كيف بدّل "نيو كوينسي" دور المملكة العربية؟
وقعت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية اتفاقًا للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وهو ما يمثل خطوة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ويأتي الاتفاق، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس 23 تموز، في إطار الشراكة الإستراتيجية بين البلدين واستكمالًا لما تم إعلانه خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لواشنطن في تشرين الأول – أكتوبر الماضي. وتابعت الوكالة أن الاتفاقية “تمثل امتدادًا للتعاون القائم بين البلدين في قطاع الطاقة، ودعمًا للجهود الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة وتطوير التقنيات المتقدمة، وتعزيز فرص التعاون والاستثمار بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين”.
“خطوة ممتازة”، هكذا وصف الرئيس الأميركي تلك الاتفاقية التاريخية بين البلدين. وكان البلدان قد شهدا توقيع اتفاقية في 14 شباط – فبراير 1945 على متن الطراد الأميركي “يو إس إس كوينسي” في البحيرة المرة الكبرى بقناة السويس في مصر، وذلك في اجتماع تاريخي بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت.
تدرك واشنطن اليوم أن النفوذ لا يُصان بالقوة العسكرية وحدها بل بالاعتراف بدور الحلفاء الإقليميين فالمملكة أصبحت جسرًا بين الشرق والغرب ومركزًا لتوازنات المنطقة
شكلت اتفاقية “كوينسي 1” مظلة أمنية واضحة بالنسبة إلى المملكة في ظل عالم كان يشهد تغيير نظامه، في الوقت الذي حصلت فيه الولايات المتحدة على ضمانة استمرارية ضخ النفط إلى أراضيها. عرفت العلاقة بين الرياض وواشنطن الكثير من التقارب والتفاهمات، لكن وصول الرئيس الأسبق جو بايدن إلى البيت الأبيض أدى إلى تراجع متانة العلاقة بشكل واضح، ما دفع الرياض إلى اتخاذ خيارات استراتيجية تمثلت في الانفتاح على الصين، حيث كان التلاقي السعودي الإيراني في بكين عام 2021.
لا نقاش في أن ترامب يعمل على إعادة اللحمة مع الرياض، ولهذا كانت اتفاقية “كوينسي 2” عبر الطاقة النووية وإبرام صفقات أسلحة، إذ وافقت الإدارة الأميركية على صفقة أسلحة للسعودية بقيمة 1.96 مليار دولار تشمل تزويد الرياض بما يصل إلى 20 ألف وحدة من أنظمة الأسلحة الفتاكة عالية الدقة.
تبدل واضح في استراتيجية واشنطن تجاه الرياض، وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن واشنطن أدركت بعد حربها مع إيران أن زمن المظلات الأمنية والعسكرية لم يعد مطروحًا في ظل المسيرات والصواريخ الباليستية التي تُدار تحت أمرة قيادة لا مركزية قادرة على اتخاذ القرار والتفرد فيه دون العودة إلى مركز القيادة. فبعد الحرب العالمية الثانية، تشكل النظام العالمي على أساس القطبين: الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، والليبرالي مع الولايات المتحدة، ولهذا كان على الرياض، كما سائر الدول، التموضع ضمن هذين التوجهين.
تشظّت المفاهيم مع العولمة، وسقط مفهوم “الأحادية القطبية” بقيادة أميركية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، وسقطت نظرية الكاتب الأميركي فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ وانتصار الرجل الليبرالي”، خصوصًا مع صعود قوميات متحالفة مثل الصين وروسيا لكسر الهيمنة الغربية وفرض نظام متعدد الأقطاب. هذا ما حفّز واشنطن على إعادة قراءة واضحة لسياساتها حول العالم، حيث أدركت أنه “ليس بالضربات العسكرية وحدها تُصان مصالحها”. إذ رغم آلاف الضربات الجوية على إيران، لم يزل النظام هناك قادرًا على إطلاق صواريخه ومسيراته لتهديد المراكز العسكرية الأميركية ومصالحها في المنطقة.
تبدل واضح في استراتيجية واشنطن تجاه الرياض، وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن واشنطن أدركت بعد حربها مع إيران أن زمن المظلات الأمنية والعسكرية لم يعد مطروحًا
أمام واقع “التفلّت” هذا، أدرك الأميركي أن “كوينسي” يجب تعديله، وأن اللعب على قاعدة “وان مان شو” لم يعد صالحًا في عالم مترامي الأطراف، وأن الذهاب بعيدًا في تجاهل مصالح الدول الحليفة يُدخل نفوذ أميركا في العالم بحالة من الغيبوبة الدائمة. لهذا توجهت إدارة ترامب إلى الاعتراف بفاعلية القوة الإقليمية من خلال الدفع نحو تكريس واقع جديد قائم على توازنات القوى في المنطقة، معتبرة أن الرادع الحقيقي لا يتمثل في فائض القوة العسكرية لدى الجيش الأميركي، حيث لا يترك ترامب مناسبة إلا ويتغنى بها، بل في وجود قوة متوازية للنفوذ الإيراني قادرة على فرض المنافسة والحضور من لبنان إلى سوريا وصولًا إلى مضيق هرمز.
إن اعتماد واشنطن على سياسة توزيع الأدوار والاعتراف بالدول الصديقة ودورها في فرض التوازنات الإقليمية بدأ فعليًا بعد القصف الإسرائيلي الغاشم على الدوحة في قطر بهدف تصفية قيادات حركة حماس. هذا التهور الإسرائيلي جعل الرئيس ترامب يوجه التوبيخات لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث لم يكتف بذلك بل طالبه بتقديم الاعتذار إلى أمير دولة قطر في اتصال هاتفي جمع بينهما.
قد يكون المدّ الإيراني شكّل حالة من اللااستقرار في المنطقة، كما حلم نتنياهو ببناء دولة إسرائيل الكبرى، لكن الأميركي أدرك أن ضمان نفوذه ومصالحه في المنطقة لن يكون بالهيمنة العسكرية ولا بدعم مشروع على حساب آخر، بل من خلال إعطاء الثقة بقدرة حلفائه على لعب دور مدّ الجسور بين الشرق والغرب، وفي الوقت نفسه على لجم أي طموح جنوحي للقوى الإقليمية الطامعة والطامحة. فهل سيتوسع “كوينسي 2” ليشمل دولًا أخرى في المنطقة مثل لبنان وسوريا؟