عزة طويل لـ"العرب": الروايات ليست قاعات محاكم

"عيون بيروت" مغامرة سردية تستنطق الذاكرة والحب والمدينة بعيدًا عن الإدانة.
الجمعة 2026/07/24
مستويات التجريب يفرضها النص لا رغبة كاتبه

ما زال السؤال عالقا حول علاقة الأدب بالالتزام بقضايا الإنسان من جهة وبحرية التفكير والتجريب الجمالي من جهة أخرى، أي بين وظيفته الإنسانية وتحرره الذي قد يبلغ مناطق أخرى من الذات البشرية. بين هذا وذاك نقرأ رواية الكاتبة اللبنانية عزة طويل "عيون بيروت" بتقنياتها الكتابية المتنوعة. "العرب" كان لها هذا الحوار مع الكاتبة حول روايتها الجديدة.

قد لا يعلنُ النصُ الروائي عن طبيعته والموضوع الذي ينتظمُ عليه خطه من الجملة الاستهلالية، بل من المتوقع ألّا ينجلي الغموض عن الأفق الذي يتحركُ النصُ نحوه من الافتتاحية، ولا يرمي بأوراقه من الأمتار الأولى غير أنَّ ذلك يجب ألا يؤجل كسر الجليد بين الرواية والمتلقي، لأنَّ نجاح العمل الروائي يكمنُ في سحب القارئ إلى أجوائه وإقناعه بأنَّ ما يتابعه يعدُ بمزيد من الاكتشاف والتضايف القصصي، وهذا المنحى هو ما تنهضُ عليه رواية “عيون بيروت” المرفقة بعبارة توضيحية “سر اللمعة في العينين” للكاتبة اللبنانية عزة طويل.

تتقاطع في فضاء هذا العمل، الصادر حديثاً، مصائر الشخصيات وتتشابك يوميات المدينة مع سيرة الراوية التي تريد سد ثغرات تركتها أزمنة لا تستعيدُ ملامحها بوضوح. تستمدُ “عيون بيروت” هويتها الإبداعية ليس من نوع الشخصيات أو من إدارة عقارب الزمن والتلميح إلى العود الأبدي من خلال تكرار الأحداث فحسب، بل مما تضمرهُ من الأسئلة عن الأدب والإنسان والحب الإشكالي واللايقين العاطفي، كل ذلك يضفي نبرة مختلفة على طبخة الرواية وبذلك تحافظ على التوتر الدرامي في بنيتها.

عن عملها الجديد وما تعني لها المغامرة على المستوى البنائي في تشكيلة النص كان لنا حوار مع عزة طويل التي صدرت لها قبل سنتين “لا شيء أسود بالكامل” التي سجلت من خلالها حضوراً لافتاً في الوسط الأدبي.

تعدد الأصوات

◄ علاقات إنسانية متداخلة (لوحة للفنانة زينة مصطفى)

العرب: هناك من يعتقدُ بأن ما يمنحُ المجالَ لكتابة الرواية هو المستوى البنائي للنص أما الثيمات والمواضيع فلا يمكن التعويل عليها لصياغة عملٍ إبداعي مقنع. إلى أي مدى كان يشغلك التكوين البنائي في كتابة “عيون بيروت”؟

عزة طويل: الرواية ثيمة ومواضيع وبناء وشخصيات وحبكة ولغة وشكل، والعمل الإبداعي لا يعوّل سوى على الإبداع ووصوله إلى المتلقّي. من يريد أن يكتب رواية لا بد أن يشغله البناء كجزء لا يتجزأ من هذا الفن، فالرواية رحلةٌ على شجرة فاصوليا قد ترتفع إلى السماء، أو مشوار على درّاجة كما وصفها الراحل إسكندر حبش، وعلى الروائي أن يجيد صنع الدراجة لتشتغل كما يجب، وأن يصنع أيضًا المَشاهد التي سيراها القارئ إبّان الرحلة، وهذان مستويان من البناء.

في “عيون بيروت” البناء ليس ترفًا بل حاجة فرضها النص، لأن التجارب فيه تتكرر، عاطفيًا وسياسيًّا وتاريخيا، وكذلك الصدمات تُعاش مرارًا (كما هي طبيعة الصدمات)، ووجهات النظر تنعكس، والقارئ يرى القصة عبر عيني الراوية التي ترى قصتها من خلال قصة لمياء كمرآة. هذا التداخل يتطلّب معمارًا خاصًّا به، لاسيما أن تقنية الميتاسرد تحضر في الرواية، وفيها كل طبقة تنعكس على الأخرى وتعيد تفسيرها بحيث لا ينفصل الحدث عن طريقة إنتاجه، ولا ينفصل محرّك السرد عن وسيلته/ الدرّاجة (الرواية وهي تُكتَب، الرواية وهي تُقرَأ، تأثير هذه القراءة في الحاضر، وفي الماضي أيضًا، إلخ).

