المعرض الوطني العام: إمكانيات الفعل التشكيلي الليبي وضرورة المسير
أثار المعرض الوطني العام للفنون التشكيلية حراكا واسعا وسجالا نقديا كشف مجددا عن حالة الشح النظري في المشهد التشكيلي الليبي. ورغم التحديات الاستثنائية وتفاوت القراءات بين النقد الموضوعي والتنظير المنقطع عن الواقع، شكل الحدث في "قصر الخلد" عتبة عبور حقيقية نحو نقد بصري منصف ووعي فني أكثر احترافية واستدامة.
إن السجال الراهن حول الفن التشكيلي، وما يرافقه أحيانا من تنظير يبدو منقطعا عن الواقع العملي، قد لا يمثل سوى ردود أفعال طبيعية وتعبيرات اتخذت مسارات متناقضة عقب انطلاق المعرض الوطني العام للفنون التشكيلية.
وانطلق المعرض الوطني للفنون التشكيلية في ليبيا يوم 18 يوليو الماضي واستمر حتى الـ23 من الشهر نفسه، في طرابلس تحت شعار “رؤى معاصرة”، بمشاركة أكثر من 90 فنانا وفنانة، وعرض أعمالاً في الرسم والنحت والفنون البصرية.
لقد أثار المعرض حراكا واسعا وسلسلة من الانتقادات الصريحة التي صدرت عن عدد من الفنانين والأكاديميين غير المشاركين فيه، والتي تفاوتت في دوافعها بين قراءات موضوعية تسعى للتصويب وأخرى غارقة في المثالية أو الاستعانة بالتقنيات الحديثة لصياغة نصوص مطولة، وهو أمر يسلط الضوء مجدداً على حالة الشح النظري التي طالما عانت منها الساحة التشكيلية.
لم نر كتابات تشكيلية في الصحف، ولا دراسات عن الفن التشكيلي والتجارب الليبية في فترة كانت فيها الحركة التشكيلية في أشد الحاجة للكتابة النقدية من المتخصصين والتنظير من الفنانين، منذ أن تشكّلت أول نواة للفن في ليبيا في ستينات القرن الماضي؛ إذا اتفقنا على أن ما سبقها كان إرهاصات أولى لأفراد من الفنانين الأجانب الإيطاليين، وما تبعه من فنانين فطريين ليبيين تعلموا على أيدي الأجانب في ليبيا عن “لوحة المسند”.
الكلام في هذا المجال يطول، ولا يمكن أن يُذكر نقدٌ وكتابةٌ تشكيلية عبر سنوات طويلة من هذه المراحل رغم وجود العديد من الفنانين وبعض المعارض الجماعية والفردية التي أُقيمت في أوقات مختلفة؛ فلم تكن الكتابة التشكيلية والنقد يرتقيان إلى مستوى هذه التجارب، بل كانت في أغلبها مقالات صحفية إخبارية عن معارض ولوحات، وفي أغلبها إشادة احتفائية من بضعة أسطر في ركن قصي من جريدة يومية أو أسبوعية عن خواطر صحافي أو شاعر لا يحيط بالتشكيل خُبراً.
◄ المعرض أثار حراكا واسعا وسلسلة من الانتقادات الصريحة التي صدرت عن عدد من الفنانين والأكاديميين غير المشاركين فيه

◄ على الفنان أن يكون جزءا من الحدث الفني وأن يرتقي بالفعل والعمل الجماعي البنّاء بعيدا عن التنظير الاعتراضي
ويمكن الوقوف قليلا والمرور على عجلٍ على تجارب بعض الفنانين التشكيليين في الكتابة عن التجارب الفنية لنظرائهم من الفنانين أو لتجاربهم الشخصية وشرح حقولهم البصرية من جيل السبعينات، كتجربة الفنان عمر جهان في الكتابة من الداخل التشكيلي مستعيناً بشاعرية مضيئة ومعرفة موسوعية عن فترة المكابدات في المنفى، أو كتابات النصوص التشكيلية كعتبات لمعارض فنية جماعية وفردية أُقيمت في أوقات متفرقة من فترات السبعينات والثمانينات والتسعينات لكلٍّ من الفنان الطاهر الأمين المغربي والفنان علي العباني.
ومن المهم الوقوف على محطة وحيدة كانت تقترب من الوصف البصري والكتابة التشكيلية عبر لغة أنيقة وثقافة تجاوزت حدود اللغة الواحدة للكاتب والناقد الأستاذ منصور بوشناف، في محطاتٍ عن تجارب ليبية في فترة التسعينات وبداية الألفينات التي كانت مكتظة بالتجارب التشكيلية والمعارض خصوصا في العاصمة طرابلس، وذلك بعيدا عمّا يحدث داخل الأسوار العالية للجامعات الأكاديمية الخاصة بالفنون، وما يوجد بها من دراسات أو كتابات نقدية أكاديمية وبحوث.
