انظر إلى الاقتصاد: السعودية تختبر نموذجها الجديد في ليبيا

الاختبار الحقيقي للحضور السعودي ليس عدد الشركات التي ستدخل ليبيا، ولا قيمة العقود التي يمكن توقيعها، وإنما نوع المؤسسات التي ستنشأ حول هذه الاستثمارات.
الخميس 2026/09/03
وجود لاعب سعودي اقتصادي كبير سيغير الحسابات

هناك طريقة قديمة في قراءة النفوذ في الشرق الأوسط: انظر إلى السلاح، ثم إلى التحالفات، ثم إلى الخرائط. لكن السعودية تبدو، في السنوات الأخيرة، أكثر ميلاً إلى طريقة أخرى: انظر إلى الاقتصاد.

ففي ليبيا، حيث أمضت قوى إقليمية سنوات وهي تتعامل مع البلد باعتباره ساحة نفوذ وصراع وتوازنات أمنية، تبرز الرياض من زاوية مختلفة: الشركات، والاستثمار، والشراكات، والطاقة، وإعادة الإعمار. ففي 2 أيلول/سبتمبر، بحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة مع القائم بالأعمال السعودي في طرابلس توسيع التعاون الاقتصادي، فيما أعلن الجانب السعودي اهتمام عدد من الشركات السعودية الكبرى بدخول السوق الليبية، مع ترتيبات لعقد لقاءات بينها وبين الشركات والجهات الليبية المعنية لاستكشاف فرص التعاون وإقامة شراكات في قطاعات مختلفة.

قد يبدو الخبر، للوهلة الأولى، اقتصادياً أكثر منه سياسياً. لكنه في ليبيا تحديداً يحمل معنى سياسياً واضحاً. حين تسعى دولة مثل السعودية إلى توسيع حضور شركاتها هناك، فإنها لا تدخل سوقاً فحسب؛ إنها تراهن على إمكانية انتقال ليبيا من إدارة الانقسام إلى إدارة الاقتصاد. وهنا تكمن أهمية التحول السعودي.

لم تعد أدوات النفوذ الإقليمي في الرياض محصورة في الدبلوماسية التقليدية أو الدعم السياسي أو الحسابات الأمنية. ثمة أداة أكثر هدوءاً وأطول عمراً بدأت تحتل موقعاً مركزياً: الاقتصاد. وهذا التحول يرتبط بطبيعة التحول الداخلي السعودي نفسه. فالمملكة التي تدفع منذ سنوات باتجاه تنويع اقتصادها، وتطوير شركاتها، وتوسيع دور القطاع الخاص، وجعل صندوق الاستثمارات العامة أحد محركات الاستثمار الكبرى، باتت تمتلك شيئاً لم يكن متاحاً بهذه القوة من قبل: فائضاً من الخبرة والقدرة المالية والشركات القادرة على العمل خارج حدودها.

ولهذا ليس من المصادفة أن تكون ليبيا جزءاً من هذه الصورة.

في كانون الثاني/يناير الماضي، أجرى وفد من حكومة الوحدة الوطنية سلسلة اجتماعات في السعودية مع مؤسسات اقتصادية واستثمارية، بينها صندوق الاستثمارات العامة ووزارة الاستثمار، وبحث إمكان إطلاق مشاريع إستراتيجية مشتركة، وتسهيل دخول الشركات السعودية إلى السوق الليبية، فضلاً عن الاستفادة من التجربة السعودية في التخطيط والتنمية والتحول الاقتصادي.

كان ذلك أكثر من مجرد جولة أعمال. إنه مؤشر على أن العلاقة بين البلدين بدأت تتحرك من مستوى العلاقات السياسية إلى مستوى أكثر تركيباً: علاقة المصالح الاقتصادية طويلة الأمد.

العلاقات بين الدول لا تُقاس بالبيانات السياسية أو الاصطفافات الأمنية بل بالمشاريع الاقتصادية التي تخلق مصالح طويلة الأمد وتضغط من أجل مؤسسات وطنية موحدة

وهذا هو بالضبط النوع من النفوذ الذي يصعب قياسه في البيانات الصحفية، لكنه يصبح أكثر وضوحاً بمرور الوقت. فالدولة التي تبني طريقاً أو محطة طاقة أو مشروعاً لوجستياً أو شراكة صناعية لا تترك وراءها بياناً سياسياً ينتهي مفعوله بعد أيام؛ إنها تخلق مصالح متشابكة، وسلاسل توريد، ووظائف، وتدريباً، وشبكات شركات، ومصالح مؤسساتية تستمر لسنوات.

إنه نفوذ أقل صخباً، لكنه أكثر رسوخاً.

وليس المقصود هنا أن السعودية تحاول استبدال السياسة بالاقتصاد، أو أن الرياض تملك وصفة سحرية لتحويل ليبيا إلى دولة مستقرة عبر الاستثمار. الفكرة الأكثر واقعية هي أن الاقتصاد يمكن أن يصبح مكملاً للسياسة، وربما شرطاً لنجاحها.

