إسماعيل الشيخلي.. رسّام القرية والمرأة في ذاكرة الألوان

بحث أكاديمي يستعيد تجربة رائد التشكيل العراقي وتمظهرات البيئة في لوحاته
الاثنين 2026/09/07
فارس اللون العراقي

في قاعة كلية الفنون الجميلة ببغداد، حيث تعلقت على الجدران ذاكرة الألوان والفرشاة، نوقشت مؤخرًا رسالة ماجستير استعادت روح الفنان الراحل إسماعيل الشيخلي من خلال بيئته التي رسمها، وظل وفيًّا لها حتى آخر أيامه.

الباحث الفنان عبدالسلام إسماعيل خلف قدم دراسته الموسومة «تمظهرات البيئة في رسوم الفنان إسماعيل الشيخلي»، محاولًا فك شفرة العلاقة بين المكان واللون في تجربة أحد أبرز رواد الفن العراقي الحديث.

وتابع الباحث كيف تحولت القرية والريف والمرأة العراقية في لوحات الشيخلي من مجرد مشاهد واقعية إلى فضاءات جمالية تتكثف فيها ملامح الهوية البصرية العراقية.

وقد نالت الرسالة تقدير «جيد جدًا» من لجنة المناقشة التي تكونت من الأستاذ الدكتور عياض عبد الرحمن رئيسًا، وعضوية كل من الأستاذ الدكتور عبدالكاظم علي خلف، والأستاذة الدكتورة شيماء وهيب خضير، فيما أشرف على البحث الأستاذ الدكتور رائد عبدالأمير منصور.

مهندس ذائقة جيل

جاءت المناقشة امتدادًا لحوار أكاديمي متواصل مع إرث الشيخلي، الفنان الذي جمع بين أصالة البيئة المحلية ولغة تشكيلية معاصرة، وجعل من ألوانه الحارة ومساحاته اللونية الكبيرة توقيعًا لا يخطئه النظر. ويؤكد هذا البحث الجديد أن الشيخلي لا يزال حيًّا في أروقة الأكاديمية، ليس كاسم في كتب التاريخ، بل كمنهج بصري يفتح للباحثين نوافذ جديدة لفهم كيف يتمظهر المكان في العمل الفني، وكيف يصبح للتراب والبيت والمرأة حضور يليق باللوحة الكبيرة.

وبهذا تكون كلية الفنون الجميلة قد أضافت لبنة جديدة إلى دراساتها عن رواد الفن العراقي، وتذكيرًا بأن أرشيف الألوان العراقية ما زال غنيًّا بالأسئلة التي تستحق البحث.

في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 2014، استدعت الذاكرة الثقافية العراقية اسمًا ظل حاضرًا حتى بعد غيابه، إسماعيل الشيخلي. لم يكن رحيله عام 2002 خاتمة، بل كان تسليمًا للراية إلى أجيال تعلمت على يديه كيف يتحول السطح الأبيض إلى حكاية، وكيف يتحول الفنان إلى مؤسسة.

حين قلده الرئيس الفرنسي جاك شيراك وسام الفارس في الفنون والآداب، لم يكن التكريم مجرد شريط حريري يعلق على صدر رجل، بل كان اعترافًا دوليًا بأن في بغداد مدرسة تشكيلية لها لغتها الخاصة، وأن في هذا الرجل أحد أبرز من صاغوا مفرداتها.

ولد إسماعيل الشيخلي في محلة باب الشيخ ببغداد عام 1924، في مدينة كانت تتنفس المقهى والمدرسة والشارع بنفس الإيقاع. أنهى دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد في دورته الأولى عام 1945، وكان من أقرب تلاميذ الفنان الرائد فائق حسن. لم تكن العلاقة بينهما علاقة أستاذ وتلميذ فحسب، بل كانت مصاهرة روحية. من فائق حسن تعلم الشيخلي أن الفن ليس مهارة يد، بل موقف من العالم، وأن على الفنان أن يخرج من قاعة الدرس إلى الحقل وإلى القرية وإلى وجه الإنسان.

بعد تخرجه مباشرة، أُرسل في بعثة إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس «البوزار»، حيث أمضى سنوات التكوين الأوروبي وتخرج عام 1952. عاد إلى بغداد لا حاملًا شهادة فقط، بل حاملًا سؤالًا كبيرًا: كيف نكتب حداثتنا نحن، لا كيف نقلد حداثتهم هم؟

الإجابة بدأت في قاعة الدرس.