العرب: صوت الراوية المُتضمنة في بناء النص يهيمنُ على الخط السردي ومن عدستها يتابعُ المتلقي الأحداث وموقع الشخصيات، ألا يقود انفرادها بالمسرح إلى غياب التعددية في المنظور؟

عزة طويل: سؤالك في صلب إشكالية شائعة في تعريف تعدد الأصوات لاسيما لناحية الفرق بينه وبين تعدد الرواة، وقد تناول الناقد والسيميائي الدكتور سعيد بنكراد موضوع الأصوات في الرواية في مقالة طويلة له أقتبس منها “لم تكن ‘الأنا’ في الرواية واحدة إلا في الظاهر، أما في جوهرها فهي ممكنات سلوكية تصرفها الشخصيات في الأحلام والرغبات المجهضة”.

البوليفونية لا تتطلب بالضرورة شخصيات كثيرة تُسلَّم دفة الكلام تباعًا، بل يمكنها أن تتحقق، مثلًا، عبر رؤى متعددة وانعكاساتها على شخصية واحدة، أو عبر رؤى متعددة تتنازع الشخصية الواحدة، أو عبر “أنواتٍ مستقلة في محكياتها. إنّ الساردة لا تُدرك حقيقة قصتها إلا عندما يروي الآخرون قصصهم: إنها جزء من قصة رامي في الماضي، وجزء من قصة لمياء في الحاضر، وهي جزء من قصة كنان وقصة أمها في تفاصيل العيش” (بنكراد، 2026).

شرط التعددية يكمن في المعنى الذي يمكن إيصاله عبر أدوات مختلفة، وتعدد الرواة وسيلة لإيصال أصوات متعددة لكنه ليس الوسيلة الوحيدة. وهكذا، يتنازع داخل أنا الراوية منظور العاشقة (والتي ترفض أن تقول إنها عشقت)، ومنظور من وقع في فخ تلاعب رامي، ومنظور المتلاعبة (بلمياء)، أو حتى الـ”مجنونة” (كما نعتتها لمياء)، كما الثائرة، والكاتبة، والابنة؛ وعبر الراوية، نرى منظور أمّها، ورامي وكنان ولمياء، كما نرى البلد/بيروت عبر عينيها، وعبر عدسة كنان، وأيضًا نرى تأثير السرديات التي تتنازعنا في هذه المدينة الصاخبة المنفجرة.

العرب: الأحداث كلها مروية بنبرة نسائية وما يعرفه القارئ عن شخصية رامي أو كنان أو والد الراوية يكون من خلال ما يترشح من رسائل ومدونات الحبيبة أو ذاكرة الزوجة. ألا يضفي ذلك طابعا نسويا على “عيون بيروت”؟

عزة طويل: للقارئ أن يحدد الطابع الذي يراه في الرواية وأن يقرأها بما تشير له به خلفيته المعرفية والثقافية. في نظري، بطلة “عيون بيروت” امرأة، والرواية على تماسٍ مع قضايا تعني النساء، لكنها في الوقت نفسه بعيدة عن أن تكون مانيفستو نسويًّا. لسنا هنا في مواجهة بين النساء والرجال، بل في مواجهة مع سرديات مختلفة، ومع احتمال سوء استخدام الأدب، ومع المدينة التي تصارع الانهيار الأخير، ومع مفهوم الحبّ.

◄ الرواية تقف على مسافة من سؤال الأخلاق: كيف يتجاور الإبداع مع المسؤولية، وكيف يؤثر أحدهما على الآخر

هنا، حق الراوية في السرد وفي إنتاج الحكاية في صلب الموضوع، وحق الراوي أيضًا (رامي)، وهناك صراع يتمحور حول سلطة الحكاية والسلطة على الحكاية، لكنه لا يحدث بين رجلٍ وامرأة بل بين ثلاثة رواة بل أربعة إذا احتسبنا الأم، وعلى مدى أجيال. كما أن الرجل ليس مغيّبًا هنا، بل هو في قلب حكاية كل نساء القصة. الأب الذي غاب لكنه ملأ الدنيا بغيابه، تسرُّب رامي إلى الراوية من خلال جرح الأب، أعمال كنان التي تحكي عنه/ صُوَره، حواراته مع الراوية، رواية رامي، تصرفاته… ما يعرفه القارئ عن الرجال في الرواية على اختلافهم يأتيه على لسان عدة رواة من بينهم راوٍ رجل هو صاحب “لعنة الحب”، وعبر إسهاماتهم المباشرة.

