هل يقود "الشنق" الاقتصادي لانهيار إيران؟

إيران تشعر أن استسلامها يقود إلى سقوط النظام، لذلك تفضل الرد بدلًا من الاستسلام وتتحدى الجهود الأميركية.
الثلاثاء 2026/09/08
أميركا تراهن على سياسة الخنق الاقتصادي

لن تتجه الولايات المتحدة إلى تحويل العمليات العسكرية إلى حرب شاملة وهي مقبلة على انتخابات نصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، باعتبارها مهمة لأن الديمقراطيين يريدون الاستيلاء على صنع القرار في الكونغرس. لكن أميركا تلجأ إلى الدفع بإستراتيجية الانهيار الاقتصادي، وتتبع إستراتيجية “الشنق” الاقتصادي، وليس فقط “الخنق”، إلى جانب القيام بعمليات عسكرية دورية محدودة لكنها موجعة، خصوصًا إذا هددت إيران السفن التي تعبر مضيق هرمز. الجيش الأميركي يرافق السفن التجارية، ففي الأول من أيلول/سبتمبر2026  رافقت40  سفينة تحمل 18 مليون برميل من النفط، مسجلة بذلك رقمًا قياسيًا في زمن الحرب، لتجنب صدمة أسعار النفط أو انهيار اقتصادي عالمي. ورغم ذلك بلغ سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة4.14  دولارًا مقارنة بـ3.19  دولارًا قبل الحرب، وانخفضت احتياطيات النفط الاستراتيجي الأميركي إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1983.

لا يرغب الطرفان في العودة إلى حرب شاملة، لكن تعطيل إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز والضغط الاقتصادي الأميركي عليها يصبحان غير قابلين للاستمرار بالنسبة لكلا الطرفين. غير أن ترامب غير مكترث الآن بإيران ويعتبر موقف أميركا أقوى بكثير، بينما تضيق الولايات المتحدة الخناق على اقتصاد إيران المنهك في ظل سعيها الحثيث لبيع نفطها. وتشعر إيران أن استسلامها يقود إلى سقوط النظام، لذلك تفضل الرد بدلًا من الاستسلام. وعندما تتجنب أميركا التصعيد العسكري وتحصر الصراع في المجال الاقتصادي، فإن إيران تنتهج إستراتيجية معاكسة، وتتحدى الجهود الأميركية في فرض واقع جديد في المضيق. وعندما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان، إنه إذا عادت الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم التي انتهت صلاحيتها في يونيو 2026، فإن الجمهورية الإسلامية سترد بالمثل وتتجنب التصعيد، مع تجنب استهداف حاملات الطائرات الأميركية. لكن كان رد ترامب أنه راضٍ عن الموقف الحالي، وقال: “نحن نسيطر سيطرة كاملة على مضيق هرمز، بينما ينهار اقتصادهم تمامًا”.

أميركا تعتمد إستراتيجية الشنق الاقتصادي ضد إيران ترافقها عمليات عسكرية محدودة فيما ينهار الاقتصاد الإيراني تحت ضغط العقوبات وتراجع قدرات أذرعها

الإدارة الأميركية تشعر بالرضا حاليًا عن وجود نوع من الاستقرار، استمرار الحصار مع السماح باستهداف دوري لقدرة إيران على تعطيل الملاحة في المضيق، إلى أن تخفض إيران سقف مطالبها للتوصل إلى حل سياسي مع ترامب، بدلًا من انتظارها تنازلات أميركية. ربط المسؤولون الإيرانيون إعادة فتح مضيق هرمز بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان كما في مذكرة التفاهم أو في هوامشها التي أزعجت دول المنطقة حينها، حتى إن البعض اعتبرها بمثابة الاتفاق النووي 5+1 في عهد أوباما عام 2015. يبدو أن حزب الله بالنسبة لإيران ليس مجرد قوة عسكرية على حدود إسرائيل، بل هو ورقة ضغط تفاوضية ورمز لمصداقية إيران إقليميًا، وعنصر مهم في سياستها الخارجية، باعتباره مرتبطًا بنفوذها الإقليمي ومصداقية شبكة حلفائها، وأن تبقى الحرب خارج أراضيها. لكن اليوم أصبحت الحرب داخل أراضيها، وهي تدفع فاتورة أرادت أن تكون سورًا يحميها، حتى أن البعض اتهم ترامب بأن طهران فرضت بعض مطالبها على المسار الدبلوماسي، واعتبروا أنه تراجع كثيرًا أمامها.

لكن الضغط الاقتصادي نجاحه مرهون أيضًا بالصين وروسيا والعديد من الدول الأخرى التي تربطها علاقات تجارية بإيران، ولن تدعم العقوبات الأميركية الأحادية. لذلك تبدو زيارة مبعوثي الرئيس ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إلى موسكو ولقاؤهما بالرئيس الروسي بوتين مركزة بشكل أساسي على إحياء مفاوضات السلام لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. وأسفرت الزيارة عن هدنة تكتيكية مؤقتة بوقف متبادل للضربات الجوية على موسكو وكييف لمدة ثلاثة أيام لتأمين تحركات الوفد الأميركي. فالإدارة الأميركية منخرطة في جهود موازية لإيقاف التصعيد والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط مع إيران. روسيا لن تجرؤ على دعم إيران بشكل كبير وواضح يعزز قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، وملفها مع أوكرانيا في يد ترامب. حتى الصين لديها مصالح كبرى مع أميركا وأوروبا ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، لا يمكن أن تفرط فيها، وفي الوقت نفسه تمسك العصا من النصف حفاظًا على مكانتها كقوة كبرى لا تستجيب لضغوط دول أخرى.

