العالمية. وإذا نجح الحوثيون في تثبيت مواقعهم على الساحل الغربي اليمني وتهديد باب المندب بصورة مستدامة، فإن إيران ستكون قد حصلت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ورقة إستراتيجية جديدة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. ويصبح المشهد أكثر تعقيداً لأن طهران سبق أن استخدمت إغلاق هرمز للضغط على الاقتصاد العالمي، فيما بات الحوثيون يمثلون تهديداً موازياً في الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول هرمز وباب المندب إلى ورقتين في لعبة واحدة، بحيث تستطيع إيران وحلفاؤها الضغط على خطوط الطاقة العالمية من الشمال والجنوب في آن واحد. عندها لن تكون القضية قضية أمن خليجي فقط، بل قضية أمن اقتصادي عالمي. وقد بدأت الأسواق بالفعل في التقاط هذه المخاطر.

1