رؤية محمد السادس في إعادة إعمار غزة واستقرارها
بدأ النقاش حول الدور المغربي في غزة يتجاوز المساعدات الإنسانية والمواقف السياسية إلى سؤال أكثر تعقيدا يتعلق بما بعد الحرب، وبكيفية الانتقال من وقف القتال إلى استعادة الأمن والخدمات ثم إعادة بناء القطاع ضمن أفق سياسي يحفظ للفلسطينيين مؤسساتهم وقرارهم.
وبدأ هذا التحول ينعكس في اتصالات رسمية بين الرباط ورام الله، كان أحدثها اللقاء الذي جمع في 29 أغسطس/آب 2026 وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني عاهد بسيسو بالسفير المغربي لدى فلسطين عبد الرحيم مزيان، حيث جرى بحث الاستفادة من الخبرة المغربية في الإسكان والطرق والبنية التحتية والتخطيط الحضري وإعادة إعمار المناطق المتضررة، بما في ذلك الخبرة المكتسبة في الحوز.
ولا يقف هذا اللقاء منفصلا عن مسار سابق. ففي مايو/أيار 2024 بحث الجانبان إشراك خبراء وشركات مغربية في مشاريع إعادة الإعمار ونقل الخبرة في السكن منخفض التكلفة وتأهيل المناطق الهشة وتكنولوجيا البناء. واليوم يتحرك هذا التعاون تدريجيا من تبادل الخبرات إلى بحث مساهمة عملية في الورش الأوسع لإعادة بناء غزة.
فالتقييم المشترك الذي أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026 يقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل. وخلف هذا الرقم منظومة كاملة ينبغي استعادتها، من السكن والماء والكهرباء والصحة والتعليم والطرق إلى الاقتصاد المحلي والمؤسسات العامة.
هذا الترابط حاضر في التصور الذي طرحه الملك محمد السادس للقضية الفلسطينية خلال سنوات الحرب. ففي رسالته إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ربط الملك بين تثبيت وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات وإطلاق إعادة الإعمار وتقوية السلطة الفلسطينية وفتح الطريق أمام حل سياسي على أساس قيام دولة فلسطينية مستقلة. فالإعمار في هذا التصور لا يحل محل السياسة، كما أن تعثر التسوية السياسية لا ينبغي أن يوقف إعادة بناء شروط الحياة.
المغرب يوسّع حضوره في غزة من الإغاثة ودعم الاستقرار إلى التحضير لإعادة الإعمار ضمن رؤية ملكية تربط التعافي ببناء المؤسسات الفلسطينية
وعلى الأرض، تحرك المغرب خلال الحرب وفق الخط نفسه. فمن موقع الملك محمد السادس رئيسا للجنة القدس، واصلت المملكة عملها عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، بالتوازي مع إرسال مساعدات غذائية وطبية إلى غزة بتعليمات ملكية في أكثر من مناسبة. وتمكنت بعض هذه العمليات من الوصول عبر مسار بري مباشر إلى داخل القطاع، بما يعكس قدرة الرباط على توظيف قنواتها السياسية لتسهيل الوصول الإنساني في ظروف بالغة التعقيد.
وخلال 2026، اتسع الحضور المغربي ليشمل البعد الأمني. أعلن المغرب استعداده للمساهمة في القوة الدولية لتحقيق الاستقرار في غزة، ثم وقع في 15 يوليو/تموز اتفاقا يؤطر مشاركته. وتشمل المساهمة المعلنة ضباطا من القوات المسلحة الملكية وأطرا من الدرك الملكي والمديرية العامة للأمن الوطني، إلى جانب إنشاء مستشفى عسكري ميداني ومهام مرتبطة بالتدريب والتنسيق ودعم الشرطة الفلسطينية. ويضع ذلك بناء القدرة الفلسطينية في قلب المشاركة المغربية إلى جانب متطلبات الاستقرار والعمل الإنساني.
وتؤكد تجارب ما بعد النزاعات أن إعادة تشييد المباني لا تكفي وحدها. فقد خلص البنك الدولي في تقريره Building for Peace، استنادا إلى تجارب العراق وليبيا وسوريا واليمن، إلى أن نجاح إعادة الإعمار يرتبط بقوة المؤسسات والأمن والاقتصاد المحلي والخدمات العامة. وفي غزة، حيث تداخل الدمار المادي مع إضعاف قطاعات حيوية ومؤسسات أساسية، تصبح هذه العلاقة أكثر حساسية.
