الأساطير والحياة اليومية.. قراءة تحليلية للمعتقدات الشعبية العُمانية

الكتاب يهدف إلى التعرّف على مفاهيم المعتقدات الشعبيّة، والتراث الشعبي (الفلكلور) والذهنيّات وبيان العلاقة بين البيئة والمعتقدات الشعبيّة
الاثنين 2026/02/16
يونس النعماني: الأساطير دليل على التنوع الثقافي في عُمان

مسقط- صدر للباحث العماني الدكتور يونس بن جميل النعماني إصدار توثيقي جديد حمل عنوان "المعتقدات الشعبيّة في عمان خلال القرن العشرين (1900 -2000م)، دراسة تحليلية في التاريخ الاجتماعي (مقاربة أنثروبولوجية)".

وقد وضع النعماني رؤيته البحثية في هذا الإصدار ضمن الإطار الزماني والمكاني؛ لتحقيق أهدافها؛ حيث حدد القرن العشرين الميلادي (1900 -2000)، وهو الزمن الذي تغيّرت فيه أحداث كثيرة في عمان؛ نتيجة لظروف متعددة، حيث يقترب الإصدار من رصدها وتأثيرها على الإنسان من الناحية الاجتماعية.

أما الإطار المكاني فتمثل في اختيار عدة محافظات في سلطنة عمان، وهي: مسندم، وشمال الباطنة، وجنوب الباطنة، ومسقط، وجنوب الشرقية، وظفار. وقد جاء اختيار هذه المحافظات دون غيرها؛ كونها محافظات ساحلية؛ ولأن الساحل أكثر انفتاحا من الداخل في استقبال مؤثرات حضارية، والاندماج في المعتقدات الشعبيّة موضوع الدراسة، مع أخذ بعض المحافظات الداخلية على سبيل المقارنة والتحليل.

ويجيب الإصدار على جملة من التساؤلات الرئيسة في ذهن الباحث، منها أهمية دراسة الثقافة الشعبيّة ومن بينها المعتقدات في المجتمعات ككل والمجتمع العماني خاصة، ولماذا تبقى النماذج الإحيائية الموغلة في القدم في أذهان المجتمعات الثقافية كذاكرة جمعية، ومنها المجتمع العماني.

ويهدف الإصدار إلى تحقيق جملة من الأهداف، من بينها: التعرّف على مفاهيم المعتقدات الشعبيّة، والتراث الشعبي (الفلكلور)، والذهنيّات. وبيان العلاقة بين البيئة والمعتقدات الشعبيّة، فضلا عن إبراز أثر المعتقد الشعبي في التفكير الجمعي للأفراد، والكشف عن المعتقدات الشعبيّة في عمان في القرن العشرين المتعلقة بدورة حياة الإنسان، وكذلك توضيح دور الكائنات الماورائية في الذهنية العمانية.

وتتمثل أهمية الكتاب، في أنه سعى إلى تقديم صورة عن المعتقدات التي يمارسها السكان في مناطق كثيرة من سلطنة عمان، بعضها انقرض وتلاشى؛ نتيجة لظروف متداخلة، لعل أبرزها تعارضها مع تعاليم الدين الإسلامي، كما أن تحسّن الظروف الاقتصادية والتنموية قد أسهم بشكل أو بآخر في تلاشي بعض المعتقدات من العقل الجمعي.

قسّم الإصدار إلى ثلاثة أبواب وثمانية فصول، بالإضافة إلى الفصل التمهيدي ومقدمة وخاتمة. فالتمهيد تطرق فيه الباحث لمقدمة نظرية عن الآراء والمعتقدات وكيفية تشكلّها، ودورها في النظم الاجتماعية. وفي الباب الأول تناول "المعتقدات الشعبيّة في دورة الحياة أي مرحلة الولادة (الطفولة)، الزواج، الموت".

أما الباب الثاني فقد جاء عنوانه "المعتقدات الشعبيّة المتعلقة بالبيئة والطبيعة". فيما تناول الباب الثالث: "الكائنات الماورائية والتي عادة ما تعرّف على أنها ظواهر توجد خارج نطاق الطبيعة المادية والمحسوسة، ولا تخضع لقوانين الفيزياء التقليدية، بالإضافة إلى المعتقد البحري"، حيث حفلت الأساطير والمعتقدات الشعبيّة بالكثير من ألوان تصوير هذه الطبيعة المزدوجة بالنظر إلى الكون والعالم الباطن والظاهر، وقد تأثرت المخيلة الشعبيّة بهذه الطبيعة المزدوجة للإنسان، ووصلت إلى حد الاعتقاد بها، ومارست معتقدات خاصة بهذه الكائنات غير المرئية.

وفي حديث خاص له يقول الدكتور يونس النعماني: "لقد مثلّت المعتقدات الشعبيّة في سلطنة عمان وفقا لدراستنا متغيرات متمايزة من حيث البيئة الجغرافية والثقافية والفكرية بين منطقة وأخرى، لدرجة أنه يمكن القول إن كل محافظة تمثل حالة فكرية أو ثقافية مستقلة رغم التشابه الكبير بينها بطبيعة الحال، فهذا التنوع الثقافي في عمان دليل على غنى المنطقة حضاريّا وثقافيّا."

ويضيف: "هذا ما كشفه الإصدار التوثيقي من خلال تتبع المعتقد الشعبيّ في محافظات سلطنة عمان المختلفة؛ فقد تعرّفنا على أبرز المعتقدات الشعبيّة خلال القرن العشرين، وعلاقة هذه المعتقدات بالميثولوجيا، فضلا عن إبراز دور المعتقد الشعبي في التفكير الجمعي، كما أن حضور الأساطير والمعتقدات القديمة الإحيائية دليل على التنوع الثقافي في سلطنة عمان."

ويوضح: "توصلنا إلى عدد من النتائج؛ إذ كشف البحث التوثيقي ثراء التنوع الثقافي الفكري والشعبي في عمان إبّان فترة الدراسة المتمثلة في المعتقد الشعبي والممارسات المصاحبة له، كما توصلنا إلى أن البيئة الساحلية استوعبت نماذج متنوعة من المعتقدات مقارنة مع غيرها من المناطق الداخلية، فضلا عن أثر هذه المعتقدات في النواحي النفسية والاجتماعية لأفراد المجتمع العماني".