هكذا بنى الملك محمد السادس نهضة المغرب الاقتصادية

الملك محمد السادس بنى قدرة وطنية على التخطيط والتنفيذ، ونقل المغرب من بلد يستفيد من موقعه الجغرافي إلى دولة تصنع قيمته.
الأربعاء 2026/07/29
توظيف الاقتصاد لبناء القوة والسيادة والمكانة

قدّر البنك الدولي، في تقرير أصدره بتاريخ 23 يوليو/تموز 2026، أن الاقتصاد المغربي حقق خلال سنة 2025 نموًا حقيقيًا قدره 4.9 في المئة، وهو أعلى معدل يسجله خلال عقد. وربط التقرير هذه النتيجة بقوة الاستثمار العمومي المرتبط بالأوراش الكبرى والاستعدادات لكأس العالم 2030، إلى جانب بداية تعافي النشاط الزراعي. ويكتسب هذا الأداء دلالته من كونه ثمرة مسار طويل قاده الملك محمد السادس لتحويل الاقتصاد إلى رافعة لبناء الدولة وتعزيز السيادة ورفع قدرة المملكة على المنافسة.

منذ بداية العهد الجديد، قامت الرؤية الملكية على تجهيز المغرب بالبنيات التي تسمح له باستثمار موقعه الجغرافي بدل الاكتفاء بامتلاكه. وأصبح ميناء طنجة المتوسط التعبير الأبرز عن هذا الاختيار، بعدما تحول من مشروع مينائي إلى منظومة لوجستية وصناعية مرتبطة بأكثر طرق التجارة البحرية نشاطًا. وفي سنة 2025 عالج المركب11.1 مليون حاوية ونحو161 مليون طن من البضائع، مؤكّدًا موقعه في صدارة موانئ إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.

ولم يتوقف الأثر عند حركة السفن. فقد استقطبت المنصة الصناعية لطنجة المتوسط ومدينة محمد السادس طنجة تيك استثمارات خاصة جديدة بقيمة 17.13  مليار درهم خلال سنة 2025، ووفرت15 ألفًا و658 منصب شغل جديدًا. وتضم مناطق الأنشطة المرتبطة بالمجموعة أكثر من 1500 شركة، توفر في مجموعها نحو145 ألف وظيفة في السيارات والطيران والإلكترونيات والنسيج والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية.

نهضة المغرب الاقتصادية بقيادة محمد السادس جسّدت رؤية استراتيجية جمعت البنية التحتية الحديثة بالصناعة المتنوعة، وحولت الموقع الجغرافي إلى قيمة مضافة تعزز السيادة الوطنية

وتكامل هذا المشروع مع شبكة الطرق السيارة والمطارات والموانئ والسكك الحديدية، ومع إطلاق أول قطار فائق السرعة في إفريقيا ثم تمديد خطه من القنيطرة إلى مراكش على مسافة 430 كيلومترًا. ولم تعد البنية التحتية مجرد تجهيز للنقل، بل أصبحت وسيلة لتوحيد السوق الوطنية وتقريب مناطق الإنتاج من منافذ التصدير ورفع جاذبية المدن أمام الاستثمار والسياحة.

وامتد المنطق نفسه إلى الأقاليم الجنوبية عبر الطريق السريع تيزنيت–الداخلة ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي الجاري إنجازه. وتكشف هذه الأوراش أن التنمية في الرؤية الملكية ترتبط بالسيادة وبإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمملكة، من خلال تحويل الجنوب إلى قطب للاستثمار والطاقة والخدمات وبوابة أطلسية نحو غرب إفريقيا ودول الساحل.

وبعد مرحلة تجهيز المجال، انتقل المغرب إلى بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعًا وقدرة على التصدير. ووفق أحدث بارومتر رسمي متاح للصناعة، الخاص بنتائج سنة 2024 والمنشور في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بلغ رقم معاملات القطاع 898 مليار درهم، وقيمته المضافة 240 مليار درهم، فيما وصل الاستثمار الصناعي إلى 90 مليار درهم. وتجاوز التشغيل الصناعي مليون وظيفة، بعد إحداث42 ألفًا و714 منصب شغل صافٍ خلال سنة واحدة.

