هل سقوط المخا ردة فعل على اتفاق مكة؟
اتفاقية مكة التي تضم السعودية وتركيا وباكستان، وُقِّعت في آب/أغسطس 2026، وشكّلت صدمة وزلزالاً سياسياً يذكّر بالزلزال السياسي حين وقّعت السعودية اتفاق تهدئة مع طهران برعاية بكين في آذار/مارس 2023. غير أنّ الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أنهت ذلك الاتفاق، فجاء اتفاق مكة كصيغة بديلة وموازية للترتيبات الأمنية القائمة في المنطقة، وعلى رأسها الاتفاقية الإبراهيمية التي تقودها إسرائيل. لكن هل لسقوط المخا في 10 أيلول/سبتمبر 2026 ردّة فعل مرتبطة باتفاق مكة؟ وهل هناك علاقة بتفجيرات علي الطاهر في جنوب لبنان؟ عناصر حزب الله الذين كانوا محاصرين في علي الطاهر شكّكوا بعمل قياداتهم، وفق تسجيلات حصرية للحدث، في اليوم نفسه الذي سقطت فيه المخا، رغم البعد الجغرافي بينهما، والتراشق السياسي بين إسرائيل وبريطانيا. فإسرائيل ترى أنّ بريطانيا السبب في بقاء النظام الإيراني، وأنّ أصول النظام موجودة في بريطانيا، بسبب أنّ لندن بدأت تقف أمام إسرائيل في سوريا والسودان، وهي غير متقبلة لفكرة “إسرائيل الكبرى” والاتفاقية الإبراهيمية التي تود أن تحل محل نفوذ بريطانيا، خصوصاً أنّ بريطانيا لديها شراكات واسعة في المنطقة، بينما شراكات إسرائيل محدودة. وتقف السعودية أمام توسعة الاتفاقية الإبراهيمية، فجاءت اتفاقية مكة لتحجيمها.
اتفاقية مكة جاءت كتحالف إقليمي جديد يوازن بين النفوذ الإيراني والهيمنة الإسرائيلية لتؤسس شبكة أمن جماعي تتجاوز الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة
جاء اتفاق مكة لبناء شبكة أمن جماعي إقليمي، لتجنّب الهيمنة الإسرائيلية المنبثقة عن الاتفاقيات الإبراهيمية من جهة، وللحد من النفوذ الإيراني من جهة أخرى، ضماناً لعدم بقاء المنطقة تحت رحمة قطبين إقليميين. تحالف مكة يمهّد لتحوّل عميق في الأمن الإقليمي، ولا يمثّل نهاية للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة، بل يشير إلى الاستعداد لنظام أكثر اهتماماً بأمنه الإقليمي بدلاً من الاعتماد الكلي على واشنطن. ومهما بلغ عمق الشراكة مع الولايات المتحدة، فإنها ليست ضمانة تلقائية للحماية، بل تسعى السعودية للتحرر من عقود طويلة استهلكت أمنها، رغم أنّها حققت لها بعض الاستقرار، لكنها عانت خللاً بنيوياً أساسه أنّ القرارات كانت تُتخذ جزئياً من الخارج. فيما يبدأ اتفاق مكة أخيراً في بناء توازن لا يعتمد كلياً على أي قوة خارجية، ويسهم في تسريع توطين الصناعات الدفاعية، وهي أحد أهم مستهدفات رؤية السعودية 2030، أي أنّ اتفاق مكة يتجاوز مفهوم التحالف العسكري التقليدي.
خصوصاً بعدما أمضت إيران عقوداً في بناء نفوذ إقليمي يتجاوز قدراتها وحدودها، مستثمرة حاجة الولايات المتحدة لدورها في العراق قبل وبعد احتلاله عام 2003، كما استثمرت ثورات ما سُمّي بالربيع العربي، فتمدّد نفوذها من العراق إلى سوريا ليلتقي بلبنان ثم ينتقل إلى اليمن لمحاصرة السعودية قلب العالم الإسلامي. لكن عبر تحالف سعودي–تركي–أميركي–بريطاني جرى تحرير سوريا، لحاجة أوروبا إلى طاقة الخليج بعد حرب أوكرانيا، وبعد حرب غزة أيضاً احتاج العالم إلى القضاء على أذرع إيران في لبنان، خصوصاً بعد القضاء على حماس، وبداية حرب أميركية–إسرائيلية لتحجيم إيران وأذرعها في المنطقة، ضمن صراع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين، حيث تهدف واشنطن إلى السيطرة على الممرات والطاقة لمنافسة مشروع “الحزام والطريق”.