المنحى التجريبي

العرب: هل ما تلاحظه الراوية من غزو الرائحة الغريبة لبيروت مجرد محاولة لتفعيل وظيفة الحواس أو مؤشر نبوئي للحدث؟

عزة طويل: للرائحة ارتباطات على مستويات متعددة في “عيون بيروت”. فهي ترتبط بالهوية، كما أنها مؤشّرٌ حسيّ يلتقط ما قد لا تلتقطه اللغة أحيانًا، وهو مبنيّ على مؤشرات واقعية اجتماعية وسياسية بمثابة مقدمات للانهيار. فاحتجاجات 17 أكتوبر سبقتها احتجاجات على النفايات عام 2015، وملأت النفايات حينها شوارع بيروت، و”صرخنا جميعنا وقتها طلعت ريحتكم”.

كما للرائحة وظيفة أساسية فهي تفعّل الذاكرة وتروما البلد وتروما الراوية، ولها دور أساسي كذلك في تفعيل نوبات الصداع النصفي التي تشتت نظر الراوية وتُغرقها في فيضانات حسّية. وفي النهاية، الرائحة مرتبطة بالحدس أيضًا، والحدس، كالحب، معادلة لم تحلّ في الرواية.

العرب: الإحالة إلى الصورة والمدونة واليوميات تتكررُ على مدار الرواية، هل الغرض من توظيف هذه الردائف النصية هو سد الثغرات السردية أو أن ذلك يلبي رغبة للتنوع في الصياغة؟

عزة طويل: الصورة في الرواية تقف ندًّا للكلمة ومرادفًا للعين، وهكذا حين تعلّق الراوية قائلةً لكنان إن الصورة ميتة، يجيبها “حسنًا أيتها الكاتبة، هل الكلمة حية أم ميتة؟”. كما أنها مرادف للعين، وكل ما يبقى من الحكاية، ومن “الثورة”، ومن “تمثال الشهداء”، ومن علاقة الأم والأب. إذًا الصورة ليست رديفًا نصيًّا ولا هي تسدّ الثغرات بل بالعكس هي تُظهرها أكثر، أقصد الثغرات التي تجدها الراوية في قصّتها والتي تحاول اكتشاف طريقة سدّها على طول الرواية حتى تهتدي أخيرًا إلى الخيط الذي سيكشف لها كل شيء.

أما في ما يخص المدونات أو اليوميات، فالرواية في الواقع لا تعتمد على أيّ منها. المقاطع التي كانت لمياء ترسلها إلى الراوية هي مقاطع من مشروع رواية لمياء، وهي جزء أساسي من المتن. فلولا رواية رامي، لما قرأنا رواية لمياء ولا كتبت الراوية حكايتها، ولولا الراوية، ربما لما كانت رواية لمياء. وهكذا، كل نصّ يؤثر في النص الذي يليه.

العرب: مع أنَّ القارئ لا يستشفُ بأنَّ الروائية تحاكمُ شخصياتها الورقية أو تُدينها لكن ما يردُ على لسان الراوية “من يحرس الأدب من كل هذا؟” يثير سحابة من الريبة بشأن استعمالات أداتية للأدب. ما هو تعقيبك على الرأي الذي يعدُ “عيون بيروت” بشخصياتها وأحداثها إطاراً لهذا السؤال؟

عزة طويل: أحبّ السؤال، “من يحرس الأدب من كل هذا”، وأحب أن أترك للقارئ تحديد ما هو “هذا”. أخلاقيات الأدب موضوعٌ ضخم لا أدّعي معالجته، وطبيعة الفعل الروائي بحد ذاته تقف على مسافة غير واضحة من سؤال الأخلاق: كيف يتجاور الإبداع مع المسؤولية، وكيف يؤثر أحدهما على الآخر؟

◄ البوليفونية لا تتطلب بالضرورة شخصيات كثيرة، بل يمكنها أن تتحقق عبر رؤى متعددة وانعكاساتها على شخصية واحدة

