علي النجار.. ميثولوجيا الخراب وبراءة المخلوقات

تشكيلي عراقي يستحضر الحرب والاغتراب والذاكرة في كائنات غريبة تتشكل من الحبر والوجع
الخميس 2026/08/20
فنان يخلق كائنات حيوية غريبة

تحتضن قاعة "كاليري EU-MAN"، من 20 أغسطس الجاري إلى 20 سبتمبر، في هلسنكي، عاصمة الجمهورية الفنلندية، معرضًا فنيًا مشتركًا للفنانين علي النجار وأمير الخطيب، في تجربة تجمع بين رؤيتين فنيتين مختلفتين تلتقيان في مساءلة الإنسان والذاكرة وما تتركه التجربة الإنسانية من آثار تتجاوز حدود المادة إلى أعماق النفس.

وقد تناولنا تجربة الفنان عبدالأمير الخطيب في هذا المعرض في وقت سابق، فيما نتناول الآن تجربة الفنان علي النجار في هذه المشاركة، حيث يقدم مجموعة واسعة من الأعمال الورقية التي تضم أكثر من 230 تخطيطًا وعملًا فنيًا منفذة بالحبر ومواد مختلفة على الورق، تتمحور أعماله حول ثيمة الحرب والخراب، لا بوصفهما حدثين ماديين فحسب، بل باعتبارهما قوة مدمرة تمتد آثارها إلى الإنسان من الداخل.

الذخيرة البصرية للمأساة

في أعمال النجار، لا يتوقف الخراب عند تهدم المدن وفقدان الأمكنة والأشياء، بل يتسلل إلى الذاكرة والروح، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. تتحول الورقة إلى مساحة للذاكرة والألم، ويصبح الخط أثرًا لما لا يمكن قوله بالكلمات، شهادةً على الخراب الذي تخلفه الحرب في النفوس قبل الأرواح والمادة.

تمثل التجربة التشكيلية للفنان علي النجار في الاشتغال بالتحبير والتقنيات المختلطة محطة استثنائية في محترفات التعبيرية الحديثة، حيث تتحول اللوحة لديه إلى مسرح سيكولوجي مفتوح لمساءلة القلق الوجودي والهشاشة الإنسانية.

يتجاوز النجار حدود التمثيل التشخيصي التقليدي المباشر نحو تفكيك الملامح وإعادة صياغتها ضمن صياغات تعبيرية وحشية وتلقائية، تتشابك فيها الخطوط الحادة بالحبر الصيني والدرجات المائية الرمادية، ليصنع مناخًا دراميًا محتقنًا بالتوتر والاندفاع الوجداني.

تعتمد البنية الفضائية للسطح التشكيلي عند النجار على حوارية معقدة بين الكتلة والشفافية، وبين ضربة القلم السريعة المباشرة وبقع الحبر النزفية التي تسيل بانسكابية مدروسة. تبرز الوجوه في منجزه كأيقونات وجودية مشوهة عمدًا، عيون متسعة بالدهشة أو الذهول، وأفواه مفتوحة كأنها في حالة صراخ صامت، ومستويات متعددة من الأوجه التي تتداخل وتتناسخ في الفضاء لتلغي الحدود بين الأنا والآخر. إن هذه الاستعارة البصرية للوجوه المتشظية تحيل مباشرة إلى مفاهيم الاغتراب والصدمة والذاكرة المثقلة، حيث لا يقدم النجار بورتريهات لشخصيات محددة، بل يقدم تشريحًا نقديًا ونفسيًا للروح البشرية في أقصى حالات عزلتها وإنهاكها.

تتجلى الحرفية الأكاديمية للفنان في قدرته الفائقة على السيطرة على الفوضى المفتعلة؛ فالخطوط التي تبدو للوهلة الأولى كأشغال عفوية أو شخبطات هي في الواقع حركات خطية مدروسة بعناية لتوجيه عين المتلقي داخل التكعيب المفتوح للسطح. يتلاعب النجار بالتقديرات الضوئية للأسود والأبيض والرمادي، مستغلًا الطاقة الكامنة في التباين الصريح لإنشاء عمق وهمي وإيقاع بصري متسارع. تظهر الأشكال أحيانًا كأطياف أو كائنات مسخية سريالية تتشكل من قلب بقع الحبر، مما يمنح العمل طابعًا أسطوريًا ينقب في اللاشعور والذخيرة البصرية للمأساة الإنسانية.

إن المنجز البصري لعلي النجار يُقرأ بوصفه نسيجًا بأسلوب المونودراما الخطية، حيث يُشحن السطح بتداعيات حرة تستحضر الألم والاحتجاج الداخلي، متخذًا من الحبر والورق وسيطًا حميمًا لتسجيل تلك الارتجافات والتحولات النفسية الشديدة التي تخاطب بصيرة المشاهد قبل بصره.

يحيلنا عالم النجار على ما قاله الشاعر السينغالي ليوبولد سانغور "لقد عادت من جديد الأيام الخالية.. والوحدة المكتشفة مرة أخرى.. وتصالح الأسد والثور والشجرة.. وأصبح الفكر مرتبطًا بالحقيقة.. والأذن بالقلب".

