مروة ناجي تستعيد سحر العصر الذهبي للموسيقى العربية بروائع بليغ حمدي
في رحلة استثنائية ليس من المتاح تنظيمها دائما، حملت الفنانة المصرية مروة ناجي الجمهور التونسي إلى عالم بليغ حمدي في ليلة موسيقية احتضنها مسرح دقة الأثري مساء الجمعة ضمن فعاليات الدورة الـ50 لمهرجان دقة الدولي.
مروة ناجي مطربة بصوت قوي، وبأداء احترافي لكلاسيكيات الموسيقى العربية، أخذت جمهور المهرجان في رحلة لا يمكن تكرارها تجمع أغنيات لحنها الموسيقار الراحل بليغ حمدي، مستعيدة روحه وشخصيته وتجربته الإنسانية والفنية التي تشهد عليها كل نوتة خطها لهذا المطرب أو ذاك.
وأن تغني روائع بليغ، فهي تغني مصر والوطن العربي، هي تغني جزءا مهما من تاريخنا، تغني لملحن متمرد على من سبقوه، مؤثر فيمن جاؤوا بعده، تغني ألحان رجل ثار على كل شيء، أرهق نفسه وأرهق كل من عرفوه، "مجنون" ذاك الجنون الجميل الذي إن امتلكه المبدع حلق به بعيداً في سماء التفرد والخلود.
وهي تؤدي أغاني من ألحان بليغ حمدي، هي تثبت للجمهور العربي أن الطرب الأصيل لا يزال له محبوه، وأن من صنعوا بواكير الموسيقى العربية الحديثة لا يزالون حاضرين بيننا بإبداعهم، والمسارح قد تمتلئ بجمهور يحبهم ويشجع كل من يغني أغنياتهم.
ونادرون هم من يعرفون بليغ حمدي ولا يحبونه، رجل وفنان متمرد سيرة ومسيرة، وحين يُذكر الفن العربي، لا يمكن أن يمر اسم بليغ مرورا عابرا، فهو أكثر من مجرد ملحن قدّم أغنيات لفنانين من مصر وخارجها، إنه حالة فنية استثنائية غيّرت شكل الموسيقى العربية، وجعلت من اللحن بطلا يوازي الكلمة والصوت. استطاع أن يمسك بروح الشرق، ويحررها من القيود التقليدية، ليمنحها إيقاعا أكثر حيوية، دون أن يفقدها أصالتها وجمالها.
في زمن تتشابه فيه الكثير من الأغنيات، يبدو الإرث الذي تركه بليغ حمدي أكثر قيمة من أي وقت مضى
لقد امتلك بليغ قدرة نادرة على التقاط تفاصيل البيئة المصرية، من أصوات الشوارع، والموال الشعبي، والرقصات الفلكلورية، وحتى إيقاع الحياة اليومية، ثم امتلك جرأة نادرة على أن يعيد صياغتها في عمل موسيقي راقٍ يصل إلى جميع الأذواق.
ولعل أعظم إنجازاته كانت تعاونه مع كوكب الشرق أم كلثوم. فعندما لحّن لها أغنيات مثل "حب إيه"، و"أنساك"، و"سيرة الحب"، و"فات الميعاد"، أثبت أن التجديد لا يكون بهدم التراث، إنما بإعادة تقديمه بروح جديدة، وهو بالفعل أعاد تقديم أم كلثوم بحلة جديدة، وكانت تلك الأعمال نقطة تحول في تاريخ الأغنية العربية، إذ احتفظت بروعة أداء الست وخصوصيته، لكنها اكتسبت إيقاعاً أكثر انسيابية، ونغماً أكثر شعبية، وجعلت المستمع يعيش تجربة مختلفة دون أن يشعر بأنه ابتعد عن الطرب الأصيل.
ولم تتوقف بصمته عند أم كلثوم، بل امتدت إلى العندليب عبد الحليم حافظ، الذي وجد في ألحان بليغ مساحة مثالية للتعبير عن رومانسيته ودفء صوته. يكفي أن نستمع إلى "زي الهوى"، و"حاول تفتكرني"، و"مداح القمر" لندرك كيف كان بليغ يعرف أسرار الصوت الذي يلحن له، ولندرك أن بليغ ملحن ذكي، لم يكن يفرض ألحانه على المطرب، بل يصنع اللحن الذي يناسب شخصيته، وكأنه يعيش إحساسه ويجسده بنوتات معبرة، لذلك تبدو ألحانه مع كل فنان متميزة لكنها تحمل جميعها روح بليغ ولمسته.
بليغ الفنان والعاشق، منح وردة الجزائرية أجمل ألحانه وكانت تجربته معها أجمل مراحلها الفنية، حتى بدا وكأن صوتهما الفني ولد ليكتمل أحدهما بالآخر. في أغنيات مثل "العيون السود"، و"وحشتوني"، و"بتونس بيك"، نسمع موسيقى مليئة بالشغف والفرح والإقبال على الحب والحياة، موسيقى تكشف عن ملحن يعرف كيف يحول المشاعر الإنسانية إلى نغم يعيش لعقود.