فليبيا لا تعاني من نقص في الموارد. لديها النفط والغاز، وموقع جغرافي استثنائي على المتوسط، ومساحات واسعة قابلة للتنمية، وحاجة هائلة إلى البنية التحتية والطاقة والخدمات والإسكان والنقل والاتصالات. لكن الثروة وحدها لم تكن كافية لبناء الاستقرار. المشكلة كانت دائماً في المؤسسات التي تدير هذه الثروة، وفي الانقسام السياسي الذي جعل الاقتصاد نفسه جزءاً من الصراع.

وهنا تصبح اللحظة الحالية مختلفة. ففي نيسان/أبريل 2026، رحبت السعودية، إلى جانب مصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر وتركيا والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، باتفاق الميزانية الليبية الموحدة، الذي وُصف بأنه أول ميزانية وطنية ليبية موحدة منذ أكثر من عقد. والأهم أن البيان ربط تنفيذ الميزانية بالاستقرار المالي، والحفاظ على قيمة الدينار والقدرة الشرائية، وتمويل مشاريع التنمية والاستثمار الدولي، وتقوية مؤسسات مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة. كما شدد على أن الاندماج الاقتصادي يمكن أن يدعم المسار السياسي ويكمله.

وهذه العبارة الأخيرة تستحق اهتماماً خاصاً: الاندماج الاقتصادي يمكن أن يدعم المسار السياسي ويكمله.

ربما يكون هذا هو المفتاح لفهم الحضور السعودي الجديد.

ذلك لا يعني أن المصالح السياسية ستختفي. لكنها قد تبدأ في التغير. فإذا أصبحت مشاريع النفط والطاقة والبنية التحتية والخدمات مرتبطة بوجود مؤسسات وطنية موحدة، فإن استمرار الانقسام يصبح أكثر كلفة على الجميع. وإذا احتاج المستثمر إلى نظام قانوني واضح وإجراءات موحدة ومؤسسات مالية متماسكة، فإن الاقتصاد يبدأ، بطريقة غير مباشرة، في الضغط من أجل الدولة.

وهذه هي المفارقة الليبية الكبرى: قد تكون إعادة بناء الدولة بحاجة إلى الاقتصاد بقدر حاجة الاقتصاد إلى الدولة.

الاقتصاد لا يلغي السياسة لكنه قد يصبح شرطاً لنجاحها؛ فبناء الطرق والطاقة والخدمات يرسخ الدولة ويجعل استمرار الانقسام أكثر كلفة على الجميع

من هنا أيضاً يمكن فهم التنافس الإقليمي على ليبيا بصورة مختلفة. فتركيا تمتلك حضوراً قوياً في الاقتصاد الليبي وفي قطاعات البناء والطاقة والبنية التحتية، والإمارات طورت نفوذاً اقتصادياً ولوجستياً واسعاً في المنطقة، بينما تمتلك مصر روابط جغرافية وأمنية واقتصادية عميقة مع ليبيا. دخول السعودية بصورة أكبر لا يعني بالضرورة أنها جاءت لإزاحة هؤلاء. السوق الليبية، بحجم احتياجاتها، أكبر من أن تكون لعبة صفرية.

لكن وجود لاعب سعودي اقتصادي كبير سيغير الحسابات.

فالرياض لا تأتي فقط بالسيولة. إنها تأتي بخبرة مرتبطة بمشروعات ضخمة، وبشركات قادرة على تنفيذ مشاريع البنية الأساسية والطاقة والخدمات، وبنموذج اقتصادي تحاول المملكة نفسها تصديره عبر شراكات إقليمية ودولية. وفي يناير، ظهر هذا البعد بوضوح عندما ناقشت الحكومة الليبية فرص التعاون مع عدد من الشركات السعودية.

لذلك فإن الاختبار الحقيقي للحضور السعودي ليس عدد الشركات التي ستدخل ليبيا، ولا قيمة العقود التي يمكن توقيعها، وإنما نوع المؤسسات التي ستنشأ حول هذه الاستثمارات.

هل ستذهب الاستثمارات إلى مناطق مختلفة من البلاد؟ هل ستساعد في تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط؟ هل ستخلق وظائف حقيقية للشباب الليبي؟ هل ستنقل التكنولوجيا والخبرة؟ هل ستساعد على بناء شركات ليبية قادرة على النمو؟ وهل ستتم في إطار شفاف وموحد يرسخ سلطة المؤسسات الوطنية بدلاً من تعزيز الانقسامات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن الاستثمار يتحول من مجرد نشاط تجاري إلى أداة لبناء الدولة.

وهنا تحديداً تبدو ليبيا فرصة اختبار مثيرة للنموذج السعودي الجديد.