صراع العمالقة… من يحكم العالم؟

المنافسة بين الولايات المتحدة والصين لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى حرب وجودية متعددة الأبعاد تشمل الممرات البحرية والمعادن النادرة والبنية الرقمية العالمية.
الجمعة 2026/05/29
صيغة جديدة للعلاقات بين العملاقين

العالم اليوم ساحة لصراع نفوذ متعدد الأقطاب، تبرز فيه ثلاثة أقطاب رئيسية تتنافس على الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية. الولايات المتحدة ما زالت تصر على قيادة النظام العالمي الحالي، باعتبارها صاحبة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية، مع نفوذ قوي في المؤسسات الدولية. أما الصين، القوة الصاعدة وثاني أكبر اقتصاد عالمي، فقد توسعت بقوة في آسيا وإفريقيا، لتصبح المنافس الاستراتيجي الأول للهيمنة الأمريكية. فيما تشكل روسيا قوة عسكرية ونووية تتحدى النظام الغربي، وتسعى لاستعادة جزء من نفوذها في زمن الحرب الباردة، من أجل المشاركة في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب.

انشغل مفكرو الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بمستقبل بلادهم في ظل التغيرات التي طرأت على شكل النظام العالمي، خصوصًا مع تحولات ميزان القوى من الغرب إلى الشرق في القارة الآسيوية منذ بداية الألفية الثالثة، وبشكل خاص بعد حربي أفغانستان والعراق اللتين أنهكتا الاقتصاد الأميركي. وفي فبراير 2012 صدر كتاب روبرت كاجان، المؤرخ وزميل مركز بروكينجز وأحد أقطاب المحافظين الجدد، بعنوان العالم صنع أمريكي. تبنى الرئيس أوباما بعض مقولاته في خطاب حالة الاتحاد، حيث أكد كاجان أن أميركا تتمتع بصلابة أسس القوة، وأنها رغم الأزمات الاقتصادية الطاحنة في أعوام 1890 و1930 و1970، استطاعت أن تعود أقوى مما كانت عليه مقارنة بالقوى الأخرى. فقد كانت الولايات المتحدة تنتج ربع الإنتاج العالمي، فيما بلغ إنتاج الصين عام 2010 نحو 6 تريليون دولار، مقابل 15 تريليون دولار للولايات المتحدة، و16.4 تريليون دولار للاتحاد الأوروبي.

اعتبر كاجان أن صعود الصين والهند وبعض القوى الآسيوية جاء على حساب أوروبا واليابان اللتين تراجع نصيبهما في الاقتصاد العالمي. ورأى أن الاقتصاد الصيني وحده ليس مؤشرًا كافيًا في ميزان القوة النسبية، إذ سبق أن كانت الصين أكبر اقتصاد في بداية القرن التاسع عشر، لكنها تراجعت لصالح أوروبا.

روسيا تسعى لاستعادة نفوذها والصين تبني ممرات بديلة، فيما الولايات المتحدة تحاول خنق التمدد الصيني، ليبقى العالم أسير صراع العمالقة على الهيمنة

لم يعد النظام الدولي منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قائمًا على المنافسة التقليدية بين القوى الكبرى كما كان في زمن الحرب الباردة أو لحظة القطب الواحد في التسعينات. المنافسة الأمريكية–الصينية لم تعد مجرد صراع اقتصادي أو تكنولوجي أو حتى عسكري تقليدي يمكن احتواؤه، بل تحولت إلى حرب وجودية متعددة الأبعاد على ثلاثة محاور مترابطة: الممرات البحرية التي تمثل شريان الطاقة والتجارة والإمداد العسكري، والمعادن النادرة والحرجة التي أصبحت النفط الجديد للثورة الصناعية الرابعة والخامسة والسادسة القادمة، والبنية الرقمية التي أصبحت عصب الحياة.

