الهاتف والإنسان: من يخرب المجتمعات اليوم؟

الموبايل الذكي كان أداة للتواصل، لكنه اليوم غدا سلاحًا خطيرًا، مهندسًا اجتماعيًا يُعيد صياغة سلوكيات البشر، ويتحكم بمجتمعات بأكملها
الثلاثاء 2026/08/18
تسليع السعادة وصناعة الغضب

عندما تحدث عميل المخابرات السوفييتية السابق، يوري بيزمينوف، عام 1983، في مقابلة شهيرة له عن الحروب، لم تكن الحرب آنذاك سوى عملية استنزاف طويلة الأجل، تتصارع فيها جيوش ضد أخرى، لكن بيزمينوف، العميل والإعلامي السابق أيضًا، حذر يومها من خطر أكبر على المجتمعات، مؤكدًا أن «حروب المستقبل لن تحتاج إلى إطلاق عيار ناري واحد أو تحريك جيش واحد لتبديد الدول وإسقاطها».

شرح بيزمينوف مفهومًا مهمًا أسماه «التخريب الأيديولوجي»، مقسمًا إياه إلى مراحل تبدأ بالتجريد من الأخلاق والقيم وتصل إلى زعزعة الاستقرار، ثم الأزمة، فالانهيار. وهذا حقيقة ما تعيشه مجتمعات كثيرة اليوم.

بيزمينوف، الذي توفي عام 1993، لو عاش ليرى الموبايل الذكي بين أيدي الملايين اليوم، لأدرك أن هذه الآلة الصغيرة نجحت فيما عجزت عنه أعتى الأجهزة الاستخباراتية. لقد غدا الموبايل سلاح الدمار الشامل الاجتماعي الأكثر كفاءة في التاريخ البشري، والإدمان الذي لا يشفى منه الإنسان ولا يدرك أنه مدمن عليه، وهو لا يؤثر عليه جسديًا فقط، وإنما ينجح في دمغجته دون أي وعي أو رفض منه.

لقد اختطف الموبايل مفاهيم كثيرة ليغيرها. انظر، مثلًا، إلى مفهوم السعادة، كيف استُبدل باستعراض السعادة؛ حيث لم يعد الإنسان يعيش اللحظة ليتذوقها، وليحفظها في ذاكرته وسجل حياته، وإنما ليوثقها ويصدّرها للآخرين تحت شعار ضمني: «شوفوني أنا سعيد».

هذا التحول من العيش الحقيقي إلى العرض الاستهلاكي خلق حالة من الهوس بالاعتراف (Validation)، حيث تُقاس قيمة اليوم، أو الوجبة، أو الرحلة، بعدد الإعجابات وتفاعلات المتابعين. تحول الإنسان من كائن يبحث عن المعنى والتوازن الداخلي، إلى ممثل في مسرحية يومية لا تنتهي، يخوض فيها معركة استنزاف نفسية لإثبات وجوده أمام شاشات صامتة.

بهذه السلوكيات وغيرها نجح الموبايل في تعزيز صناعة الضغينة، وضاعف التسابق على الربح السريع وسهولة الطرق غير المشروعة، حيث أنشأ عبر تطبيقاته بيئة محفزة للعدمية والربح غير المشروع، وبالتالي جرى تقديس النتيجة وتهميش القيمة.

وتستقطب تطبيقات المضاربة المضللة وطموحات التداول غير المدروس آلاف الشباب، زارعة فيهم وهم الثراء بلا جهد، مما أطاح بقيم العلم والعمل والإتقان لصالح المقامرة الرقمية.

ويتضح أن تطبيقات الدعم والبث المباشر (مثل تيك توك وأخواته) أهانت كرامة الإنسان حين جعلت الدعم المالي مشروطًا بالمذلة الإرادية، وبسلوكيات صادمة، وبالاستعراض الرخيص، أو تقديم محتوى هابط يتغذى على الفضائح.

