عاصم عبدالأمير يحترف تدوين الذاكرة على رقّ بصري

تشكيلي يحول اللوحة إلى مدونة بصرية تجمع بين حضارة بابل والواقع المعاصر.
الاثنين 2026/05/25
عالم مزدحم بمفردات طفولية

تتجلّى التجربة التشكيلية للفنان العراقي عاصم عبدالأمير كمعمار بصري يوازن بين صرامة الوعي النقدي الأكاديمي وسيولة التدفق الفطري. وعبر بوابتي الرمزية الاختزالية والهندسة الفضائية، يحوّل السطح التصويري إلى رقّ مجازي وأرشيف مفتوح يوثق الذاكرة الرافدينية والوجع الجمعي، متجاوزا الثنائية المفتعلة بين الأصالة والمعاصرة ليعيد صياغة المحلّية بأدوات الحداثة.

تتبدى التجربة التشكيلية للفنان والناقد العراقي د.عاصم عبدالأمير بوصفها معمارا بصريا ينهض على موازنة دقيقة بين جهارة الوعي النقدي الأكاديمي وسيولة التدفق الإبداعي الفطري. هو لا يرسم بعين المحاكي للمظاهر، بل بمجسات الباحث الحافر في طبقات الذاكرة الرافدينية والوجدانية. السطح التصويري عنده لا يبقى سطحا، بل يتحول إلى رقّ مجازي تتداخل فيه الأزمنة والعلامات، فتصبح اللوحة نصا مفتوحا على القراءة والتأويل.

قراءة بانورامية لتجربته تكشف نسقا بنيويا موحدا يستند إلى تفكيك الواقع وإعادة صياغته عبر بوابتين رئيسيتين: الرمزية الاختزالية، والهندسة الفضائية الصارمة. هاتان البوابتان لا تتصادمان، بل تعملان معا لإنتاج لغة بصرية قادرة على حمل الحكاية الجمعية العراقية دون أن تغرق في المباشرة التوثيقية.

أول ما يلفت النظر في أسلوب عبدالأمير هو العودة المستمرة إلى تقسيم الفضاء إلى وحدات مربعة ومستطيلة. تبدو اللوحة كخلية، أو كرقيم طيني قديم، أو كصفحة مخطوطة تراثية. هذا التقسيم واضح في الأعمال ذات الخلفيات الذهبية والصفراء، والتي تتوج أحيانا بعبارات نصية صريحة مثل المقامة العراقية.

هذا التنظيم ليس رغبة تنظيرية شكلية، هو أداة لاحتواء تدفق الحكايات. كل مربع يمثل مشهدا مستقلا وحرفا في جملة بصرية كبرى. بهذا يستعيد الفنان روح الواسطي ومقاماته، لكنه ينقلها إلى سياق معاصر. الذاكرة الجمعية العراقية تودع هنا ضمن أطر تحميها من التشتت والضياع، فتصبح اللوحة أرشيفا بصريا مفتوحا.

التقسيم المربعي يمنح المشاهد إحساسا بالانتظام، لكنه لا يلغي الحركة الداخلية. بين المربعات تتدفق الخطوط والرموز، فتحدث حوارية بين النظام والعفوية. النظام يمنع الفوضى، والعفوية تمنع الجمود. بهذه المعادلة يحافظ عبدالأمير على توازن دقيق بين البناء الأكاديمي والاندفاع الشعبي.

مفردات أيقونية

p

عالم عبدالأمير مزدحم بمفردات طفولية المظهر، لكن جذورها بابلية وسومرية. عبر خطوطه المختزلة تتحول هذه المفردات إلى أيقونات ثابتة يسهل التعرف عليها ويصعب نسيانها.

الكائنات البشرية تظهر بخطوط بدائية، بوجوه دائرية وعيون شاخصة مأخوذة من ملامح التماثيل السومرية القديمة. هذه الوجوه لا تبوح بالانفعال اللحظي، بل تعبر عن دهشة وجودية أزلية. هي تختزل الكائن الإنساني في أبهى درجات تجريده، فتصبح أقرب إلى التميمة منها إلى البورتريه.