إنسانية من نوع خاص

الفنان علي النجار هو من أوائل طلائع الفنانين البارزين والمتميزين، الذين يمثلون الجيل المتمرد على الواقع المألوف في الحركة التشكيلية داخل العراق، هذا الجيل الذي يحمل في داخله روحية ثورة الفكر الجديد، التي من خلالها اقتحم أبواب المشهد العالمي بشكل عام.

ولد في بغداد عام 1940، وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1961، وشارك في جميع المعارض الجماعية التي أقيمت داخل العراق وخارجه منذ عام 1967، وأقام معارضه الشخصية في بغداد: 1966، 1968، 1977، 1980، 1982، عالم بريء 1987، بين البراءة والبحث عنها 1990، ميثولوجيا البراءة 1991، فضلًا عن معارضه ومشاركاته في المهجر. يعيش الآن مغتربًا في السويد، بعدما فقدت البراءة والأمان في العراق بسبب الحروب المتلاحقة.

فمنذ بدايات ستينات القرن المنصرم، أخذ النجار على الإمساك بأسلوب يعبر فيه عن شخصيته الفنية، كمرحلة بحث أولى، والذي تحقق فيما بعد عبر دراسات عديدة، وخصوصًا في حركات وزوايا الجسد الإنساني الانسيابية ذات الالتواءات أو الاستدارات، وكان يستلهمها بشكل انفعالي تجريدي، أو ذات ملامح فضفاضة، في تحقيق غايته الدفينة. تتراءى وكأنها لا تنتمي إلى الشكل الإنساني. ولكنه أحيانًا يشركها مع ملامح مخلوقات حيوانية في هيئة طيور أو زواحف أو خراف، فهو يشعر كأن هنالك في داخله مبضع جراح يتغلغل عميقًا في جسده.

علي النجار
العفوية البكر صوت بصري

في بداية العقد التسعيني، وتحت القصف العدواني على العراق، كان النجار يسكن في إحدى البيوت في منطقة الزعفرانية، وكان الناس يموتون تحت هذا القصف الوحشي هنا وهناك، لم يكن أمام النجار إلا أن يحاول الرسم، بأي صورة كانت، فكانت رسوماته تخرج وكأنها أشباح، وعندما رآها الآخرون، كانت دهشتهم كبيرة وعميقة وهم يرون ما فيها من كائنات غريبة، فمنهم من رآها رؤوس خراف، ومنهم من رآها حيوانات أو طيورًا متناثرة الأشلاء، وهكذا كل منهم يفهمها وفق رؤيته وثقافته وبصيرته، لذلك لم يعلق النجار على ذلك بشيء، وإنما ترك العنان والتفسير كما هو.

 وقد جمع أعماله تلك، بعد انتهاء الحرب، ليقيم بها معرضًا شخصيًا، تحت عنوان "ميثولوجيا البراءة" على قاعات مركز الفنون في نوفمبر عام 1991، وفي كلمة كتبها في فولدر هذا المعرض قال الفنان علي النجار: "ماذا نعطي أو نضيف، ليست هناك سلعة استهلاكية آنية، الفن التشكيلي ذو نزعة عالمية، ولكنه متنوع حسب المناخ والجيولوجيا فكريًا وحسيًا، وهو نتاج ذاتي أيضًا، الكل يصنع فينوس وأفروديت عصره، فهي المثال والجنس والفلسفة كما الطوطم القبلي. وفي عصرنا، أعطانا التجريد السلم الموسيقي وعلينا اختيار سلمنا الخاص نزولًا أو صعودًا، لقد انحدرت إلى الجذور الأولى حيث العفوية، فهي عندي تدريب مستمر لإبراز الطاقة التعبيرية والشعورية (الوجدانية) لتصعيد الحالة الانفعالية والوصول إلى إضافات جديدة، وبهذا فإن أعمالي الفنية تطرح هذه الخبرة بدون خوف في معظم الأحيان".

وقدمها الناقد الراحل شاكر حسن آل سعيد، قائلًا: "إن رؤية علي النجار الإنسانية الجديدة تطالعنا منذ الوهلة الأولى في فنه، وإنها الإنسانية من نوع خاص، فهي من جهة تعترف بالتشخيصية كأساس للمعرفة، ولكنها ترفدها مع ذلك بمعطيات خيالية وتصويرية تدين بولائه الروحي لوحدة المخلوقات.. فالإنسان في لوحاته هو أيضًا مخلوق حيواني يستطيع أن يبدو أحيانًا كحصان وأحيانًا أخرى كطائر."