وكما نجح مع أم كلثوم وعبد الحليم ووردة، نجح في إحداث نقلة نوعية في مسيرة أشهر الفنانين العرب أمثال ميادة الحناوي وصباح وعزيزة جلال وهاني شاكر وعشرات المطربين المميزين.
ولأن عبقريته لم تكن مرتبطة بنمط واحد، نجح أيضا في الأغنية الوطنية والدينية، فكانت ألحانه في لحظات الانتصار والانكسار تعبر عن وجدان الشعوب العربية، وهو من لحّن واحدة من أشهر الابتهالات الدينية التي قدمها النقشبندي، لذلك عاشت ألحانه إلى يومنا هذا وستعيش أكثر.
رحل بليغ عام 1993، لكن الرحيل لم ينجح في إسكات موسيقاه. فما زالت ألحانه تعاد، وتدرّس، وتلهم أجيالا جديدة من الموسيقيين، وتقدمها مطربات على مسارح مهرجانات كبرى وأمام جماهير متنوعة.
وفي زمن تتشابه فيه الكثير من الأغنيات، يبدو الإرث الذي تركه بليغ أكثر قيمة من أي وقت مضى. ويبدو الجمهور متعطشا لسهرات فنية تستعيد روائع الملحنين الذين تركوا بصمة لا تنسى في سجل الموسيقى العربية.
ضمن هذا السياق جاء حفل المطربة المصرية مروة ناجي تحت قيادة المايسترو التونسي محمد الأسود. ومروى ناجي إحدى فنانات الأوبرا المصرية، التي استطاعت أن تثبت حضورها في مدرسة الطرب، وتبرز بوصفها واحدة من أكثر المطربات قدرة على استحضار زمن الأغنية العربية الذهبية دون الوقوع في فخ التقليد. لهذا يعتبر اختيارها لتقديم أمسية كاملة من روائع الموسيقار الراحل بليغ حمدي، احتفاء بمرحلة كاملة من تاريخ الموسيقى العربية.
عرف الجمهور العربي مروة من خلال مشاركتها في برنامج "ذا فويس"، لكن مسيرتها الفنية بدأت قبل ذلك بسنوات من الدراسة والتكوين والعمل على بناء شخصية فنية تؤمن بأن الطرب أداء صحيح للنغم يصاحبه إحساس وثقافة واحترام للكلمة واللحن. لذلك اختارت منذ بداياتها أن تنحاز إلى الأغنية الكلاسيكية، وأن تقدم أعمالا لعمالقة الموسيقى العربية، وهو خيار يحتاج إلى شجاعة في زمن تميل فيه الساحة الفنية إلى الأغنية السريعة.
ولعل أكثر ما يميز مروة ناجي هو أنها لا تتعامل مع الأغنيات التراثية باعتبارها قطعا متحفية، أو تسعى لتكرار أسلوب فنان بعينه، فهي لا تقلد أم كلثوم أو وردة أو عبدالحليم حافظ أو ميادة وغيرهم، إنما تراها تبحث داخل كل أغنية عن مساحتها الخاصة، وعن الطريقة التي تجعل الجمهور يسمع الأغنية كما لو أنها تولد من جديد، مع الحفاظ على روحها الأصلية.
في هذه السهرة، وفي السهرات التي تحييها إحياء لسيرة بليغ وغيره من الملحنين الكبار والمطربين، هي تحمل مشعلا متوهجا، وعليها أن تضمن استمرار اشتعاله دون أن تحترق بلهيبه، هي تحمل مسؤولية ثقيلة، إذ تستدعي زمنا كان فيه اللحن سيد الأغنية، وكانت الموسيقى تُبنى بعناية، والكلمة تنتقى بدقة، والصوت يعامل بوصفه آلة موسيقية متكاملة، هذه المسؤولية التي تحملها تجاه عمالقة الفن العربي، تجعلها في مرمى النقد والانتقاد وخاصة من أولئك الذين يعشقون بليغ ومجايليه.
أما مكان انعقاد الحفل، حيث يستعاد بليغ الملحن، الذي لم يمر يوما بجسده من هناك، فلا يقل أهمية عن الحفل نفسه، فالمسرح الأثري بمدينة دقة، بأعمدته الرومانية وتاريخه الممتد لقرون، يبدو وكأنه خلق ليستقبل هذا النوع من الأمسيات. هناك، حيث يلتقي التاريخ بالحضارة، تكتسب الأغنية العربية بعدا آخر، وتتحول الموسيقى إلى حوار بين الماضي والحاضر، حوار بين عبقرية المعمار وعبقرية النغم. لهذا كانت سهرة مروة ناجي تجربة فنية تتناغم فيها العمارة والتاريخ والموسيقى في مشهد واحد، إنها سهرة استثنائية.
ويحسب لمهرجان دقة الدولي، في دورته الخمسين، أنه يواصل رهانه على الفنون الراقية، وأن يخصص مساحة للاحتفاء برواد الموسيقى العربية، لأن جزءاا كبيرا من الحفاظ على هذا الإرث يكون بإعادة تقديمه على المسارح، بأصوات تمتلك الموهبة والوعي بقيمة ما تؤديه.