أدب الطفل العربي بين ترسيخ الهوية ومواكبة العالم الرقمي
مسقط- لم يعد أدب الطفل ترفًا ثقافيًا في المجتمعات المعاصرة، بل أصبح ركيزة أساسية في البناء الفكري للطفل، لما يؤديه من دور في تنمية الخيال، وصناعة الوعي، وترسيخ اللغة والهوية الوطنية. وفي هذا السياق، يرى مختصون أن الحاجة تتزايد، محليًا وعربيًا، إلى أدب تأسيسي يجمع الأصالة العربية بروح العصر، ويمنح الطفل أدوات نوعية للتفكير والإبداع، تؤهله ليكون قارئًا وصانعًا للمستقبل.
وتتحدث الدكتورة نورة بنت سالم الخليلي، المتخصصة في أدب الطفل، عن اللغة العربية بوصفها الوعاء الأول الذي تتشكل من خلاله شخصية الطفل وثقافته، مؤكدة أهمية تكامل أدوار الكاتب والأسرة والمؤسسات المعنية، حتى يشعر الطفل بأن العربية جزء أصيل من هويته.
اللغة العربية تجربة يومية
تقول الخليلي إن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل وسيلة فاعلة لتشكيل الهوية وبناء القيم الإنسانية وترسيخها، ويبدأ ذلك منذ الطفولة المبكرة، حيث تكون قابلية التأثير والترسيخ في أعلى مستوياتها.
وترى أن أدب الطفل قادر على تقديم العربية في ثوب معاصر يحافظ على روحها، ويربطها بوجدان الطفل وعوالمه ومكتشفاته، بدل أن تبقى مجرد مادة دراسية يتعلمها على مضض. فعندما يجد الطفل بطلًا عربيًا يخترع طائرة من ورق، أو فتاة تبحث في أسرار النباتات وتتحدث بالعربية، تتحول اللغة من «مادة امتحان وإلزام» إلى "أداة حياة وفهم".
وتوضح الخليلي أن أدب الطفل يستطيع الإسهام في تحويل تعليم اللغة إلى ممارسة تطبيقية، من خلال جعل نصوص أدب الطفل مادة ينطلق منها المنهج في تناول القضايا اللغوية، وربط القراءة والكتابة بإنتاج نشرات مدرسية، وتشجيع الأطفال على القراءة وإعادة صياغة النصوص، وكتابة الكلمات والخطب على منوال ما يقرأونه. كما يمكن للأدب أن يقدم المفردة العربية في سياقات متنوعة، مثل الدهشة والاستفهام والمدح والتهكم، بما يجعل اللغة مرتبطة بالتجربة اليومية للطفل، ويجعل استعمالها المباشر معيارًا أساسيًا في التقويم.
الأدب بوصفه أداة للصحة النفسية
من جانبها، ترى الدكتورة إيمان بنت حمد المقبالية، المتخصصة في العلاج النفسي للأطفال، أن التجربة العُمانية في أدب الطفل حققت خطوات إيجابية خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي الاهتمام بالقصص التي تعزز الهوية الوطنية وتحافظ على اللغة العربية وتستحضر البيئة العُمانية وقيمها، وهو ما يمثل أساسًا مهمًا في بناء شخصية الطفل وتعزيز انتمائه.
وتؤكد أن المرحلة المقبلة يمكن أن تنقل أدب الطفل إلى مستوى أكثر تأثيرًا إذا جرى التعامل معه بوصفه أداة تربوية ونفسية، إلى جانب كونه منتجًا ثقافيًا. وتشير إلى استخدام «العلاج بالسرد» و«العلاج بالقصة» في المجال النفسي، وهما أسلوبان يساعدان الطفل على فهم مشاعره والتعبير عنها وإعادة صياغة تجاربه المؤلمة بطريقة تمنحه الأمل والقدرة على تجاوزها. فالطفل قد يعجز عن وصف الخوف أو الحزن أو الغضب أو الفقد مباشرة، لكنه يستطيع أن يرى نفسه في بطل القصة ويتعلم من تجربته.
إعادة الأطفال إلى عالم الكتاب لا ينبغي أن تقوم على المنافسة بين الكتاب والشاشة وإنما على التكامل بينهما
وتدعو المقبالية إلى الاستثمار في إنتاج قصص يمكن أن تسهم في التثقيف النفسي والوقاية والتدخلات العلاجية المساندة داخل المدارس والعيادات ومراكز الإرشاد النفسي، على أن تتناول قضايا القلق والصدمات والتنمر والانفصال الأسري والمرض والإعاقة وإدارة الانفعالات واحترام الاختلاف وطلب المساعدة، بلغة جذابة تراعي المراحل النمائية وتمنح الطفل مساحة آمنة لفهم ذاته.
