غيوم ميتاييه لـ"العرب": كرة القدم ليست لعبة.. إنها قصيدة الذاكرة والزمن
يواصل الشاعر والفيلسوف والمترجم الفرنسي غيوم ميتاييه توسيع حدود القصيدة، باقتراح عالم شعري يجعل من كرة القدم مدخلًا للتأمل في الذاكرة والطفولة والزمن. في هذا الحوار مع "العرب" يكشف كيف التقت الفلسفة بالشعر والثقافة الشعبية، ولماذا تحوّلت أسماء اللاعبين والملاعب إلى استعارات إنسانية تتجاوز حدود اللعبة.
ليس من المعتاد أن يضع شاعرٌ وفيلسوفٌ ومترجمٌ كبيرٌ مثل غيوم ميتاييه كرةَ القدم في قلب مشروعه الشعري. فالقارئ الذي عرفه من خلال أعماله عن نيتشه، أو ترجماته للأدب المجري، أو تأملاته الفكرية، قد يفاجأ بكتابٍ عنوانه: “كرة القدم. ألبوم”، غير أنّ هذه المفاجأة لا تلبث أن تتبدّد حين ندرك أنّ الشاعر لا يكتب عن كرة القدم بوصفها رياضةً فحسب، بل بوصفها خزّاناً للذاكرة، ومسرحاً للزمن، وأرشيفاً حياً للطفولة.
في هذا الكتاب، لا تظهر الملاعب باعتبارها فضاءاتٍ للتنافس، بل باعتبارها مكتباتٍ للحنين. اللاعبون ليسوا مجرد نجوم مرّوا على الشاشات، وإنما أسماءٌ تستدعي عالماً كاملاً من الذكريات. ويكفي، كما يقول ميتاييه، أن يُنطق اسمٌ قديم مثل جينغيني أو كوريول حتى يعود القارئ فجأة إلى سنة بعيدة، كما لو أنّ الكلمات نفسها تحوّلت إلى آلةٍ للزمن. إنّ الأسماء هنا ليست إشاراتٍ لغوية، بل كائناتٌ سحرية تحفظ ما يوشك على الزوال.
استعارة كبرى للحياة
من هذه الزاوية، تبدو كرة القدم عند ميتاييه شكلاً من أشكال مقاومة النسيان. فالكتابة لا تستعيد الماضي بقدر ما تمنحه حياةً أخيرة. إنّها تشبه، بحسب صورته الجميلة، تثبيت نجمةٍ في السماء قبل أن تنطفئ. ولهذا فإنّ قصائد الكتاب تتحرك بين الفرح والأسى، بين الاحتفال بما كان، والوعي بأنّ ما كان لن يعود.
لقد كانت كرة القدم بالنسبة إلى الطفل الذي كانه الشاعر أولَ جغرافيا وأولَ درسٍ في التاريخ. فمن خلال ألبومات “بانيني” الشهيرة تعلّم أسماء البلدان والمدن والأندية، وحفظ تسلسل أبطال كأس العالم، واكتشف أنّ الإمبراطوريات تصعد وتهبط مثلما تصعد المنتخبات وتسقط. هكذا تحوّل الملعب إلى مدرسةٍ سرية، وتحوّلت الثقافة الشعبية إلى بوابةٍ واسعة على العالم.
ولعلّ أجمل ما ينجزه ميتاييه هو مصالحة الشعر مع الثقافة الجماهيرية. فبدلاً من النظر إلى كرة القدم نظرةً متعالية، يعاملها كما كان هوميروس يعامل الحرب، أو كما كان دانتي يعامل الرحلة، أو كما كان بروست يعامل الذكرى. كل شيء قابل لأن يصبح شعراً إذا مرّ عبر حساسية الشاعر. لذلك لا يتردد في استدعاء مارادونا، وبوشكاش، وزيدان، وبلاتيني، جنباً إلى جنب مع الأشباح الأدبية والفلسفية التي تسكن ذاكرته.