حلف مكة أعلن أنه لن يحارب أحداً، بل هو قطب يتمتع بنفوذ إقليمي لمنع إسرائيل من ملء الفراغ بعد انهيار إيران، ولا يهدف إلى استبعاد أحد، فتركيا وباكستان لهما حدود طويلة مع طهران، وأهم وظيفة لتحالف مكة هي الردع. سقوط المخا كان الاختبار الميداني الأول لاتفاق مكة، لما لها من أهمية إستراتيجية هي والمناطق المحيطة بها المطلة على البحر الأحمر وباب المندب. كان ذلك صدمة ميدانية واختباراً مبكراً للتحالف بعد شهر واحد فقط من تأسيسه، ولا تزال الاتفاقية في مراحلها المؤسسية الأولى، ولم تُفعّل آليات التدخل العسكري المباشر في اليمن، فيما اقتصرت العمليات على إسناد جوي سعودي مكثف لاحتواء الموقف ميدانياً، باعتبار أنّ السعودية تمتلك أقوى قوة جوية في الشرق الأوسط.
سقوط المخا شكّل اختباراً ميدانياً مبكراً لتحالف مكة وأظهر الحاجة إلى تنسيق عربي–خليجي واسع لمواجهة التهديد الحوثي وتأمين البحر الأحمر وباب المندب
انقسمت التفسيرات حول السقوط المفاجئ للمخا وما حولها. ومهما كانت هذه التفسيرات، فإنّ السقوط السريع دُبّر بليل ولم يكن هزيمة عسكرية تقليدية. ومهما قيل عن أنّ العملية كانت استدراجاً للحوثيين إلى مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بعد تهديدهم أمن الملاحة العالمي في مضيق هرمز، فإنّ هذا التفسير غير منطقي، إذ لا يمكن أن تتلاشى قوات المقاومة بهذه السرعة. سقوط المخا يخدم المصالح الاستراتيجية لإيران مباشرة، فهي تعتقد أنّها قادرة على رفع أسعار النفط بعد غلق المضيقين إلى 400 دولار للبرميل. وبالفعل أعلنت طهران عن غلق المسار الجنوبي في مضيق هرمز الذي يمر بعُمان. وفي الوقت نفسه قد يدفع هذا التطور نحو تعزيز جبهة الاتفاق الإبراهيمي كخيار ردع إقليمي. فالتطور الميداني في اليمن لا يقتصر على الصراع الداخلي، بل يمثل نقطة تحول كبرى تعيد تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط وممرات الطاقة العالمية.
سيطرة الحوثيين على المخا تمنح طهران أوراق ضغط استراتيجية غير مسبوقة، إذ أصبحت تتحكم بممرين من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، ما يمنحها ورقة تفاوضية قوية لرفع الحصار عنها. كما يتيح هذا السقوط للحرس الثوري وحلفائه نقطة تمركز متقدمة للإشراف والمراقبة العسكرية المباشرة في عمق البحر الأحمر. وإن كان سقوط المخا سلاحاً ذا حدين، فهو يمنح إيران نفوذاً خانقاً، لكنه في الوقت نفسه يسرّع اصطفاف خصومها الإقليميين والدوليين لتثبيت دعائم هيكل أمني جديد يرتكز على شبكة علاقات مرتبطة بالاتفاق الإبراهيمي. لكن السعودية لديها خيارات أخرى عديدة، منها التحالف البحري الذي شكّلته في يوليو وأغسطس 2026 لإعادة هندسة الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر. وقد اكتسب هذا التحالف أهمية قصوى بعد سقوط المخا الاستراتيجية. وتشير التقارير الدبلوماسية والعسكرية إلى أنّ التحالف يعمل كركيزة محورية للتنسيق في حال اتخاذ قرار برد حاسم وجماعي ضد التصعيد الحوثي، خاصة أنّ الجماعة أعلنت سابقاً فرض ما سمّته حصاراً بحرياً على السفن المرتبطة بالسعودية واستهداف منشآت الطاقة. وستمنع المكاسب الأرضية الجديدة بعد استيلائها على المخا من فرض قيود هيكلية على حركة التجارة الدولية، والعمل كمصد دفاعي لحماية خطوط الإمداد البحرية، خصوصاً مع أنباء عن بدء الحوثيين نشر الألغام في مضيق باب المندب واستهداف جميع السفن.