لقد قررتُ الكتابة التشكيلية والتنظير عن الفن التشكيلي الليبي بعد أن وجدتُ صحراء قاحلة في الكتابة التشكيلية، وخصوصاً النقد الذي يتجه من الداخل إلى الخارج، وهو نقدٌ لا يمتلكه إلا من استطاع أن يتزن في العديد من الأمور، ومن أهمها: الاطلاع الواسع على ما تم إنتاجه في فن الرسم والتشكيل عبر العصور وأهم مفاصله. والأمر الثاني: امتلاك ذائقة تحسن الاختيار بين التجارب، فالكتابة عن كل التجارب دون تمييز وتمايز تخلط الأمور عند الآخر، وتجعله يعتقد أن التجارب متواضعة في أغلبها.
والأهم من كل هذا: الجانب الإنساني الخالي من الضغينة والمتعالي عن المنافسة بين الأقران من الفنانين، والذي يتصل مباشرة مع التجربة الإبداعية دون أي حواجز. فالعمل النقدي الحديث في أغلبه هو وصفٌ للإحساس المتولد أثناء مشاهدة الأعمال الإبداعية، مع الإضافة من المقارنات النقدية ووضع هذه التجارب في سياقها الفني والتاريخي والاجتماعي، في خلاصة تكون إشارة إلى التجربة وإظهاراً لما تتميز به، والابتعاد عن الإرشادات التعليمية (النقد الأكاديمي) الموجهة أصلاً إلى الناشئة التشكيلية والتجارب المبتدئة من الفنانين.
لذا، فإن الحديث عن أي منجز تشكيلي ليبي حقيقي في الظروف الراهنة يجب أن يُشاد به في عمومه، وتثمين هذه الجهود الاستثنائية التي أُنجزت في زمن قياسي، رغم الاختلاف الواضح في الكثير من الملاحظات التي لن أقف عندها في طريقة العرض والمكان واختيارات الأعمال، والتي تتفق الأغلبية على أن بها قصوراً. وفي الجانب الآخر، لننظر إلى الجانب الساطع من الحدث: كتابٌ يضم كل المشاركين بتصميم جيد وألوان طباعة جميلة، وحضورٌ كبير من الناس العاديين إلى العديد من المثقفين والتشكيليين، رغم انقطاع الكهرباء وذروة مشاكل ليبيا السياسية في أسبوع المعرض الوطني العام.
إن على الفنان المبدع أن يكون جزءا من الحدث الفني أينما كان، سواء في المركز مجاورا لعتبة مرسمه أو في الأطراف وفي المدن الصغيرة والقرى والمناطق النائية، أن يتكبد معاناة السفر في طرق طويلة ووعرة من أجل أن يضيء فتيل فرشاته، وأن يرتقي بالفعل والعمل الجماعي البنّاء، بعيداً عن التنظير الاعتراضي الفردي دائما والبعيد عن الفعل العملي المنجز في الواقع.
خلاصة القول: فعلٌ تم إنجازه في “قصر الخلد”، قيمةٌ تاريخية في وقت استثنائي، وحضورٌ كبير لجمهورٍ متعطش للمعرفة البصرية، وحوارياتٌ عن النقد والتسويق للأعمال الفنية شارك فيها نقادٌ ليبيون وعرب، في لقاءٍ ضم حضوراً مكثفاً من محبي المعرفة والفنانين التشكيليين والكتاب والشعراء والصحافيين، وورشٌ ناجحة بفنانيها الذين منحوا المحبة قبل الخبرة لكل الأطفال في دورة الفنان الرائد علي مصطفى رمضان.
ورغم كل الصعوبات والملاحظات والنقص والارتباك الذي ظهر في المعرض -بدايةً من الاختيار إلى التنسيق والعرض- كان لزاماً الوقوف عند هذه الهفوات لأننا نمتلك طموحاتٍ عالية لا تحدها السماوات، وإمكانياتٍ وخبراتٍ ومواهب لا يختصرها هذا الحدث المهم في وقته وقيمته، يرسم ملامح عتبة عبورٍ إلى منطقة أخرى أعلى وأكثر إتقانا واحترافية في الإعداد والتجهيز والعرض، تحيطها ظروف وطنٍ أكثر أمنا واستقرارا.
وعلينا أيضا تقدير جهود كل من كان سببا في صناعة هذا الحدث الفني، من الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون ممثلةً في المركز القومي للتراث والفنون، بالتعاون مع الجمعية الليبية للفنون التشكيلية، وصولاً إلى وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، وكل الفنانين المشاركين، والأطفال المبدعين من فتيات وفتية، الذين أضفوا حُمرةً نضرة على وجنات الملتقى.

الحركة التشكيلية في أشد الحاجة للكتابة النقدية من المتخصصين والتنظير من الفنانين