ويتجلى هذا البعد الملحمي خصوصاً في نظرته النيتشوية إلى اللعبة. فميادين الكرة عنده ليست بعيدة عن ساحات الإلياذة. هناك أبطالٌ وأساطير، وانتصاراتٌ وهزائم، وعودٌ أبدية للمواسم التي تتكرر جيلاً بعد جيل، بل إنّ بعض الصفحات تجعلنا نشعر بأنّ مباريات كرة القدم ليست سوى النسخة الحديثة من الملاحم الإغريقية، وأنّ الجماهير المعاصرة ما زالت تبحث، مثل أسلافها، عن صورة البطل.
غير أنّ القسم الأكثر إدهاشاً في الكتاب هو ذلك الذي يحمل عنوان “طرطارين الكرة المستديرة”. هنا يلتقي ميتاييه بلاعبٍ مجري سابق يجلس في حانة قرب بودابست ويروي بطولاته التي لا تنتهي. شيئاً فشيئاً يتحول الرجل إلى شخصية أسطورية تجمع بين الحقيقة والمبالغة، بين الذاكرة والخيال. إنه دون كيخوت الملاعب، أو طرطارين القرن الحادي والعشرين. يروي كيف هزم الكبار، وكيف راوغ مارادونا، وكيف أحرز الأهداف المستحيلة، فيما ينظر إليه المستمعون بين الإعجاب والابتسام.
في هذه القصائد الساخرة والعميقة معاً، يبلغ الكتاب ذروته الإنسانية. فالموضوع الحقيقي ليس كرة القدم، بل الشيخوخة. ليس الهدف المسجّل، بل الجسد الذي لم يعد قادراً على تسجيله. وليس البطولة نفسها، بل الحنين إليها. ولذلك يترك ميتاييه بطله في حديقة الحانة، يعلّم الأطفال كيف تُسدَّد الركلات الحرة، بينما تتآكل حوله أمجاد الماضي ببطءٍ جميل. إنّها صورة مؤثرة للإنسان حين يحاول أن ينقذ نفسه من الزمن بالحكاية.
هكذا ينجح غيوم ميتاييه في ما ندر أن ينجح فيه شاعر معاصر: أن يكتب عن كرة القدم من دون أن يكتب عن كرة القدم فقط. فالكتاب، في جوهره، قصيدة طويلة عن الطفولة والذاكرة واللغة والزمن. وإذا كانت الكرة عند الملايين لعبةً تُلعب على العشب، فإنها عند ميتاييه تتحول إلى استعارة كبرى للحياة نفسها: نركض وراءها أعواماً طويلة، نعتقد أننا نمسك بها، ثم نكتشف في النهاية أننا كنّا نطارد، قبل كل شيء، ظلالنا القديمة.
الحنين وكعكة بروست
العرب: فاجأ صدور كتابك الشّعري الجديد أولئك الذين يربطون اسمك أولا بنيتشه أو بالشعر المجري أو بأدب الأفكار. كيف دخلت كرة القدم إلى عالمك الأدبي؟ ومتى أدركت أنها ليست مجرد ذكرى شخصية، بل مادة شعرية لها أيضا مشروعيّتها؟
غيوم ميتاييه: سؤال جميل. فالإنسان مكوَّن من طبقات عديدة تتجاور داخله، وتظلّ أحيانًا منفصلة بعضها عن بعض إلى الأبد. وليس من السهل دائما العثور على شكل هادئ ومتوازن من الوحدة وسط هذا التعدد الذي يسكننا، وهي إشكالية نيتشوية بامتياز. أما أنا فلطالما أحببت كرة القدم، وفي السنوات الأخيرة توقفت كثيرا عند الطفولة، كما في مجموعتي السابقة “أصدقاء أصبحوا كذلك” (2025)، التي تفتتح بأربعين بورتريها لأصدقاء غابوا عن ناظري منذ عقود، لكنهم ما زالوا حاضرين بقوة في ذاكرتي.
كانت كرة القدم تطل هناك بالفعل برأس قدمها، إن جاز التعبير، ثم تحولت تدريجيًا إلى موضوع شعري. فقد أدركت أن أسماء اللاعبين، حتى أولئك الذين طواهم النسيان نسبيا، كانت تُحدث في نفسي أثرًا يشبه أثر “كعكة المادلين” عند بروست: أثرا حميميا وشخصيا، لكنه جماعي أيضًا في ما أعتقد. إنها صلة بالماضي، ولكنها كذلك صلة بالآخرين، حتى أولئك الذين لا يحبون كثيرا كرة القدم لم يتمكنوا مع ذلك من الإفلات تماما من هذه الأسماء التي كانت تتردد عبر شاشات التلفزيون أو أجهزة الراديو الصغيرة.