انتقلت الصين من دولة نامية تعتمد على العمالة الرخيصة إلى قوة صناعية وتكنولوجية متقدمة تسيطر على البنية التجارية العالمية. ووجدت الولايات المتحدة أن الاحتفاظ بالهيمنة يحتاج إلى أكثر من القوة العسكرية، بل إلى ضبط المنظومة العالمية بحيث تظل هي مركز الممرات، ومركز التكنولوجيا، ومركز النظام المالي والرقمي. الصين لم تقف مكتوفة الأيدي؛ فقد أنفقت أكثر من 1.8 تريليون دولار حتى نهاية 2025 في بناء عالم موازٍ كامل من الممرات البديلة: خطوط سكك حديدية بين الصين وأوروبا عبر كازاخستان وبيلاروسيا وروسيا، ارتفعت من 80 رحلة سنويًا عام 2011 إلى 18,400 رحلة سنويًا عام 2025، تنقل بضائع بقيمة 74 مليار دولار سنويًا، وتقلص زمن الشحن من 45 يومًا بحرًا إلى 12–14 يومًا برًا. ميناء جوادر الباكستاني يستقبل 19% من نفط الصين القادم من الخليج، مما يختصر المسافة 12 ألف كيلومتر عن طريق ملقا، ويضعه تحت حماية القوات الباكستانية والصينية معًا.

افتتحت الصين قاعدة في جيبوتي عام 2017 تحولت إلى مركز لوجستي يدير استثمارات بقيمة 92 مليار دولار في موانئ كينيا وتنزانيا والصومال والسودان وموزمبيق. وفي أمريكا اللاتينية بدأ العمل الفعلي عام 2025 في مشروع قناة نيكاراغوا الجافة بتكلفة 60 مليار دولار، لربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ برًا وبسكك حديدية عالية السرعة تديرها شركات صينية. كما تمتلك الصين تسع كسارات جليد نووية وغير نووية مقابل اثنتين للولايات المتحدة، لتقليص المسافة بين شنغهاي وروتردام من 20 ألف كيلومتر إلى 12 ألف كيلومتر.

في المقابل، لم تجلس الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام هذا التمدد الصيني. فاقتصادها يعتمد على حرية الملاحة والتفوق البحري لضمان هيمنتها العالمية، وحلفاؤها في آسيا يعتمدون على وجودها البحري كضمانة ضد أي محاولة صينية. وقعت واشنطن اتفاقية سرية مع فيتنام في يوليو 2025 تتيح للبحرية الأمريكية استخدام قاعدة كام رانه البحرية لقطع الإمدادات الصينية في بحر الصين الجنوبي خلال ساعات. كما ضخت 312 مليار دولار إضافية في عهد ترامب في البنية التحتية العالمية، مع التركيز على موانئ سريلانكا وجزر المالديف وجيبوتي وموزمبيق وكينيا وجزر سليمان، لتكوين حلقة خنق بحرية كاملة حول المصالح الصينية.

وفق بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قرابة 28.75 تريليون دولار، وللصين نحو 18.74 تريليون دولار في 2025. أي أن الاقتصاد الأمريكي تضاعف أقل من مرتين منذ 2010، بينما تضاعف الاقتصاد الصيني ثلاثة أضعاف منذ 2010، و17 ضعفًا منذ عام 2000 حين بلغ 1.2 تريليون دولار، بعد أن كان 397 مليار دولار عام 1990. فيما كان ناتج الولايات المتحدة عام 1990 نحو 6 تريليون دولار، ارتفع إلى 10.28 تريليون دولار عام 2000.

ما يعني أن البلدين معًا يمثلان 42.8% من إجمالي الاقتصاد العالمي البالغ 110.98 تريليون دولار. ووفق تقديرات غولدمان ساكس، ستصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2050، حيث يُقدّر ناتجها المحلي الإجمالي بنحو 42 تريليون دولار، متجاوزة الولايات المتحدة التي يُتوقع أن يبلغ ناتجها نحو 34 تريليون دولار. بل هناك تقديرات أخرى ترى تصدر الصين بنحو 58 تريليون دولار مقابل 34 تريليون دولار للولايات المتحدة.

تدفقات السلع بين البلدين وُصفت بأنها من أكبر التدفقات الثنائية في تجارة البضائع عالميًا. ففي عام 2024 استوردت الولايات المتحدة من الصين ما قيمته 463 مليار دولار، بينما استوردت الصين من الولايات المتحدة 165 مليار دولار. أي أن العلاقة بين البلدين تظل حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي. فقد بلغ حجم تجارة السلع والخدمات بينهما عام 2024 نحو 658.9 مليار دولار، قبل أن تهبط تجارة السلع وحدها إلى 414.7 مليار دولار في عام 2025 نتيجة الحرب التجارية بين العملاقين.

