حراك ماكرون تجاه لبنان من خارج الإطار

الأيام المقبلة قد تشهد تحركًا فرنسيًا أوسع في لبنان ليضمّ شخصيات تدور في فلك الرئيس بري، دون أن يحدث صدام مباشر مع واشنطن.
الأحد 2026/08/02
استراتيجية فرنسية – ماكرونية

أكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال الاتصال الذي أجراه برئيس مجلس النواب، نبيه بري، يوم الخميس 30 تموز/يوليو، على استمرار فرنسا في دعمها للبنان، وإيلائها الاهتمام والأولوية لاستقراره وصون سيادته، ودعمه على مختلف الصعد، ولاسيما دعم الجيش وإعادة الإعمار.

خلال الاتصال المشترك بين الرجلين، شدّد ماكرون على استعداد بلاده والدول الصديقة لمؤازرة لبنان في المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها. كما شدّد الطرفان على أهمية بقاء قوات اليونيفيل في جنوب لبنان وعلى دورها، ودعوا إلى التطبيق الكامل لمندرجات القرار رقم 1701.

اتصال يحمل في أبعاده رسالة سياسية إلى الرئاستين الأولى والثالثة، خصوصًا وأنه جاء بعد اللقاء الذي جمع الرئيس بري برئيس الجمهورية، جوزيف عون، يوم الأربعاء 29 تموز/يوليو في القصر الجمهوري، وذلك بعد أشهر من اللقاء الأخير بين الرجلين.

حمل لقاء عون – بري الكثير من التفاهم، إلا أن الخلاف بقي قائمًا حول قرار الرئيس عون بالسير قدمًا في التفاوض المباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية، حيث ما زال بري يعارض اتفاق الإطار، معتبرًا أنه لم يقدم سوى تنازلات من جانب الدولة اللبنانية. وليس اتصال بري – ماكرون يتيمًا في ما يخص رفض الإطار، فقد سبقه لقاء ماكرون مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، في قصر الإليزيه يوم الجمعة 24 تموز/يوليو الماضي، حيث استمر الاجتماع نحو ساعة وربع لبحث الأزمات الإقليمية والمحلية.

ماكرون يسعى لتثبيت الحضور الفرنسي في لبنان عبر اتصالات مع بري وجنبلاط رافضًا الانفراد الأميركي باتفاق الإطار ومؤكدًا دعم الجيش والاستقرار والسيادة اللبنانية

هذا في الشكل، أما في المضمون، فاللقاء يأتي ضمن استراتيجية فرنسية (ماكرونية تحديدًا) تهدف إلى تشكيل جبهة من المعارضين لاتفاق الإطار الذي وقّع عليه لبنان الرسمي في واشنطن.

وكان بيك المختارة قد أطلق موقفه الاعتراضي في وقت سابق من خلال جلسة للمجلس المذهبي الدرزي، معتبرًا الاتفاق أحاديًا أملته إسرائيل. رحبت الخارجية الفرنسية باتفاق الإطار في 27 حزيران/يونيو الماضي، وأوضحت أن هذا الاتفاق يجب أن يمهّد الطريق لاستعادة السيادة اللبنانية الكاملة داخل حدود البلاد، وإقامة احتكار الدولة للسيادة. لكن المباركة الفرنسية حملت الكثير من التحفظات التي لا تخلو من رسائل موجّهة إلى اللاعب الأميركي الذي يعرقل أدوار فرنسا في أكثر من ساحة دولية، ولبنان نموذجًا.

وجدت فرنسا نفسها خارج الساحة اللبنانية، رغم المساعي التي بذلها رئيسها ماكرون لتكريس الحضور الفرنسي، خصوصًا بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، حيث تفاجأ اللبنانيون بزيارة خاصة قام بها ماكرون في 6 آب، وعمل على لقاء كافة الأطراف اللبنانية بما فيها حزب الله. وقد نتج عن هذه الزيارة تكريس بعض الاستثمارات للشركات الفرنسية، وعلى رأسها شركة الشحن العالمية (CMA CGM)  العاملة في تأهيل المرفأ، إضافة إلى شركة (توتال) العاملة في مجال الطاقة والنفط.

ونقلت وكالة “رويترز” عن أربعة مصادر قولها إن الولايات المتحدة تدرس تأجيل أو رفض تعيين المرشح الذي اختاره ماكرون لمنصب السفير الفرنسي المقبل في واشنطن، أوريليان لوشافالييه، وذلك عقب انتقادات علنية وجهتها باريس لسجل الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان. اشتباك سياسي آخر يبرز تزايد التوتر بين الحليفين، وسط خلافات بشأن الرسوم الجمركية والملف الإيراني. “ليست على ما يرام”، عبارة تفسّر التوتر بين باريس وواشنطن، لاسيما بعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى ولاية ثانية، حيث انتقل الخلاف إلى المستوى الشخصي على خلفية الصفعة التي تلقاها ماكرون من زوجته.

بين التفلت الإسرائيلي من الاتفاق والتوتر الفرنسي–الأميركي يحاول ماكرون تشكيل جبهة لبنانية–فرنسية لحماية مصالح باريس واستخدام لبنان كورقة ضغط في ساحات أخرى

يدرك الفرنسي منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أن المسعى الأميركي في المنطقة لا يخدم مصالحه ولا يراعي حضوره، لذلك قرر ماكرون المواجهة من خارج الإطار، علّه بذلك يعمل على فرملة الاندفاعية الأميركية، على الأقل تجاه لبنان. ليس صدفة أن يكون التحرك الفرنسي باتجاه شخصيات لبنانية تعارض اتفاق الإطار، وقد تشهد الأيام المقبلة تحركًا فرنسيًا أوسع في لبنان ليضمّ شخصيات تدور في فلك الرئيس بري، دون أن يحدث صدام مباشر مع واشنطن.

إذ بات من المؤكد أن تجاهل السياسة الأميركية نحو لبنان قد يطيح بمصالح فرنسا، وربما يصل الأمر إلى استبدال شركة “توتال” الفرنسية العاملة في مجال التنقيب واستخراج النفط، تحديدًا من البلوك رقم 8، بشركة “شيفرون” الأميركية، وسط حديث عن بناء منطقة “ترامب الاقتصادية”.

لا شيء مستبعد، طالما أن الإسرائيلي ما زال يماطل في تنفيذ اتفاق الإطار، ويراهن على اندلاع حرب كبرى في المنطقة. فهو ما زال يمارس التفجير في البنية التحتية للمناطق الجنوبية، الأمر الذي يؤكد أنه أيضًا يعمل على مشروع من خارج الإطار.

فبين التفلت الإسرائيلي من اتفاق الإطار، وبين تشكيل جبهة لبنانية – فرنسية، هل سينجح ماكرون في اصطفافاته اللبنانية من أجل حماية مصالحه أو تشكيل ورقة ضغط لبنانية لنيل مكاسب في ساحات أخرى من خارج الإطار أيضًا؟