العرب: في هذه القصائد، تشكل أسماء اللاعبين وألبومات بانيني والمباريات والملاعب جغرافيا وجدانية حقيقية. هل كانت كرة القدم طريقتك الأولى في قراءة العالم؟
غيوم ميتاييه: كنت طفلًا يحب، على نحو يكاد يكون تقليديا، كرة القدم والديناصورات معا. وقد خصصتُ للديناصورات أيضا كتابا حديثا صدر لدى منشورات لي بال لاتر القديرة، تحت عنوان “غنائية الديناصور”، في إطار هذا الاستكشاف المستمر لعالم الطفولة، بل إن إحدى القصائد تصف مباراة خيالية كبرى بين الديناصورات والثدييات. لذلك نعم، كانت كرة القدم جغرافيتي الأولى، لكنها كانت أيضًا شكلًا من أشكال التاريخ.
في الصفحات الأولى من ألبومات “بانيني” الشهيرة كانت توجد سجلات الفائزين بكؤوس العالم السابقة. وكنت مع أخي أحفظ عن ظهر قلب تعاقب المنتخبات المتوجة، وكنّا مندهشين، مثلًا، من الدور الكبير الذي لعبته الأوروغواي، وهو ما كان أول تأملاتنا في سقوط الإمبراطوريات. وكنا نتعلم عشرات أسماء البلدان ــ كما يقول بروست ــ وأسماء المدن والأندية والكلمات الغريبة: لماذا “شالكه 04″؟ وما معنى “النجم الأحمر لبلغراد” أو “دينامو كييف” أو “يوفنتوس تورينو”؟ وكانت تلك أيضًا نافذة على العالم وعلى اللغات الأجنبية.
أتذكر أن رؤية كلمة Magyarország التي تعني “المجر” قد أحدثت في نفسي صدمة حقيقية آنذاك… وعندما نقابل الثقافة الرفيعة بالثقافة الشعبية، فإننا نزدري كل هذه الإسهامات، وكل هذه الأبواب التي تُفتح على العالم.
العرب: كتابك مشبع بالذاكرة، لكنه مشبع أيضًا بفكرة الغياب والزوال. هل تكتب لاستعادة ما فُقد، أم لتقبل ضياعه النهائي؟
غيوم ميتاييه: هذا سؤال عميق جدًا. لديّ بالفعل انطباع بأن تسمية الأشياء تجعلها تظهر من جديد وتعيش مرة أخيرة، كما لو أن ذلك يساعدنا على ترويض اختفائها، مثل تثبيت صورة نجم قبل أفوله.
والكلمات، بل الأسماء نفسها، آلات مدهشة للعودة إلى الزمن الماضي، خاصة حين لا نلفظها كثيرًا، حين تكون مقيمة في أكثر زوايا الذاكرة خفاءً، على نحو يشبه تلك الخادمة التي تمر في موكب الأسرى فتُبكي الطاغية أكثر مما أبكاه فقدان أسرته نفسها. يكفي أن تقول “غينغيني” أو “كوريول” لتجد نفسك فجأة في سنة 1982. إن علم الأسماء نوع من السحر.
اللعبة والتراجيديا
العرب: أنت أحد أبرز المتخصصين في نيتشه في فرنسا. وعند إغلاق هذا الديوان يخطر ببال القارئ أحيانًا مفهوم العود الأبدي: المواسم تعود، والمباريات تتلاشى، والذكريات تبقى. هل يرافق الفيلسوف الشاعر سرا؟
غيوم ميتاييه: التقيت بنيتشه وأنا في السابعة عشرة من عمري، أثناء التحضير لامتحان البكالوريا في الفلسفة. فقد أسرتني بضعة أسطر قصيرة من كتاب “مولد التراجيديا”، وغيّرت حياتي بالفعل. ومنذ ذلك الحين لم أكفّ عن محاولة فهم هذا الفيلسوف – اللغوي – الشاعر الاستثنائي، وهو لا يزال يرافقني إلى اليوم.