من ناحية أخرى، فتح الموبايل أبوابًا خلفية ومباشرة لتسليع الجسد تحت مسميات براقة، منها صناعة المحتوى والرعاية، متيحًا تجارة البغاء الرقمي وابتزاز العواطف بدقائق معدودة وبطرق عصية على التتبع التقليدي، مما أتاح أسهل أبواب الخطأ الأخلاقي دون رادع.

وبينما يُظهر الموبايل صورًا معالجة ومفلترة لحياة مرفهة يعيشها قلة من البشر المتخصصين في الاستعراض، يولد في المقابل لدى الغالبية حالة من الحقد الطبقي والإحباط الداخلي والمقارنة المستمرة. وعندما يصطدم هذا الإحباط بعالم افتراضي يُتيح التخفي خلف أسماء مستعارة، ينفجر العنف اللفظي.

ويسهل ملاحظة ذلك بجولة صغيرة على فيديوهات وتدوينات المشاهير والمؤثرين، حيث تحولت خانات التعليقات إلى ساحات سب وشتم. كل من يعرض فكرته، أو حياته، أو خياره، يغدو هدفًا مشاعًا للتنمر، والتشكيك، والسباب والاتهام، وأحيانًا التهديد والوعيد.

بينما يُظهر الموبايل صورًا معالجة ومفلترة لحياة مرفهة يعيشها قلة من المتخصصين في الاستعراض، يولد في المقابل لدى الغالبية حالة من الحقد الطبقي والإحباط الداخلي والمقارنة المستمرة

لقد ألغت الشاشة كوابح الخجل الاجتماعي والتوجس من المواجهة المباشرة وما تفرضه من مواجهة لفظية وغير لفظية، وما يمكن أن يستوجب عنها من مساءلة قانونية. هذا الإلغاء للخجل والتوجس تسبب في تضاءل الرحمة وتضخم النزعة الهجومية لدى أفراد باتوا يفرغون بؤسهم اليومي وغضبهم المكبوت من الظروف والحياة والأهل وكل أشكال الفشل، في صورة كراهية وغضب يصبهما على كل من يخالفه في نمط الحياة والتفكير.

والأخطر أن منصات التواصل لا تكافئ أكثر الناس عقلًا وقيمة، وإنما كثيرًا ما تكافئ الأكثر إثارة للجدل. كلما كان المحتوى أكثر استفزازًا، كان أكثر قابلية للانتشار. وكلما ارتفع الغضب، زاد التفاعل، وهكذا أصبح الغضب نفسه سلعة، وأصبح الكره والاختلاف غير الحضاري والهجوم على الناس عملًا مقبولًا وإن كان غير أخلاقي.

إن ما حذر منه بيزمينوف عام 1983 يتحقق حرفيًا عبر شاشة الموبايل، إذ قال إن أولى مراحل إسقاط المجتمعات تبدأ بـ«تدمير المبادئ الأخلاقية والدينية والدفاعية في أمة ما، حتى تفقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل».

لقد أنجز الموبايل هذه المهمة بامتياز، فقد نجح في تسطيح العقول وتحويل القضايا المصيرية والأفكار الكبرى إلى تريندات سريعة تزول خلال 24 ساعة أو أكثر بقليل، كما زاد من تغييب الأسرة والتواصل الإنساني المباشر، وأسهم في تخريب ثقة الأبناء ببيئتهم الواقعية لصالح الانبهار بحياة المؤثرين، وبالتالي حول الشاذ والمبتذل واللاأخلاقي إلى أمر عادي ومتداول يوميًا بكثرة التكرار. وهو ما يؤكد أن تكرار التعرض لأي أمر ما يحوله إلى أمر طبيعي، حتى وإن كان أمرًا مستهجنًا ومرفوضًا أخلاقيًا ودينيًا وإنسانيًا.

في خطابه الشهير، تحدث بيزمينوف عن أربع مراحل لتدمير المجتمعات: إضعاف المعنويات، ثم زعزعة الاستقرار، ثم الأزمة، ثم التطبيع. وفي حديثه عن زعزعة الاستقرار، أشار إلى تصاعد العداء داخل المجتمع، وتآكل الثقة، وتحول العلاقات الإنسانية إلى صراع ومنافسة، وتراجع القدرة على التوافق.