ويمتلك المغرب رصيدا يتجاوز تجربة إعادة البناء التي فرضها زلزال الحوز. فعلى مدى عقود أدار برامج واسعة في الإسكان الاجتماعي ومعالجة السكن غير اللائق وتأهيل الأحياء وتطوير أقطاب حضرية وربط التوسع العمراني بالبنيات الأساسية. وقد رصدت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في مراجعتها للسياسة الحضرية المغربية سنة 2025 حجم الإصلاحات والمشاريع التي راكمتها المملكة، كما حظي برنامج “مدن بدون صفيح” باعتراف دولي من موئل الأمم المتحدة باعتباره تجربة بارزة في معالجة السكن غير اللائق وتحسين شروط العيش الحضري.
أما الحوز فيضيف إلى هذا المسار اختبارا حديثا لقدرة الدولة على إدارة أوراش متعددة بعد كارثة واسعة، من السكن والطرق والماء إلى الصحة والتعليم. ولا يتعلق الأمر بمقارنة الحوز بغزة، فالقطاع يواجه واقعا مختلفا تماما صنعته حرب طويلة ودمار واسع للبنية العمرانية والمؤسساتية ومخلفات متفجرة وقيود على الحركة والإمدادات. قيمة التجربة المغربية هنا تتصل بقدرة المؤسسات على تنسيق تدخلات متعددة، وترتيب الأولويات، وربط الإسكان بالخدمات والبنيات الأساسية، وتعبئة الخبرة الهندسية والفاعلين العموميين والقطاع الخاص.
وهذه الخبرة ليست العامل الوحيد. فالمغرب يدخل مثل هذه الملفات برصيد من المصداقية السياسية والمؤسساتية راكمه عبر عقود من العمل في القضية الفلسطينية، وبقدرة على التواصل مع أطراف متعددة من دون أن يفقد علاقته الوثيقة بالمؤسسات الفلسطينية. واللافت أن الطلب على توسيع التعاون في الإسكان والطرق والتخطيط والبناء وتكوين الأطر يأتي اليوم من الجانب الفلسطيني نفسه، ما يعكس النظر إلى الخبرة المغربية باعتبارها شراكة قابلة للتحويل إلى مشاريع.
المغرب يدخل مثل هذه الملفات برصيد من المصداقية السياسية والمؤسساتية راكمه عبر عقود من العمل في القضية الفلسطينية
ويجمع المغرب بذلك بين رصيد لجنة القدس ووكالة بيت مال القدس، والعلاقة بالمؤسسات الفلسطينية، وقنوات الاتصال مع إسرائيل، وخبرة أمنية وتكوينية معترف بها، وأدوات عملية في الصحة والإغاثة والإسكان والبنية التحتية. وهذا الجمع بين المصداقية والقدرة التنفيذية هو ما يجعل المملكة شريكا مطلوبا عندما تنتقل الملفات المعقدة من مرحلة المواقف إلى مرحلة التنفيذ.
ويبقى الإطار السياسي حاسما. إعادة بناء غزة من دون أفق سياسي قد تعيد إنتاج الحلقة التي عرفها القطاع مرارا، حيث يعاد بناء ما تهدم قبل أن تدمره مواجهة جديدة. أما ربط الإعمار باستعادة المؤسسات الفلسطينية ووحدة غزة والضفة الغربية ومسار جدي نحو الدولة الفلسطينية، فيمنح عملية البناء وظيفة تتجاوز معالجة آثار الحرب إلى تثبيت شروط سلام قابل للاستمرار.
الدور المغربي في المرحلة المقبلة لن يقاس بحجم التمويل وحده ولا بعدد العناصر التي يمكن نشرها. وزنه سيظهر في قدرته على الجمع بين العمل الإنساني ودعم الاستقرار وبناء المؤسسات والخبرة التقنية ضمن الرؤية التي ظل الملك محمد السادس يربطها بثابت واضح، وهو أن استقرار غزة لا ينفصل عن حقوق الفلسطينيين، وأن إعادة بناء الحجر لا تكتمل من دون إعادة بناء الشروط السياسية والمؤسساتية التي تسمح لهم بإدارة أرضهم ومستقبلهم.