ثمة شيء يوناني في كرة القدم. فهي أشبه بإلياذة صغيرة من الدرجة الثانية؛ حروب بيلوبونيز لها كتائبها الهوبليتية (كما كان الهولنديون قديمًا)، وأبطالها الإسبرطيون (الألمان في زمن مضى)، وجيشها الروماني الذي يتخذ وضعية السلحفاة (الكاتيناتشو الإيطالي)، وأتيكيتها الزرقاء السماوية (البرازيل التي مثّلها اللاعب المسمّى بحق سقراط)…
هذا الخيال الهيليني أتقاسمه مع نيتشه، لكنه وصلني أولًا من والدي، أستاذ اللغة اليونانية، الذي عرّفني كذلك بجمال شعرية الأسماء عندما اصطحبني، وأنا مراهق، لمشاهدة مسرحية “الفرس” لأشيل. فأسماء مثل أمستريس، وأرتافرنيس، وميغاباتيس، وأستاسبس… تحولت فيما بعد إلى لاعبي كرة قدم في مخيلتي. غير أن ذكرى تلك التراجيديا كانت قوية إلى درجة أنني استبدلت، من دون قصد، اسم “لاريوس” باسم “داريوس” في إحدى قصائد الديوان. ولا أدري إن كنا سنصحح ذلك في طبعة ثانية محتملة (دعنا نحلم قليلًا)، فزلة اللسان هذه جميلة أكثر مما ينبغي.
العرب: لو كان عليك أن تبدأ كل شيء من جديد، فما الاختيارات التي ستكررها؟ ولو قُدِّر لك أن تتجسد من جديد في كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فماذا ستختار؟ وبالنسبة إلى كرة القدم، من هو لاعبك المفضل، أو ذاك الذي يسعدك أن تتقمص شخصيته؟ وأخيرًا، إذا كان لا بد من ترجمة نص واحد فقط من أعمالك إلى العربية، فأي نص تتمنى أن يشرع في هذه الرحلة؟
غيوم ميتاييه: أعتقد أنني لن أغيّر شيئًا… أشعر بسعادة غامرة حقًا. وربما لأنّ الشعر هو في حد ذاته طريقة لبدء كل شيء من جديد، ولأنني أشعر اليوم، مع اجتماع كرة القدم والشعر في كتاب واحد، بنوع من المصالحة مع نفسي.
في الماضي، نعم، كنت أحلم بأن أكون حيوانًا، أو كائنًا نصفه إنسان ونصفه الآخر وحش، أن تكون أصابعي مشجّرة كإنسان أطلانتس، أو أن أتسلق الجدران مثل الرجل العنكبوت. لكنني أظن أن تلك الأحلام قد غادرتني.
أما الأشجار، فأنا أحب كثيرًا أشجار الأوكالبتوس والسرو، من دون أن أفكر في دلالتها الجنائزية التي عبّر عنها ببراعة فيكتور هيغو.
من جهة أخرى، أنا من جيل ميشيل بلاتيني في الطفولة، ومن جيل زيدان في الشباب. إنهما بطلاي، وقد تقمّصت شخصيتيهما في الخيال مرات عديدة.
بخصوص التّرجمة، أتخيّل قصيدة “ملائكة”، لأنها قد تُحيلُ إلى القرآن لا إلى الكتاب المقدس وحده. وهي القصيدة نفسها التي وردت فيها زلة اللسان الدالة التي تحدثت عنها:
ملائكة
كان لبعضهم أسماء غريبة،
داريوس، جانفيون أو سينايغيل،
أسماء ملوك وزعماء متمردين،
أسماء كتابية، أسماء ملائكة حقيقية.
ولكي تحفظها ذاكرتي،
كان لا بد أن تُهجّى لي حرفا حرفا.
كان لبعضهم أسماء غريبة،
داريوس، جانفيون أو سينايغيل.
كنت أحفظ الكتيبة كلّها،
كأنني أتهيأ يومًا لنداء الأسماء
لأبطال بلغوا السماء
بقمصان زرقاء أو خضراء أو برتقالية.
كانت لبعضهم أسماء غريبة.
كرة القدم. ألبوم، ص66.