تكمن المفارقة في أنه لم يكن يتحدث عن الهواتف الذكية ولا عن تطبيقات التواصل الاجتماعي ولا عن الخوارزميات وطريقة عملها. كان يتحدث في سياق الحرب الباردة عن الدعاية والتأثير الأيديولوجي. لذلك سيكون من غير الدقيق أن نقول إنه تنبأ بالهاتف المحمول وخطورته على المجتمعات، أو إنه قال تحديدًا إن الحروب المستقبلية ستدمر الدول من دون تدخل عسكري. لكن فكرته الأساسية عن إمكانية إضعاف مجتمع من الداخل عبر التأثير في وعيه وإدراكه للواقع يمكن أن تُقرأ اليوم من زاوية مختلفة تمامًا.

الخطر المعاصر لا يحتاج بالضرورة إلى جهة خارجية تدير كل شيء حتى يصبح حقيقيًا. يكفي أن تصبح المنصة نفسها مصممة بطريقة تكافئ الغضب، والمقارنة، والاستعراض، والاستقطاب، والمحتوى الصادم، ثم يشارك المستخدمون في إعادة إنتاج ذلك بأنفسهم.

وهنا ربما علينا التفكير في أسئلة أكثر إلحاحًا وإزعاجًا في الآن نفسه: من الذي يخرب المجتمع فعلًا؟ هل الهاتف؟ أم الشركات التي تعرف كيف تجذب انتباهنا؟ أم الخوارزميات التي تعلم ما يغضبنا وما يثير فضولنا؟

أم نحن، حين نقبل أن نمنحها ساعاتنا وعقولنا وأمزجتنا دون مقاومة؟

الحقيقة أن الهاتف لم يخلق الإنسان السيئ، لكنه أعطى بعض أسوأ دوافع الإنسان مكبر صوت. لقد أعطى الحاقد جمهورًا، والنرجسي مسرحًا، والمحتال سوقًا، والمشعوذ ضحايا، وصاحب المحتوى الرديء ملايين المشاهدات، والباحث عن المال السريع آلاف الفرص، والغاضب مساحة لا تنتهي للغضب.

وفي المقابل، أعطى أيضًا الكاتب المتخفي وراء كتابات الذكاء الاصطناعي قارئًا، والصحفي جمهورًا رغم أنه قد يكون دخيلًا لم يتعلم الصحافة ولا يفقه شيئًا في أخلاقيات المهنة الصحفية. لقد أعطت وسائل التواصل المبدع فرصة، والفقير بابًا للعمل والربح، والطالب مصادر للمعرفة، والإنسان البعيد وسيلة للوصول إلى من يحب. لهذا يبدو أن معركتنا ليست مع الهاتف، وإنما مع الإنسان الذي يمسك الهاتف. فالتكنولوجيا لا تفسد المجتمعات وحدها. الذي يفسدها هو أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح عدد المشاهدات معيارًا للقيمة، والمال معيارًا للنجاح، والاستعراض معيارًا للسعادة، والغضب معيارًا للقوة، وإهانة الآخر وسيلة لإثبات الذات.

وحين تم اختراعه، كان الموبايل الذكي أداة للتواصل، لكنه اليوم غدا سلاحًا خطيرًا، مهندسًا اجتماعيًا يُعيد صياغة سلوكيات البشر، ويتحكم بمجتمعات بأكملها، ويخدم أجندات جهات كثيرة، وأصبح من السهل عليها توجيه الرأي العام وتشكيله وفق مصالحها وأغراضها. ويضعنا اليوم أمام حقيقة واضحة وضوح الشمس: حين تفقد أمة ما رصيدها من الأخلاق والسكينة الداخلية، وينخرها سوس المادية والفردانية، لا تعود بحاجة إلى عدو خارجي يغزوها، بل تكفيها شاشة صغيرة لتهدم نفسها من الداخل.