كذلك يبدو المحيط البيئي حاضرا بقوة: الديكة، الأسماك، الطيور، القوارب المشاحيف، البيوت الطينية ذات القباب، النخيل، الأواني، هذه الكائنات ليست عناصر تزيينية، هي مفاتيح الهوية العراقية. السمكة والزورق هما عصب الحياة الرافدينية، والديك بزهوه يمثل حركية الحياة اليومية في القرية والمدينة والمحلة القديمة. الفنان يلتقط هذه المفردات ويعيد توظيفها بوصفها علامات قادرة على استدعاء السياق كله بلمحة واحدة.

وتظهر ثنائية الصيد والوجود بوضوح في الأعمال التي يهيمن عليها المناخ اللوني المائل إلى الخضرة والزرقة والبنفسج. صياد السمك يحمل قوسه أو رمحه في مواجهة كائن مائي ضخم. اللوحة تنتقل من التوثيق البيئي للأهوار وجنوب العراق إلى أسطورة صراع أزلي بين الإنسان ومصادر عيشه. الصياغة البصرية هنا تذكر باختزالات رواد الفن الحديث العراقي مثل جواد سليم وفائق حسن، لكنها تحتفظ برؤية كرافيكية معاصرة خاصة جداً، لا تقتبس بل تعيد التوليد.

الحداثة الغربية عند عاصم عبدالأمير ليست نموذجا يقلد بل مادة يتحاور معها ليؤكد خصوصية السياق العراقي

يتنقل عبدالأمير بين مناخات لونية حادة الدلالة، تعكس التحولات السيكولوجية للموضوعات المطروحة. اللون عنده ليس زخرفة، بل بنية تعبيرية.

المناخ الأصفر والذهبي يعيدنا إلى دفء الطين العراقي، إلى شمس الصحراء، إلى عتق المخطوطات التراثية والمقامات. هو لون الاحتفاء بالحياة واستنطاق التاريخ وإعادة تدويره. الخلفية الذهبية لا تمنح بريقا استعراضيا، بل تمنح إحساسا بالزمن المترسب.

المناخ الأخضر والملون يعكس مناخات الأهوار، رطوبة الجنوب، والخصوبة. الخطوط السوداء السميكة تعمل هنا كهيكل عظمي يمسك بالكتل اللونية السائلة، فتمنح اللوحة طاقة تعبيرية عالية تجمع بين عفوية الفن الفطري ورصانة التكوين الحديث. الخط يحدد، واللون ينساب، فينتج توتر بصري منتج.

المناخ القاتم والأبيض والأسود يمثل لحظة التحول النقدية. تغيب الألوان لتترك المساحة لصرامة الخط والرمز. العين داخل المثلث، التقاطعات الهندسية، المربعات الشطرنجية، كلها تقرب اللوحة من لغة التمائم والحجب السحرية القديمة. في هذه المرحلة يصبح الرسم فعل حفر في الوعي أكثر منه تلوينا.

المناخ الأحمر المتفجر يظهر في فضاءات تتداخل فيها كتل حمراء قانية مع إشارات الطائرات والتقاطعات الحادة. الأحمر هنا ليس احتفاليا، بل نذير قلق واضطراب. هو يعبر عن المنعطفات الساخنة والحروب الإقليمية التي عاشها ويعيشها الإنسان في هذا المكان من العالم. اللوحة تتحول إلى وثيقة احتجاج صامتة، إلى سجل بصري للوجع الجمعي.

الحداثة والبدائية

pp

من الناحية الأكاديمية لا يمكن فصل أعمال عبدالأمير عن منجز رواد جماعة بغداد للفن الحديث، لكنه يذهب أبعد نحو تقشير الشكليات. يلتقي مع بول كلي في استلهام خطوط الأطفال والفنون البدائية، ويلتقي مع خوان ميرو في عفوية الرمز وسيلانه. الفرق أن المشهد عنده يظل محملا بالمحلية. الخط عنده ليس ترفا تجريديا، بل هو حزّ على الطين، وبقايا وشوم على أجساد الأمهات، وتفاصيل شناشيل ونوافذ بغدادية وموصلية وجنوبية. الحداثة الغربية عنده ليست نموذجا يقلد، بل مادة يتحاور معها ليؤكد خصوصية السياق العراقي.

بهذا يتجاوز عبدالأمير الثنائية المفتعلة بين الأصالة والمعاصرة. هو لا يعود إلى التراث ليعيد إنتاجه، ولا يهرب إلى الحداثة لينكر أصله. هو يخلق منطقة وسطى يعمل فيها التراث بوصفه لغة حية قابلة للتحول.