كما تؤكد أن الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على التجارب العالمية ليسا اتجاهين متعارضين، بل متكاملين؛ فالطفل يحتاج إلى أن يرى نفسه في القصة، في بيئته وقيمه وثقافته وتاريخه، وفي الوقت ذاته يستفيد من الخبرات العالمية في تنمية التفكير النقدي والخيال والذكاء الانفعالي والمرونة النفسية. وترى أن ثمة فرصة لتحويل أدب الطفل إلى مشروع وطني تشارك فيه المؤسسات والكتاب والرسامون والمتخصصون في علم النفس، بما يجعل القصة أداة لبناء الشخصية وتعزيز الصحة النفسية وترسيخ القراءة وحماية الأطفال من المحتوى السطحي.
من الكتاب إلى العالم الرقمي
أما الدكتورة العراقية زينب عبدالمهدي، المتخصصة في الأدب والنقد الحديث والمهتمة بأدب الطفل، فتتوقف عند العالم الرقمي، داعية إلى تحويله من تحدٍّ إلى فرصة لصناعة محتوى عربي إبداعي يجمع الجودة والجاذبية، ويربط بين اللغة العربية وأدب الطفل. وترى أن العالم الرقمي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا أن أغلب الأطفال نشأوا في ظله.
وتؤكد أن إعادة الأطفال إلى عالم الكتاب لا ينبغي أن تقوم على المنافسة بين الكتاب والشاشة، وإنما على التكامل بينهما والاستفادة من مزايا كل وسيط. وتطرح سؤالًا حول إمكانية إنشاء عوالم رقمية تستمد شخصياتها وأفكارها من التراث والثقافة العربية، بما يحول الأطفال من مجرد متلقين إلى صناع للمحتوى.
وترى عبد المهدي أن تحقيق ذلك يتطلب الإيمان بالقدرات العربية، والاهتمام باللغة العربية بوصفها وعاءً للمحتوى، وتقديم القدوة الحسنة من خلال إعادة تقديم الشخصيات التراثية الملهمة بصورة معاصرة. كما تدعو إلى الربط بين القصة والتكنولوجيا، وإعادة صياغة القصص والأحداث التاريخية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تقديمها، والاستفادة من التصوير والرسم وصناعة المجسمات، إلى جانب إشراك الأطفال في صناعة المحتوى وتنمية مهاراتهم الإبداعية.
وتشدد كذلك على إبراز القيم والمثل العليا، وترسيخ العادات والتقاليد الأصيلة، وتشجيع الأطفال على الابتكار والعمل الجماعي وتسويق محتواهم بطرق أخلاقية، مع الابتعاد عن الإسفاف والإساءة للآخرين، وترسيخ قيمة العمل والكسب الحلال والمسؤولية الأخلاقية في صناعة المحتوى.
الشعر.. من الحفظ إلى التجربة
يرى الشاعر العُماني سعود بن ناصر الصقري أن تحويل النص الأدبي والشعري إلى مساحة لتنمية خيال الطفل وذائقته وقيمه من شأنه أن يدفعه إلى التعبير والإبداع بدل الاكتفاء بالتلقين والحفظ.
ويقول إن المحتوى الرقمي لن يكون منافسًا حقيقيًا للشعر أو أدب الطفل، وإنما تكمن المسألة في الطريقة التي يُقدَّم بها هذا الأدب؛ فالطفل اليوم يعيش في عالم سريع الإيقاع، تحضر فيه الصورة والحركة والتفاعل، ولذلك لا يمكن الاستمرار في الأساليب التقليدية في كتابة الشعر والقصة. ويدعو إلى نصوص أكثر قربًا من عالم الطفل، من دون أن تفقد قيمتها الفنية ورسالتها التربوية.
ويؤكد الصقري أن الشعر يمتلك قدرة خاصة على بناء علاقة وجدانية عميقة مع الطفل، عبر الإيقاع والصورة الشعرية والموسيقى الداخلية للنص، داعيًا إلى تحويل القصيدة إلى مساحة للاكتشاف والمشاركة، من خلال طرح الأسئلة وتخيل نهايات مختلفة والرسم والتمثيل والإنشاد. كما يرى أن توظيف التطبيقات الرقمية والكتب التفاعلية والتسجيلات الصوتية والرسوم المتحركة يمكن أن يمنح القصيدة حضورًا جديدًا في عالم الطفل، شرط أن تكون بسيطة في مفرداتها وعميقة في فكرتها.
ويضيف أن شعر الطفل في سلطنة عُمان أصبح أداة لبناء الهوية الثقافية والوطنية، فالقصيدة التي تستلهم البيئة العُمانية والبحر والجبل والنخلة والتراث والعادات الأصيلة تعرّف الطفل بجذوره وتغرس فيه الاعتزاز بلغته ووطنه، مع فتح نافذة على قيم العصر، مثل الإبداع والابتكار واحترام التنوع والمحافظة على البيئة.
ويؤكد أن نجاح شعر الطفل لا يتحقق بالدخول في سباق مع الصورة، بل باستثمار عناصر قوته: الكلمة الجميلة، والإيقاع المؤثر، والخيال الخصب، والقدرة على مخاطبة القلب والعقل معًا. وعندها يمكن صناعة إنسان أكثر إحساسًا، وقدرة على التفكير والإبداع، وأكثر ارتباطًا بلغته وهويته العُمانية.