وأكدت الأرقام الأولية للتجارة الخارجية لسنة 2025 استمرار هذا التحول. فقد بلغت صادرات السلع 469.1 مليار درهم، بزيادة 2.8 في المئة، بينما ارتفعت صادرات الطيران بنسبة 10 في المئة إلى29.1 مليار درهم. وحافظ قطاع السيارات على موقعه كأكبر قطاع صناعي مصدر بعائدات بلغت 154.5 مليار درهم، رغم تراجع ظرفي بنسبة 02 في المئة، مع استمرار نمو صادرات الأسلاك ومكونات المقصورات والمقاعد.

ويقدم مشروع “سافران” في النواصر دليلًا على انتقال الصناعة المغربية إلى حلقات أعلى من سلسلة القيمة. فالمركب الجديد يضم مصنعًا لتجميع واختبار محركات “LEAP-1A” وآخر لصيانتها وإصلاحها، باستثمار يبلغ2.1 مليار درهم. وسيجعل المغرب ثاني موقع عالمي لإنتاج هذا المحرك، بطاقة تصل إلى 350 محركًا سنويًا، مع توفير300 وظيفة عالية التأهيل في أفق 2029.

من الموانئ والقطارات السريعة إلى مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر رسخت المملكة نموذجًا تنمويًا يوازن بين النمو الاقتصادي العدالة الاجتماعية والمكانة الدولية المتصاعدة

وتظهر جاذبية النموذج كذلك في ارتفاع إيرادات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى56.1 مليار درهم خلال 2025، بزيادة 28 في المئة، بينما ارتفع صافي تدفقاتها بأكثر من74 في المئة. كما بلغت عائدات السفر 138.1 مليار درهم، وارتفعت صادرات الخدمات إلى315 مليار درهم، بما يعكس توسع الاقتصاد المغربي خارج القطاعات التقليدية.

ومع توالي الجفاف واضطراب أسواق الطاقة، وسّع الملك محمد السادس مفهوم النهضة الاقتصادية ليشمل الأمن الاستراتيجي. وبلغت القدرة السنوية الحالية لتحلية مياه البحر نحو420 مليون متر مكعب، مع هدف رفعها إلى1.7  مليار متر مكعب. وفي الطاقة، تجاوزت حصة المصادر المتجددة 45 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة، في اتجاه تخطي52 في المئة بحلول 2030.

ويتقدم “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر باعتباره امتدادًا لهذا المسار. فقد جرى اختيار خمسة مستثمرين وتحالفات لتطوير ستة مشاريع بكلفة متوقعة تبلغ 319 مليار درهم في الجهات الجنوبية الثلاث، إضافة إلى مشروعين شملاهما اتفاقان سابقان في أكتوبر/تشرين الأول 2024. ويربط هذا التوجه الطاقة بالصناعة وتحلية المياه والموانئ وتكوين أقطاب إنتاجية جديدة.

ولم تنفصل هذه النهضة عن البعد الاجتماعي. فالتوسع الاقتصادي وفّر قاعدة أوسع لتمويل الحماية الاجتماعية وتعميم التأمين الصحي ودعم الأسر، كما أعاد توجيه الاستثمار العمومي نحو المدن المتوسطة والمجالات القروية والمناطق التي ظلت بعيدة عن مراكز الإنتاج. وتقوم الرؤية الملكية في جوهرها على أن قوة الاقتصاد لا تُقاس بالموانئ والمصانع وحدها، وإنما بقدرته على تحسين الخدمات، وتوسيع الطبقة الوسطى، وفتح مسارات جديدة أمام الشباب، وتقليص الفوارق بين جهات المملكة. وهو ما يجعل التشغيل وجودة التعليم والتكوين المهني في قلب استدامة هذا الصعود.

كما أصبحت النهضة الاقتصادية أداة للسياسة الخارجية. فالمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، يستندان إلى موانئ وممرات وتجربة استثمارية تمنح الشراكة المغربية مضمونًا عمليًا. وتسرّع الاستعدادات لكأس العالم 2030، إلى جانب استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” تحديث النقل والمدن والإدارة والبنية التكنولوجية.

وتتمثل المرحلة المقبلة في توسيع فرص الشغل، ورفع إنتاجية المقاولات، وملاءمة التكوين مع حاجات الصناعة، وتحويل النمو إلى عدالة مجالية واجتماعية أوسع. أما المنجز المركزي، فهو أن الملك محمد السادس بنى خلال سبعة وعشرين عامًا قدرة وطنية على التخطيط والتنفيذ وجذب الاستثمار، ونقل المغرب من بلد يستفيد من موقعه إلى دولة تصنع قيمة هذا الموقع وتوظف الاقتصاد لبناء القوة والسيادة والمكانة.

6