عُيّن مدرسًا لمادة الرسم في معهد الفنون الجميلة، ثم أصبح رئيسًا لقسم الفنون التشكيلية فيه للفترة من 1952 إلى 1979، وفي عام 1979 انتقل إلى أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد أستاذًا ورئيسًا للقسم حتى عام 1987.

خلال هذه العقود، لم يكن الشيخلي موظفًا إداريًا يمضي الأوراق، بل كان مهندسًا لذائقة، طوّر المناهج، وأدخل تقنيات جديدة، وشجع الطلبة على الخروج من الأستوديو إلى الطبيعة، ثم إلى المجتمع. وعندما تسلم لاحقًا منصب مدير عام دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والإعلام، لم يكتفِ بإدارة دائرة، بل حوّلها إلى نافذة. في عهده تطورت الدائرة وتوسعت، وخرجت معارض السيراميك والرسم والنحت من بغداد إلى لندن وباريس ومدريد، وشارك الجناح العراقي في بينالي ساو باولو وبينالي الهند. كان يؤمن أن الفن لا يعيش في العزلة، وأن على العمل العراقي أن يسافر ليتعرف على نفسه في عيون الآخر.

كان الشيخلي من المؤسسين الأوائل لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1956، ومن المؤسسين الفاعلين لجماعة الرواد التي أسسها فائق حسن. شارك في كل معارض الجمعية والجماعة داخل العراق وخارجه، وله حضور في سبعة معارض للرواد في عمّان. في جماعة الرواد وجد الشيخلي فضاء التجريب الأول.

بين القتامة والحيوية

انتقل من رسم الطبيعة المباشر إلى معالجة الشأن الاجتماعي، لا بالخطابة، بل باللون. في خمسينيات القرن الماضي، ومع زميله محمود صبري، طرح موضوع الريف والقرية والحالة الاجتماعية السائدة، لكن بأدوات مختلفة. لم يرسم الفلاح ككاريكاتير سياسي، بل ككائن أنثروبولوجي وجمالي في آن واحد، واستخدم التجريد لا هربًا من الواقع، بل لتكثيفه.

بنى مساحات لونية حارة، وأعدّ سطوح لوحاته بعناية حرفية عالية، واختار قياسات كبيرة تليق بملحمة يومية صامتة. ألوانه كانت شرقية في روحها، حتى حين استعار تقنيات غربية، لأنها كانت تستمد حرارتها من طين دجلة ومن شمس الحقول.

في هذا المناخ الشخصي والمهني، كان لشريكة حياته سوزان الشيخلي أثر عميق. خريجة معهد الفنون التطبيقية في باريس، جاءت إلى بغداد فتعلمت اللهجة البغدادية وعاشت في بيت أهل الفنان، وتفاعلت مع البيئة العراقية حتى صارت جزءًا منها. لوحاتها أضافت مدرسة بغدادية جديدة إلى مدارس الفن العراقي، قريبة في روحها من تجربة لورنا سليم في تسجيل المدى والعادات والتقاليد بأسلوب حديث.

لوحات الشيخلي
لوحات من عمق البيئة العراقية

هذا البيت الذي جمع بين باريس وبغداد منح إسماعيل أفقًا مزدوجًا: عين ترى التفاصيل المحلية وعين ترى العالم، دون أن تخون إحداهما الأخرى. ميزة الشيخلي الكبرى أنه لم يستقر على نمط واحد، على غرار أبناء جيله من الرواد، وجرب أساليب تصويرية مختلفة، لكنه ظل وفيًّا لموضوعين يشكلان محور تجربته: الحياة في القرى العراقية، والشكل الأنثوي.

القرى عنده ليست خلفية رومانسية، بل هي فضاء أخلاقي واجتماعي، فيها العمل والصبر والانتظار والاحتفال. رسمها مرارًا، لكنه لم يكررها؛ في كل مرة كان يعيد ترتيب العناصر ويغير إيقاع اللون ليقول شيئًا جديدًا عن الشيء نفسه.

أما المرأة فكانت موضوعه المركزي. لم ينظر إليها كموضوع زخرفي، بل كحقل استكشاف جمالي وفلسفي. جسد المرأة عنده امتداد لتاريخ التعبير البشري منذ فجره، لكنه في يد الشيخلي يتحول إلى أشكال بشرية مجردة، تطفو على خلفيات قاتمة وتضيء ببقع لونية حية.

هذا التناقض بين القتامة والحيوية هو سر بصمته: أن يمنح القسوة شاعرية، وأن يمنح البساطة جلالًا. في أعماله الأخيرة يسهل التعرف على الشيخلي من أول نظرة؛ الأشكال تفقد تفاصيلها التشريحية وتكتسب إيقاعًا موسيقيًا.