وأضاف "ولرب متأمل يستنتج عند هذا الحد أن رسوم النجار هي ضرب من ميتافيزيقيا (شاغال) في النصف الأول من القرن العشرين، لكننا رأينا أن أي فنان، وخاصة في مجتمعات العالم الثالث، يظل خاضعًا لأسباب تكوينه النفسي والروحي دونما حاجة لأن يطمس شخصيته تحت طبقات قناعته برجحان كفة العالم المتقدم، وإذا كنا لا نعلم تمامًا لماذا يحدث الصدع في موقف فنان يهجر معطياته الإنسانية التي تلبس بها في شبابه لكي يعترف بمعطيات طفولته الأولى، فما ذلك إلا لأن البذرة التي ظلت حية في نفسه لم تمت، وسرعان ما وجدت التربة الصالحة لها لكي تنمو فجأة..".

هذا التصور البصري وهذه الاختلاجات النفسية المتلازمة والمدركة وهذا البحث المتواصل. أصبح عنده قضية (إنسانية/ فنية) فاضلة، بل جزءًا لا يتجزأ من شخصيته في الحياة، أو بين الآخرين، ويبقى هو بين هذا وذاك زمن واسع ليعيش فيه بعواطفه وأحلامه وتصوراته وموقفه من كل ما يشاهده ويتأثر به.. وتبقى اللوحة عنده موقفًا يجب رصده مع سبق الإصرار.. والتأكيد عليه، إلا أنه يتعامل مع كل عمل في استقلالية خاصة في رموزه ومفرداته وزمنه، وهذا التنوع قد أغنى تجربته كثيرًا.

نسيج درامي سريالي

هذا الإدراك أو الانعكاس الحسي، الذي يعرفه الناقد عبدالله الخطيب بأنه شيء ما ينشأ في "الوعي" نتيجة لتأثير العالم الموضوعي على الحدس، والإحساسات هي عناصر "الإدراك الحسي" الذي يكون بصريًا أو لَمسيًا أو سمعيًا، والإدراكات الحسية البصرية هي الأهم من وجهة النظر "المعرفية"، وهي تتشكل من الإحساسات البصرية التي يجدها شخص ما في علاقته مع البيئة، وأثر شكل الشيء الذي يحدد حركات اليد التي تلمسه، وحركات اليد بدورها تحدد بناء "الصورة البصرية".

ويتوقف "الإدراك الحسي" الصادق للعالم الموضوعي على تطابق بناء صورة الموضوع الخارجي وبناء الموضوع نفسه، ودور "الإدراك الحسي" في عملية المعرفة على النحو الآتي: أولًا: إنه يشكل الأساس للإدراكات الحسية العامة مثل "جزيرة" و"نبات" و"إنسان"، وهو لا يكشف عن جوهر الأشياء. ثانيًا: يمدنا بالمادة الأولية لتكوين مفاهيم علمية وروابط متصلة معينة وعلاقات تشكل العناصر الأولية لتكوين مفاهيم علمية وروابط متصلة معينة وعلاقات تشكل العناصر الأولية لنظرية يجري تجريدها من بناء الصورة التي اكتسبت "الإدراك الحسي".

علي النجار
مسرح سيكولوجي مفتوح

هكذا يستنتج النجار مناخ أعماله الفنية، التي تحمل في طياتها العفوية البكر، التي تصبح عنده فيما بعد "صوتًا بصريًا" يعلن الانتماء إلى عنصر الإنسانية، مهما كان شكله أو صورته. ولكنها غير "طوطمية". علاقات متشعبة ما بين الإنسان التجريدي والمخلوقات والكائنات الأخرى التي يعيش معها الإنسان وينصهر فيها، علاقة المرأة مثلًا مع رموز أخرى غير الرجل، لأنه أصلًا لا يريد أن يتناول هذا الموضوع كعلاقات جنسية، أكل الدهر عليها وشرب، بل ليسبغ مدارك ذاته وهواجسه.

هناك منطق حسي يغوص في جميع أعماله، التي أصبحت لازمة يتخذها، فهي ممارسة مهنية/ فكرية لا تنفصلان عن بعضهما بعضًا، في الخط واللون والمساحة، لأنه لا يريد أن تكون كل هذه الدلائل بدون تنسيق أو بشكل فوضوي، ولكن يؤثثها وفق ميثولوجيا سريالية متميزة، كأفكاره المترسخة فيها.

هو يريد أن يكون هنالك نسيج درامي سريالي في الخطوط الآوت لاين مع همسات ألوانه التي تنتمي إلى فكره الخاص، لا يريد أن تهيمن ألوان الكلاسيكية على مفهوم بحثه الذي ينشده، الذي هو هويته الخاصة.

الألوان في لوحات النجار لا تنتمي إلى باليتة الألوان الكلاسيكية، بل ألوانه السريالية (هو) التي تنبعث فيها هواجسه، خلجاته، أفكاره، وأحيانًا يخرج من معطف رموز ومعاني الألوان المتعارف عليها. كائنات حيوية غريبة الشكل، نظنها بداية تكوينات أجنة تدور في رحم أو شرنقة لا بد أن تخرج أو تولد إلى النور وقد اكتمل نموها.

ويبقى الفنان علي النجار باحثًا دائمًا عن "عفوية وبراءة" الخلود الأبدي كعشبة خلود كلكامش.

4