كاتب تونسي يجمع عالما قرطاجيا وآلهة رومانية في حوار فكري

معز بن أحمد لـ"العرب": الكاتب ليس موظفًا لدى السلطة أو المعارضة.. بل لدى الحقيقة.
الجمعة 2026/07/31
الحوار أقدر على هزيمة التاريخ من الحرب

بين الفلسفة والأدب، وبين مساءلة اللغة وتفكيك المسلّمات، يقدّم الكاتب التونسي معز بن أحمد في كتابه الجديد "الحب رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه" تجربة فكرية تتوسّل الحوار وسيلةً لاستكشاف أسئلة الحرية والحقيقة والإنسان. "العرب" كان لها معه هذا الحوار حول رهانات الكتاب ورؤى مؤلفه.

صدر مؤخرا للكاتب التونسي معز بن أحمد كتاب “الحب رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه”، وهو في الحقيقة عنوان صادم مستفزّ منذ الوهلة الأولى. لكن مؤلفه يقر في حديثه لـ”العرب” بأنه لم يبحث عن الصدمة لذاتها، فالصدمة وسيلة ضعيفة إذا لم تكن وراءها فكرة.

ويضيف “أردت أن أستعير لغة المقدس لأضع القارئ أمام مرآة يرى فيها كيف تتحول الكلمات، حين تُقتطع من سياقها أو تُستعمل لخدمة السلطة، إلى أدوات لإنتاج الخوف بدل الفهم. الكتاب لا يحاكم الحب، بل يحاكم كل خطاب يحوّل أسمى القيم إلى تهم. لذلك فالعنوان ليس حكمًا على الحب، بل سؤال عن علاقتنا باللغة، وعن سهولة تحويل البراءة إلى جريمة”.

حوار حضاري

يقوم الكتاب، الصادر عن دار أبجديات، على حوار بين ماغون وفينوس. تسأل “العرب” معز بن أحمد عن سبب اختياره لهاتين الشخصيتين بالذات؟ ليجيبنا “ماغون ليس شخصية تاريخية بالنسبة إليّ، بل هو رمز للعقل الذي يبحث ولا يدّعي امتلاك الحقيقة. أما فينوس فهي ليست مجرد إلهة للجمال، بل تمثل الحياة بكل تناقضاتها؛ الإغراء والخلق، الرقة والقوة. كما أن الجمع بين شخصية قرطاجية وأخرى رومانية يحمل معنى آخر؛ فالحضارات التي تواجهت بالسلاح تستطيع أن تتحاور بالفكر. كنت أريد أن أثبت أن الحوار أقدر على هزيمة التاريخ من الحرب”.

ماغون في الكتاب رمز للعقل الذي يبحث ولا يدّعي امتلاك الحقيقة أما فينوس فتمثل الحياة بكل تناقضاتها

يبدو أن ثنائية النور والظل هي الخيط الناظم للكتاب كله. ويبرر بن أحمد ذلك بأن الإنسان ليس كائنًا من نور خالص ولا من ظلام خالص. وفق رأيه نحن نحمل الاحتمالين معًا. الحرية، والسلطة، والإيمان، والحب، وحتى المعرفة، يمكن أن تتحول إلى نور أو إلى ظل بحسب الطريقة التي نعيشها بها. لذلك لا يكتب، كما يقول، عن الخير والشر بقدر ما يكتب عن المسافة التي تفصل بينهما داخل الإنسان نفسه.

الحرية من أكثر المفاهيم حضورا في الكتاب. ويرى بن أحمد أن الحرية ليست أن أفعل ما أشاء، بل أن أتحرر من كل ما يمنعني من رؤية الحقيقة؛ من الخوف، ومن التعصب، ومن الأوهام، ومن عبادة الجماعة. الحرية تبدأ عندما يصبح الإنسان قادرًا على مراجعة نفسه، وقادرًا على تغيير رأيه دون أن يشعر بأنه فقد كرامته.