اللون لا يصف الشيء، بل يعلن حضوره. الخلفية الداكنة لا تحزن، بل تمنح الشكل مساحة للتنفس. هو تجريد لا ينكر الواقع، بل يستخلص جوهره، كما يفعل الشاعر حين يحذف الزوائد من القصيدة.

لم تقتصر مسيرة الرجل على الفرشاة. كان عضوًا فاعلًا في اللجنة الوطنية العراقية لليونسكو في بغداد، وكُلّف مستشارًا للشؤون العربية للفنون التشكيلية لدى اليونسكو في باريس، ورأس اللجنة الوطنية للفنون التشكيلية منذ عام 1991، وكان نائب رئيس نقاد الفن. وبين عامي 1986 و1989 ترأس الرابطة الدولية للفنون التشكيلية التابعة لليونسكو. وفي العراق كان أستاذًا متمرسًا في كلية الفنون الجميلة وعضوًا في هيئة رعاية العلوم والآداب والفنون.

هذه المناصب لم تبعده عن الناس. كان يحضر حفلات الفرقة السيمفونية الوطنية وعروض المسرح العراقي، ويجلس مع الطلبة في الورش، ويتحدث مع زملائه الرواد بلا تكلف. التواضع كان سمة ملازمة له، كما كانت الدقة في العمل.

التكريم الفرنسي الذي حصل عليه، حين منحه الرئيس جاك شيراك وسام الفارس في الفنون والآداب، جعله أول فنان عراقي ينال هذا الوسام الرفيع. لم يكن الوسام مكافأة نهاية خدمة، بل إشارة إلى أن جسرًا ثقافيًا قد قام بين بغداد وباريس، وأن فنانًا عراقيًا استطاع أن يتحدث بلغة عالمية دون أن يفقد لهجته. هنا ليست لقبًا تشريفيًا فقط، بل هي وصف لحالة: فارس في ميدان اللون، يدافع عن هوية، ويفتح طريقًا، ويحمي منجزًا جماعيًا.

هوية عراقية

ما الذي تركه الشيخلي بعد رحيله؟ ترك معهدًا صار أكاديمية، وترك دائرة صارت وزارة، وترك جيلًا من الطلبة صاروا أساتذة، وترك فكرة أن الفنان مسؤول؛ مسؤول عن تعليم، وعن تنظيم، وعن تمثيل بلاده في الخارج، وعن الحفاظ على ذاكرة بصرية. ترك أيضًا أسلوبًا يمكن التعرف عليه: مساحات لونية كبيرة، بناء محكم للوحة، حرارة شرقية، واهتمام بالإنسان العادي بوصفه بطلًا.

حين نقرأ سيرته لا نجد قصة فرد، بل نجد خارطة لتطور الفن العراقي الحديث، من معهد 1945 إلى البوزار 1952، من جماعة الرواد إلى جمعية الفنانين، من قاعة الدرس إلى البينالي العالمي، من رسم الطبيعة إلى تجريد القرية، من بغداد إلى باريس وبالعكس. في كل محطة كان الشيخلي يضيف لبنة. لم يكن ثوريًا صاخبًا، بل كان بانيًا هادئًا. يؤمن أن التغيير الحقيقي يحدث حين يتعلم الطالب كيف يمسك الفرشاة، وحين تصل اللوحة العراقية إلى جدار في باريس، وحين يفهم المسؤول أن الفن ليس ترفًا.

اليوم، بعد أكثر من عقدين على وفاته، ما زالت لوحاته تُقرأ، وما زالت تجربته تُدرس، وما زال اسمه يُذكر حين نتحدث عن الهوية البصرية العراقية. لأنه ببساطة لم يرسم لنفسه فقط، بل رسم لنا طريقة للرؤية، علّمنا أن ننظر إلى المرأة فلا نرى جسدًا فحسب، بل تاريخًا، وأن ننظر إلى القرية فلا نرى فقرًا فحسب، بل كرامة، وأن ننظر إلى اللون فلا نرى صبغة فحسب، بل لغة.

إسماعيل الشيخلي لم يكن مجرد فنان مبدع ومتميز، كان مشروعًا: مشروع تعليم، ومشروع تأسيس، ومشروع حوار بين الشرق والغرب. ولهذا بقي في ذاكرتنا ليس كصورة معلقة، بل كعلامة فارقة، وكفارس عبر بجيش من الألوان حدود المحلي إلى رحابة العالمي، وعاد محملًا بالاعتراف.