من جهة أخرى، من الضروري الإشارة إلى أن الروايات ليست قاعات محاكم، لاسيما حين يتعلق الأمر بالنوايا. هل كانت نية رامي الحب أم الأذى؟ ماذا كانت نيّة الراوية من الكتابة، وما نيّتها من دفع لمياء نحو الكتابة؟ وأيضًا، هل هناك ما يؤكد لنا أن لمياء لم تكن لتكتب لولا الراوية؟ وكيف بدت لمياء كأنها انقلبت على منظور الراوية، ولماذا؟ تعنيني هذه الأسئلة كما تعنيني مساءلة الكتابة ومختلف حالاتها، حين تحمل ذنبًا وحين تحمل خلاصًا، وأيضًا حين تهيم على تخومهما.

العرب: المنحى التجريبي جزء من تشكيلة “عيون بيروت” ويبرزُ ذلك بالوضوح في الروايات المتقاطعة في سياق النص لكن لماذا تبدو المؤلفة مقتصدة على هذا المستوى؟

عزة طويل: بصراحة، حين بدأت بكتابة “عيون بيروت”، اعتقدت أنني ممسكة بطرف حبكةٍ تقليدية. لكن، بما أنه “غالباً ما تبدأ الحكاية من مكانٍ لتنتهي إلى مكانٍ آخر”، انتقلت الكتابة بي إلى هذا النوع من التجريب الذي تذكره في سؤالك. شخصيًّا، لا أؤمن سوى بحساسية النص ومعناه، ومستويات التجريب يفرضها النص وليس رغبة كاتبه في التعقيد أو التبسيط.

تجربتي الروائية الأولى في “لا شيء أسود بالكامل” حتّمت راديكالية أعلى في التجريب مع الحفاظ دائمًا على إتاحة الفهم للقارئ عبر سيل العواطف الذي ينتابه أثناء القراءة، لكنني أنظر إلى التجربة الثانية بأنها أكثر عمقًا في هذا المحلّ، لأن التجريب فيها أكثر تشبّثًا بالنص من تشبّثه بشكله، لكنني لستُ الحكم في ذلك.

رذيلة بلا عقاب

العرب: “آلام فارتر” هي نص الظل ويلوح طيفه في أجزاء من روايتك إذ يفهم بأن رامي مهووس ببيئة فارترية غير أنَّه يريد قلب المعادلة وتكون البطلة هي مختبر للنزوات، ليس في روايته الشخصية “لعنة الحب” فحسب، إنما في الواقع أيضاً، الأمر الذي يذكر بكلام فاليري لاربو “القراءة رذيلة بلا عقاب”، هل فعلا هو محق في هذا الرأي؟

عزة طويل: فارتر، بطل “آلام فارتر” الذي تماهى معه آلاف العشّاق أيام غوته، وانتحر بعضهم متمثّلًا به، هو المثال الأول في الرواية على “الحب الذي يقتُل”، وعلى كيف يمكن أن يكون للأدب ضحايا حتى خارج الورق، بسبب منظوره أو ربما بسبب سوء قراءته. وهكذا تحوّل الحب الذي ينشده فارتر في رواية غوته إلى خطرٍ مدقع، أو باستعارة عبارة فاليري وتعديلها، إلى “رذيلة” تؤتي على القارئ “عقابًا” خطرًا لأنه يدفع ثمنها حياته.

أما لمياء، فلم أصنّفها ضحيةً أو بطلة. رامي جعلها بطلةً على طريقته في “لعنة الحب”، وكذلك الراوية جعلتها بطلةً في روايتها التي ستُكتب وتكتمل، وهي جعلت نفسها بطلةَ روايتها الخاصة. في حين أن رامي كان في النهاية ضحية المدينة ولم ينتصر عليه أحد. هو قرأ فارتر على طريقته، ولعله أراد فعلًا أن يصنع الحبّ ويحِبّ ويُحَبّ.

لكن السؤال الأكثر جاذبية لي، والذي يلامس ما قاله فاليري، هو: ما الذي يحدث عندما يتوقف القارئ عن التعاطي مع الأدب على أنه أدب، ويبدأ بالتماهي معه واعتماده طريقة حياة، أو تبريرًا لطريقة حياته، على غرار ما فعله رامي، هل يظل هذا حينها رذيلةً بلا عقاب؟

ما الذي يحدث عندما يتوقف القارئ عن التعاطي مع الأدب على أنه أدب، ويبدأ بالتماهي معه واعتماده طريقة حياة

 

8