برزت صيغة جديدة من العلاقات بين العملاقين تقوم على التعاون مع منافسة منضبطة، واتفق الجانبان على بناء علاقة بناءة ومستقرة استراتيجيًا

في عام 2010، عندما اصطدمت سفينة يابانية بقارب صيني، توقفت صادرات الصين من سبعة عشر عنصرًا نادرًا، فتوقفت مصانع تويوتا وهوندا وباناسونيك ونيكون لمدة 49 يومًا، وارتفعت أسعار بعض العناصر بنسبة وصلت إلى 800%. وتكرر السيناريو عام 2023 عندما حظرت الصين جزئيًا تصدير الغاليوم والجرمانيوم ردًا على قانون “تشيبس” الأميركي، ليبلغ ذروته في أبريل 2025 حين فرضت الصين قيودًا جديدة على عناصر ثقيلة نادرة مثل الإيتريوم، الديسبروسيوم، مما أدى إلى توقف خطوط إنتاج فورد وجنرال موتورز وتسلا للسيارات الكهربائية لمدة 42 يومًا. وإلى جانب ذلك، تعتمد الولايات المتحدة على مصانع تايوان لأشباه الموصلات (TSMC) التي تنتج 92% من الرقائق المتقدمة دون 7 نانومتر، وعلى معدات الطباعة الضوئية من شركة ASML الهولندية، وعلى تحالفها مع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، إضافة إلى شبكة “التحالف النظيف” التي تضم 64 دولة.

في المقابل، فإن الهيمنة على الممرات البحرية لا تعني فقط نقل النفط والسلع، بل تشمل أيضًا نقل 98.5% من البيانات عبر كابلات بحرية تمتد بين القارات لمسافة إجمالية تقارب 1.5 مليون كيلومتر حول العالم، وهي العمود الفقري لنقل أكثر من 99% من حركة الإنترنت الدولية. ويبلغ عدد هذه الكابلات نحو 400 كابل، ومن يسيطر على مساراتها أو معداتها أو بنيتها التحتية يستطيع التأثير على كل شيء، من الأسواق المالية في نيويورك إلى شبكات الكهرباء الذكية في أوروبا.

هناك منطقة صينية تعتمد على تقنيات هواوي من الجيلين الخامس والسادس، وترتكز على مصنع SMIC الذي وصل إلى إنتاج رقائق 5 نانومتر تجاريًا في نوفمبر 2025، وهو اختراق تقني مفاجئ يعتمد على معايير صينية وقعت عليها 87 دولة، تشمل القارة الإفريقية ونحو 65% من دول أمريكا اللاتينية، ومعظم دول رابطة آسيان باستثناء الفلبين وسنغافورة. وتمتلك الصين 43.8% من قدرة الحواسب الفائقة العالمية مقابل 28.7% للولايات المتحدة، فيما تحولت حرب أشباه الموصلات نفسها إلى حلبة ملاكمة بلا حكم.

جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في 14 مايو 2026 في وقت بالغ التعقيد، مع استمرار حرب إيران وما يترتب على غلق مضيق هرمز من تداعيات على الاقتصاد العالمي. وقد رحب الرئيس الصيني شي جين بينغ مؤكدًا أن باب الصين سيظل مفتوحًا على نطاق أوسع، مرحبًا بتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، خصوصًا وأن وكالة شينخوا الرسمية نقلت عنه قوله إن الشركات الأمريكية لعبت دورًا مهمًا في مسيرة الإصلاح والانفتاح في الصين، وإن الطرفين استفادا من هذا التعاون، وأن الشركات الأمريكية ستتمتع بآفاق أوسع في السوق الصينية.

كما ظهرت تقارير عن موافقة واشنطن على السماح لشركة “نفيديا” ببيع شريحة H200 المتقدمة لبعض الشركات الصينية رغم القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا. واعتُبرت القمة بين ترامب وشي واحدة من أهم القمم في تاريخ البشرية، حيث اتفق الطرفان على العمل معًا لوضع بروتوكول أمني يحدد أفضل الممارسات في مجال الذكاء الاصطناعي لضمان عدم وصول هذه النماذج إلى جهات غير حكومية. وهكذا برزت صيغة جديدة من العلاقات بين العملاقين تقوم على التعاون مع منافسة منضبطة، واتفق الجانبان على بناء علاقة بناءة ومستقرة استراتيجيًا، توفر التوجيه للعلاقات الثنائية خلال السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها، مع إبقاء الخلافات تحت السيطرة، بما يتيح استقرارًا دائمًا يمكن أن يُتوَّج بتوقيع السلام.

7