يحضر في الكتاب نقد واضح لاستغلال الدين والسياسة والجمال. تسأل “العرب” الكاتب التونسي إن كان يرى أن الكاتب مطالب بالتدخل في قضايا عصره؟ ليقول “الكاتب ليس موظفا لدى السلطة ولا لدى المعارضة، بل لدى الحقيقة. لا أؤمن بالأدب الذي يهرب من عصره، كما لا أؤمن بالأدب الذي يتحول إلى منشور سياسي. مهمة الكاتب ليست إصدار الأحكام، وإنما كشف ما تحاول الخطابات إخفاءه، وطرح الأسئلة التي يخشى الآخرون طرحها”.

في المقابل، نجد احتفاء كبيرا بالإنسان وبقدرته على إعادة بناء نفسه. نسأله هل ما تزال متفائلا؟ ليقول “أنا لا أصف نفسي بالمتفائل ولا بالمتشائم. التفاؤل والتشاؤم حالتان نفسيتان، أما أنا فأحاول أن أكون منحازًا إلى الإمكان. ما دام الإنسان قادرًا على التفكير، فهو قادر على التغيير. أكثر ما أخشاه ليس الشر، بل أن يعتاده الناس حتى يبدو طبيعيا”.

ماغون في الكتاب رمز للعقل الذي يبحث ولا يدّعي امتلاك الحقيقة أما فينوس فتمثل الحياة بكل تناقضاتها
الكاتب لا ينتهي من كتاب إلا ليكتشف أنه لم يكن يؤلف كتابًا، بل كان يعيد تأليف نفسه

تحضر تونس وقرطاج في خلفية النصّ. والأخيرة بالنسبة إلى معز بن أحمد ليست أطلالًا، بل طريقة في النظر إلى العالم. إنها تذكير بأن الأمم لا تموت عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد قدرتها على إنتاج الأفكار. أما تونس فهي المكان الذي تعلم فيه أن الحب والنقد يمكن أن يجتمعا؛ أن تحب وطنك لا يعني أن تصفق لكل ما يحدث فيه، بل أن تحاول أن يكون أفضل.

حول طريقته في الكتابة يقول معزّ بن أحمد “أنا لا أبدأ بالعبارة، بل بالسؤال. قد يرافقني سؤال واحد أسابيع أو أشهرا قبل أن أكتب أول سطر. وبعد ذلك أترك الشخصيات تتحاور حتى أشعر أنني لم أعد أتحكم فيها. أكتب كثيرًا، ثم أحذف أكثر مما أكتب، لأنني أؤمن بأن النص لا يكتمل بما نضيفه إليه، بل بما نجرؤ على حذفه”.

وتسأله “العرب” بعد هذا الكتاب، ما السؤال الذي لا يزال يطاردُه؟ ليجيبنا “ما زلت أسأل نفسي: كيف يستطيع الإنسان أن يبقى حرًا في زمن أصبحت فيه العقول تُدار بالخوف، والرغبات تُصنع، والحقائق تُسوَّق كما تُسوَّق البضائع؟ أظن أن كل ما سأكتبه لاحقًا ليس سوى محاولة جديدة للإجابة عن هذا السؤال”.

إيقاظ شيء نائم

نسأله أيضا: إذا كان بإمكانه دعوة ثلاثة مفكرين أو أدباء من كل العصور إلى مائدة واحدة لمناقشة هذا الكتاب، فمن سيختار؟ ليقول “سأدعو فريدريش نيتشه، وفيودور دوستويفسكي، ومحيي الدين ابن عربي”.

ويضيف “اخترت نيتشه لأنه لم يتوقف عن مساءلة القيم وكسر الأصنام الفكرية، وأظن أن حواره مع الكتاب سيكون حوارًا حول الحرية، والحقيقة، وحدود الأخلاق. واخترت دوستويفسكي لأنه لم يكتب عن الإنسان من الخارج، بل نزل إلى أعماق روحه، حيث يتجاور الإيمان والشك، والخير والشر، والحب والخوف. سيقرأ شخصيات الكتاب كما لو كانت أشخاصًا حقيقيين يعيشون بيننا”.

