وثائق استخباراتية تكشف الخلل الإسباني في سبتة

الوثيقة تقر بأن محاولات العبور ترتبط مباشرة بالآثار التي خلفها قرار المحكمة العليا على قدرة القوات الإسبانية على التدخل، كما تسجل اعتراض القوات المغربية.
الخميس 2026/09/10
ما تكشفه الوثائق لا يحتاج إلى قراءة دفاعية

تكشف الوثائق الأربعون التي أفرجت عنها الحكومة الإسبانية بشأن أحداث سبتة المحتلة مفارقة يصعب تجاوزها. فبينما انشغل جزء من النقاش الإسباني بالبحث عن مسؤولية مغربية، كانت الوثائق نفسها ترسم مسارا مختلفا يبدأ بتحذيرات مبكرة من آثار قرار قضائي إسباني، ويمر بإجراءات مغربية ميدانية سبقت الأزمة، وينتهي بتعدد الروايات داخل الأجهزة الإسبانية حول ما وقع وأسبابه.

الحكومة الإسبانية نشرت في 9 سبتمبر/أيلول تقارير واتصالات صادرة عن الشرطة والحرس المدني والمركز الوطني للاستخبارات CNI ومركز استخبارات القوات المسلحة CIFAS. لكن قراءة هذه الوثائق مجتمعة تكشف أنها لا تقدم رواية استخباراتية موحدة بشأن المغرب، بل تقديرات متفاوتة يصل بعضها إلى حد التناقض، بينما تنتقل وثائق أخرى من عرض الوقائع إلى بناء افتراضات سياسية لا تسندها معلومات حاسمة.

أولى الحقائق المهمة تسبق أصلا “الإنذار” الإسباني الموجه إلى الرباط. فبعد قرار المحكمة العليا الإسبانية 814/2026، الذي غير طريقة التعامل مع الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولة الوصول سباحة، أفاد مصدر بوزارة الخارجية المغربية بأن الرباط ناقشت مع مدريد انعكاسات الحكم وحذرتها مسبقا من التداعيات التي يمكن أن يفرزها. المغرب كان بذلك قد وضع المشكلة أمام الجانب الإسباني قبل نحو أسبوع من الانفجار الكبير للأحداث، ولم يكن ينتظر تنبيها من مدريد حتى يدرك طبيعة الخطر.

الاستباق المغربي كان قائما أيضا على الأرض. المجلس الوطني لحقوق الإنسان وثق تشديد المراقبة في الفنيدق وتعزيز الانتشار في النقاط الحساسة منذ نهاية يونيو/حزيران، ثم توقيف مرشحين للهجرة وإحباط محاولات جماعية متتالية خلال النصف الثاني من يوليو/تموز. وتواصلت التدابير مع اقتراب 30 يوليو/تموز، لتشمل عمليات منع واعتراض وتقييد التنقل نحو الشمال في عدد من المحطات والمدن.

التقارير الاستخباراتية والأمنية التي رفعت الحكومة الإسبانية السرية عنها تكشف فجوة بين ما كان معروفا داخل مدريد وما صيغ لاحقا بشأن المغرب

الأرقام الإسبانية نفسها تؤكد حجم هذا الجهد. فقد سجل الحرس المدني 1,429 عملية اعتراض نفذتها القوات المغربية خلال أسبوع 20 إلى 26 يوليو/تموز. وبين الثامنة صباح 29 يوليو/تموز والثامنة من صباح 30 يوليو/تموز، اعترضت القوات المغربية 493 شخصا من أصل 1,109 محاولات سباحة. ولهذا انتهى أحد تقارير الحرس المدني نفسه إلى أنه لا يمكن الحديث عن “تخل واضح عن الوظائف” من جانب السلطات المغربية.

أمام هذا التسلسل، يأخذ إبلاغ المركز الوطني للمخابرات الإسباني CNI للمخابرات المغربية معنى مختلفا عما قد توحي به بعض القراءات. فالمذكرة العاجلة C/10399 لم تصل إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST  والمديرية العامة للدراسات والمستندات DGED  إلا في الساعة 18:26 من مساء 29 يوليو/تموز، أي قبل ساعات قليلة فقط من الموجة الكبرى. وفي اليوم نفسه كان CNI قد أخطر مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة عند 13:52 بوجود دعوات للعبور عبر السياج والبحر، ثم نقل المعلومة إلى الحرس المدني بعد ذلك مباشرة.