خلال لقاء مبعوثي ترامب مع بوتين، ناقشوا ملفات اقتصادية ومشاريع مشتركة محتملة بين روسيا وأميركا إلى جانب قضايا مثل رفع العقوبات والأموال الروسية المجمدة. فالدول الكبرى تبحث عن مصالحها وتلتقي مصالحها مع بعضها أكثر من مصالحها مع دول إقليمية مأزومة مثل إيران التي تتآكل قوتها وقدرتها على التفاوض خصوصًا بعد القضاء على أذرعها في المنطقة. فحزب الله كان قوة قبل حرب غزة، ولم تهاجم إسرائيل إيران إلا بعد القضاء على قوة حزب الله خلال العامين الماضيين وتدمير بنيته العسكرية، ولم يعد يمتلك قوة الردع السابقة، خصوصًا بعد التطورات الأخيرة في سوريا التي قطعت جزءًا من هذه السلسلة. أدى ذلك إلى استخدام نموذج “الردع بالحرمان” في إستراتيجية إيران، ودفعها إلى اعتماد نوع آخر هو “الردع بالعقاب”. وفي السنوات الأخيرة تغير هذان النوعان من الردع بعد إضعاف قدرات حزب الله، فأصبحت القدرات الصاروخية والمسيرة لإيران تؤدي دورًا بارزًا في الردع بالعقاب بعدما كان يقوم به حزب الله نيابة عنها، أي تقلصت قدرات الأذرع الخارجية التي كانت ساحة حروب بالوكالة.

إيران تراهن على الحوثيين وباب المندب كورقة ردع موازية لمضيق هرمز بينما تسعى واشنطن لتثبيت السيطرة ومنع طهران من تعطيل التجارة العالمية

ولا تزال إيران تنظر إلى الحوثيين كأداة ضغط إيرانية وفاعل محلي يسعى إلى تثبيت موقعه داخل محور المقاومة، وتهديدًا بحريًا شكل قلقًا لدى إسرائيل أن يبقى خارج أي تفاهمات أميركية إيرانية محتملة. ومن ثم تحول باب المندب إلى ورقة موازية لمضيق هرمز. وكانت إيران تتهيأ لليوم التالي بعد انهيار المفاوضات لتحويل مضيقي هرمز وباب المندب إلى سلاح اقتصادي، مقابل سلاح أميركا الاقتصادي ضدها، بهدف ترسيخ القدرة على تعطيل التجارة العالمية. تمت تسمية ذلك بـ “سلاح يوم القيامة الإيراني”، الذي يمثل أداة ضغط عالمية ضد المجتمع الدولي. وكانت إسرائيل ترى أن الاتفاق بين أميركا وطهران حول مذكرة التفاهم قد يمثل نهاية مرحلة واحدة من الصراع الإقليمي، لكنه بعيد عن ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط. فاليمن، وفي قلبه جماعة الحوثيين، إحدى الساحات الرئيسية التي ستختبر فيها قوة الاتفاق الحقيقية، لأن إيران ترى أن الحوثيين ليسوا مجرد جهة فاعلة محلية في اليمن، بل هم جزء من نظام الردع الإقليمي الذي أسسته على مر السنين، والسيطرة على باب المندب تمنح إيران ورقة إستراتيجية بالغة الأهمية.

لكن يواجه الحوثيون عقبات ميدانية وقدرة سعودية على تشكيل تحالفات دولية حاسمة في محاولات تخفيف الضغط عن طهران وكسر هذا المخطط الإيراني الذي كان يهدف لإعلان باب المندب مسرح نفوذ لطهران، وكبدت الجماعة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، مما حال دون سيطرتهم الكاملة على المضيق، باعتبار أن الجبهة الحوثية أداة تشتيت وابتزاز وليست أداة إنقاذ، بسبب أن التحرك الحوثي يأتي بتنسيق وتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، لفتح جبهة استنزاف أخرى بالبحر الأحمر، تزامنا مع تضرر طهران من الضغوط العسكرية والاقتصادية والقيود المفروضة على مضيق هرمز، وغير قادرة طهران على تصدير نفطها، وهناك نحو 100 سفينة ظل موجودة بالبحر تم ضرب 3 سفن فقط في 1/9/2026 ضمن 100 هدف ردا على استهدافات إيران للملاحة، ويمكن لأميركا ضرب بقية السفن إذا واصلت إيران تهديداتها للسفن التي تمر بمضيق هرمز.

هذا الدور لم ينجح في خلق اضطرابات ورفع تكلفة التامين البحري العالمي وإن كان بشكل مؤقت، وهو لا ينقذ إيران أيضا من أزمتها الإستراتيجية العميقة، بل حول سواحل اليمن إلى ساحة مواجهة كبرى يدفع الحوثيون والداخل اليمني ثمنها الكبير، وإن كانت هي فرصة يتم القضاء على الحوثيين واستعادة سيادة اليمن.

3