ويتابع “أما ابن عربي، فأدعوه لأنه يذكرنا بأن الحقيقة أوسع من أن تُختزل في فكرة واحدة، وأن اللغة ليست سوى محاولة للاقتراب من المعنى. حضوره سيمنح الحوار بعدًا روحيًا يجعل الاختلاف طريقًا إلى المعرفة لا سببًا للخصومة. وأظن أنني سأخرج من ذلك اللقاء بأسئلة أكثر من الأجوبة، لأن الحوار الحقيقي لا يمنحنا يقينًا نهائيًا، بل يفتح أمامنا آفاقًا جديدة للتفكير”.

أما لو كان هذا الكتاب موسيقى، فيرى بن أحمد أنه لو كان كذلك لما اكتفى بلحن واحد، لأن روحه تتنقل بين التأمل والصراع والحنين. سيكون فيه شيء من موسيقى مسرحية “نوتردام دو باريس”، في أغنية “بال” أي “جميلة” بصوت الكندي غارو، بما تحمله من توتر إنساني، وصراع بين العقل والعاطفة، وبين الرغبة والضمير.

أختار النص الذي يتناول الحرية واللغة، لأنني أعتقد أن معركة الإنسان الأولى ليست مع السلطة، بل مع الكلمات التي تصوغ وعيه

وسيكون فيه أيضًا عزف ليندساي ستيرلينغ على الكمان؛ ذلك المزيج الفريد بين القوة والرقة، وبين الحركة والتأمل، وكأن الموسيقى تحاور الصمت بدل أن تكسره.

وفي أعماقه سيحمل شيئًا من صوت صباح فخري؛ صوتًا يختزن ذاكرة الشرق، ويجعل الطرب رحلةً في الزمن والوجدان، حيث تمتزج الحكمة بالشجن. هكذا يتخيل الكتاب: موسيقى لا تبحث عن إمتاع الأذن فحسب، بل عن إيقاظ شيءٍ نائم في أعماق الإنسان.

ونسأل بن أحمد إذا كان الكتاب مرآة، فما الذي رأى في تلك المرآة بعد الانتهاء من كتابته؟ ليقول “رأيت أنني كنت أكتب عن العالم، لكنني كنت أكتب عن نفسي أيضًا. أدركت أن الكاتب لا ينتهي من كتاب إلا ليكتشف أنه لم يكن يؤلف كتابًا، بل كان يعيد تأليف نفسه”.

أما إذا كان عليه أن يعيد كل شيء من البداية، فما الاختيارات التي سيقوم بها؟ وإذا كان عليه أن يتجسّد في كلمة، وفي شجرة، وفي حيوان، فماذا سيختار؟ وأخيرا، إذا كان نص واحد فقط من نصوصه سيُترجمُ إلى لغة أخرى، الفرنسيّة على سبيل المثال، فأيّ نصّ يتمنّى أن يخوض هذه الرّحلة؟

يجيب معزّ بن أحمد “لن أغيّر كثيرا، لأن الأخطاء نفسها كانت جزءا من الطريق. كنت سأمنح نفسي فقط وقتا أطول للإصغاء، وأقل للاندفاع. ولو تجسدت في كلمة لاخترت: ‘الحرية’. وفي شجرة لاخترت الزيتونة، لأنها تضرب جذورها في الأرض وترفع أغصانها نحو السماء. وفي حيوان لاخترت النسر، لأنه لا يخشى الارتفاع، ولأنه يرى المشهد كاملًا قبل أن يختار اتجاهه”.

ويختم حديثه لـ”العرب”: “أختار النص الذي يتناول الحرية واللغة، لأنني أعتقد أن معركة الإنسان الأولى ليست مع السلطة، بل مع الكلمات التي تصوغ وعيه. تتغير البلدان والثقافات، لكن يبقى السؤال نفسه: هل نحن نفكر بلغتنا، أم أن اللغة هي التي تفكر فينا؟”.

8