المعرض العام الليبي: رؤى معاصرة تبدد الانقطاع وتعزز الاستمرار
على الرغم من تأخر تنظيم ملتقى سنوي منتظم يلتزم بمواعيده الثابتة، ليكون مساحة حرة يلتقي فيها الفنانون التشكيليون الليبيون من رواد، وأجيال معاصرة، ومواهب جديدة واعدة، حيث يظل التفاعل الإنساني والمعرفي بينهم هو الهدف والغاية الأسمى في لقاءات جانبية قبل عملية العرض ذاتها، فإن هذا الحدث يأتي ليرمم فجوة التلقي لدى الجمهور الفني.
فالجمهور الليبي بات أكثر شغفا وتفاعلا مع الإنتاج البصري المحلي نتيجة تنمية الذائقة التشكيلية عبر الفضاء الرقمي وما يعرض فيه من أعمال فنية محلية وعالمية، وغيابه الطويل عن مشهد جامع يختزل الحركة التشكيلية الليبية بمختلف اتجاهاتها وأنواعها، من رسم وتصوير ونحت وفنون “الأوبجكت” (Object (Art المعتمدة على الحديد والمواد المختلفة، وصولاً إلى الفنون المعاصرة والتقنيات الرقمية والفيديو آرت والحروفية والخزف والخط العربي، والتي تبلورت رؤاها في السنوات الماضية فتعددت واختلفت وتمايزت من حيث الكم والنوع والجودة.
إن الحديث عن بواكير النشأة الأولى للحركة التشكيلية الليبية يستوجب منا العودة بالذاكرة والإشارة بتقدير كبير إلى تجربة “نادي الرسامين بطرابلس” وما تلاها من معارض جماعية لافتة شهدتها فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي كقواعد تأسيسية أولى.
منذ تلك البدايات الصبورة، خاض الفنانون الليبيون محاولات مستمرة لحفظ التراكم المعرفي للمعرض الوطني العام ورسم تاريخه الخاص عبر محطات ممتدة عكست جغرافيا الإبداع الليبي، نذكر منها “معرض النهر الصناعي” الذي احتضنته مدينة بنغازي في بداية تسعينات القرن العشرين، يضاف إلى هذا الأرشيف الحي المعارض الجماعية الكبرى التي احتضنتها مدينة مصراتة في الأعوام 1995، و1996، ثم معرض عام 2004 (وذلك قبل التغيير السياسي الذي شهدته البلاد عام 2011)، وصولاً إلى “المعرض الوطني الجامع” الذي أقيم في قاعة “السلفيوم” بمدينة بنغازي عام 2007، والذي شكّل واحداً من أهم المفاصل التشكيلية في تلك الفترة، لتتحدد معالم هذا التاريخ صعوداً حتى عام 2014، حين أقيم آخر معرض عام في مدينة مصراتة وضم مبدعين من شتى أنحاء البلاد.
ولا يمكننا ونحن نستحضر هذا التاريخ، أن نغفل المحطات الأهلية والخاصة التي قادت حركة العرض النوعي، لعل أبرزها تلك المعارض المختارة من تجارب الرواد وتجارب أخرى معاصرة في “دار الفنون” بطرابلس خلال فترة التسعينات، وتحديداً معرض “نوافذ” الذي رسخ عبر سنوات طويلة فكرة الفن الناضج والتجارب المنتقاة بعناية فائقة، ليمثل الحراك التشكيلي الليبي في الداخل ويقدمه للجمهور المحلي والأجنبي، مستفيداً من وجود جالية واسعة من الجنسيات الأوروبية التابعة للسفارات والشركات العالمية الكبرى في العاصمة، في التفاعل وشراء الأعمال الفنية.
تُضاف إلى ذلك الأنشطة المتنوعة والورش الفنية المرافقة التي احتضنتها حواضن فنية وثقافية رائدة، مثل “بيت إسكندر للفنون”، و”دار حسن الفقيه”، والتي قدمت ورشاً للطباعة والتعليم ومسابقات الرسم للمواهب والناشئة الفنية.
وبيت علي قانة الثقافي أول متحف شخصي لأعمال الفنان الراحل علي قانة وما يتبعه من أنشطة وأحداث فنية مختلفة تتجه نحو المعاصرة في الطرح والنوع من معارض وورش وعروض أفلام مختلفة الأنواع والاتجاهات لترسخ فكرة التنوع الثقافي والرقي الحضاري والمعرفي، إلى جانب الحراك البصري المتميز والمستمر منذ 10 سنوات رغم الأحوال غير المستقرة للوطن، الذي يقوده ملتقى “دواية” للحروفية والتواصل بين الداخل والخارج بين الفنانين والجمهور، وهي جهود أصحابها التي تبرهن على أن نبض الإصرار على النجاح والاستمرار ظل حياً عبر مختلف الأجيال.
اليوم، وتأسيسا على هذا الإرث الفني والنضالي الطويل الذي قاوم الانقطاع لسنوات، تحتضن طرابلس العاصمة، وتحديدا في أروقة “قصر الخلد” التاريخي، تظاهرة فنية وطنية طال انتظارها تحت عنوان “معرض رؤى معاصرة للفن التشكيلي الليبي”.
هذا الحدث الكبير تنظمه وترعاه الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون، ممثلةً في المركز القومي للتراث والفنون، بالتعاون مع الجمعية الليبية للفنون التشكيلية ووزارة الثقافة والتنمية المعرفية، ليمثل وثيقة بصرية حية لأحدث نتاجات وتجارب التشكيليين الليبيين.
يشارك في المعرض الذي ينطلق يوم السبت 18 يوليو الجاري في قصر الخلد بمدينة طرابلس، 86 فنان وفنانة تنوعت أعمالهم ومشاركاتهم من الرسم والتصوير الزيتي والنحت والخزف والتصوير الفوتوغرافي، كما أن هناك ورشا للرسم الحر للفنانين تكون مساحة لقاء مثمرة ومساحة لتبادل الخبرات، وكذلك ورشا للهواة والأطفال لتطوير مهارات الرسم والتلوين.
وينظم المعرض ندوة مهمة حول الفن التشكيلي الليبي تحمل عنوان “من المحلية إلى الفضاء الرقمي.. أين يقف الفنان الليبي؟”، لتفكك أسئلة الراهن وتحولات العرض والتوثيق.