لم يكن المغرب إذن الطرف الذي احتاج إلى تنبيه إسباني كي يبدأ التحرك. عندما وصلت المذكرة إلى أجهزته مساء 29 يوليو/تموز، كان قد سبق مدريد في التحذير من تداعيات الحكم القضائي، وكان قد أمضى أسابيع في تعزيز المراقبة واعتراض المحاولات. حتى المذكرة الإسبانية نفسها حملت وصف “إنذار مبكر” وختمت بشكر DGST  وDGED  على تعاونهما “القيّم والمتواصل”.

وتظهر المفارقة بصورة أوضح في تقرير CIFAS الصادر ظهر 30 يوليو/تموز. فالوثيقة تقر بأن محاولات العبور ترتبط مباشرة بالآثار التي خلفها قرار المحكمة العليا على قدرة القوات الإسبانية على التدخل، كما تسجل اعتراض القوات المغربية لنحو 500 محاولة من أصل حوالي 1,100، وتعتبر “مرجحا جدا” أن السلطات المغربية “لم تكن تشجع الموجة بشكل نشط”.

لكن التقرير ينتقل بعد ذلك إلى وصف الأداء المغربي بأنه “مهمل وسلبي”، ثم يستحضر زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر ويفترض احتمال وجود استياء مغربي، قبل أن يذهب إلى إمكانية استثمار الرباط للأزمة لخدمة مصالحها الاستراتيجية. والمفارقة أن الوثيقة نفسها تقر بأن زيارة سانشيز لم يظهر أنها أثارت رد فعل سلبي في المغرب.

ما تكشفه الوثائق بشأن المغرب لا يحتاج إلى قراءة دفاعية الوقائع والأرقام الواردة في التقارير الإسبانية نفسها توثق التحذير والاستباق والاعتراض والتعاون

هنا يصبح ضروريا التمييز بين المعلومة الاستخباراتية والتقدير السياسي. التقرير لا يقدم تعليمات صادرة عن السلطات المغربية، ولا معلومة تثبت قرارا بفتح المجال أو تسهيل العبور، لكنه ينتقل من وقائع قابلة للقياس إلى تفسير سياسي مبني على الاحتمال. وهذه القفزة في التحليل تفسر جزءا من التباين الواضح بين الوثائق الإسبانية نفسها.

أحد تقارير الحرس المدني وضع فرضية “التواطؤ المغربي” في مرتبة متأخرة ضمن السيناريوهات المحتملة، بعد المفاجأة العملياتية وتجاوز القدرة على الاحتواء وتحويل عناصر لتأمين احتفالات عيد العرش وتجنب التصعيد في مناسبة وطنية. تقرير آخر اعتبر من غير المرجح أن تكون الدولة المغربية قد سمحت بالعبور الجماعي أو شجعته.

هذه التباينات لا تعكس اختلافا في التفاصيل فقط، بل تكشف أن جزءا من تفسير الأزمة جرى بناؤه بعد وقوعها. ففي الوقت الذي كانت فيه الوقائع توثق اعتراضات مغربية متواصلة وتعاونا أمنيا قائما وتحذيرا مغربيا سابقا، كانت بعض التقارير تبحث عن تفسير سياسي مرتبط بالرباط من دون أن تقدم أساسا استخباراتيا يحسمه.

الوثائق الأربعون تعيد بذلك مركز النقاش إلى حيث كان ينبغي أن يكون منذ البداية. الخطر كان معروفا داخل إسبانيا، والآثار القانونية للحكم كانت محل تحذير، والدعوات الرقمية كانت مرصودة، والمعلومات انتقلت بين أكثر من مؤسسة، بينما كان المغرب قد بدأ الاستجابة ميدانيا قبل وصول “الإنذار المبكر” الإسباني إليه بساعات قليلة من الأحداث.

أما ما تكشفه الوثائق بشأن المغرب فلا يحتاج إلى قراءة دفاعية. الوقائع والأرقام الواردة في التقارير الإسبانية نفسها توثق التحذير والاستباق والاعتراض والتعاون. وما يبقى مطروحا على مدريد هو تفسير الفجوة بين هذا الكم من المؤشرات وبين الاستجابة التي سبقت أحداث 30 يوليو/تموز، ثم تفسير كيف تحولت بعض التقارير من تحليل ما وقع إلى البحث عن فرضيات سياسية لتوريط المغرب دون معلومات تثبتها.