مجمل أعمال عبدالأمير تمثل موسوعة بصرية لذاكرة بابلية إسلامية معاصرة. هو يمارس الرسم بوصفه فعلا لفك الشفرات وتدوينها في آن واحد. لوحاته لا تقرأ كمشاهد عابرة، بل كنصوص بصرية مركبة تحتاج من المتلقي أن يكون قارئا للتاريخ، ومتذوقا للشعر، وشريكاً في فك العزلة عن تلك الكائنات الشاخصة في مربعاتها.

لوحات لا تقرأ كمشاهد عابرة بل كنصوص بصرية مركبة تحتاج من المتلقي أن يكون قارئا للتاريخ ومتذوقا للشعر

المركزية في تجربته هي فكرة المدونة. اللوحة مدونة، سجل، صحيفة يومية للذاكرة الجمعية. كل مربع خبر، كل رمز جملة، كل لون تعليق. بهذا يتحول الفنان إلى مؤرخ بصري، لكنه مؤرخ لا يلتزم بالترتيب الزمني الخطي. الزمن عنده دائري، متداخل، قابل للعودة والاستدعاء.

هذا الموقف يجعل من أعماله قابلة للقراءة على مستويات متعددة. المشاهد العادي يلتقط الإيقاع اللوني والخطي، والمشاهد المثقف يقرأ الإحالات إلى الواسطي والسومري والحداثة العراقية، والمشاهد الناقد يكتشف البنية العميقة التي تربط بين الشكل والدلالة.

قوة تجربة عبدالأمير تكمن في قدرتها على تحويل المحلي إلى عالمي دون أن تفقد ملموسيتها. الرموز البابلية والسومرية لا تظهر كاقتباس متحفي، بل كعناصر حية تشتغل داخل بنية معاصرة. الهندسة الفضائية تمنع الانزلاق إلى العفوية المطلقة، والعفوية تمنع الانزلاق إلى الجمود الأكاديمي.

التجربة أيضا مهمة لأنها تعيد الاعتبار للرسم بوصفه لغة سردية. في زمن هيمنة الصورة الرقمية والسريعة، يصر عبدالأمير على أن اللوحة يمكن أن تكون كتابا، وأن المربع يمكن أن يكون صفحة، وأن الخط يمكن أن يكون حفرا في الذاكرة.

الحدود المحتملة تكمن في خطر أن يتحول التوقيع البصري إلى علامة قابلة للتكرار. تكرار المربعات والرموز قد ينتج إيقاعا متوقعا إذا لم يرافقه تجديد في العلاقات الداخلية للعمل. لكن المتابعة الدقيقة لتجربته تظهر أنه واع بهذا الخطر، فهو يلعب على المناخات اللونية، وعلى كثافة الخط، وعلى حجم الوحدات، ليكسر التوقع ويعيد إنتاج الحيوية.

عاصم عبدالأمير لا يرسم مشاهد، بل يدون حالات، لوحاته أرشيف حي للذاكرة العراقية، أرشيف لا يغلق ولا يتوقف عند لحظة تاريخية واحدة. هو يربط بين بابل واليوم، بين المقامة والخبر العاجل، بين التميمة واللوحة المعاصرة.

oo

بهذا يثبت أن الفن التشكيلي قادر على أن يكون فعل معرفة، لا مجرد متعة بصرية. المتلقي الذي يقف أمام أعماله لا يكتفي بالمشاهدة، بل يجد نفسه مدعواً إلى القراءة، إلى فك الرموز، إلى استعادة الحكاية التي تخصه وتخص المكان.

تجربة عبدالأمير تذكّرنا بأن الحداثة الحقيقية لا تبدأ بإنكار الماضي، بل بتحويله إلى لغة قادرة على الكلام عن الحاضر. وهي لغة يقدمها عبدالأمير بلغة واضحة، دقيقة، ومحملة بالمحبة للطين الذي جاء منه.

يذكر أن عاصم عبدالأمير ولد في العراق، بالديوانية عام 1954. أكمل دراسته فيها عام 1971، ونال بكالوريوس أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1979. حصل على الماجستير في الرسم في جامعة بغداد، وعلى الدكتوراه في الفن الحديث في كلية الفنون جامعة بغداد عام 1997. حاز جائزة الإبداع للدراسات الفنية من وزارة الثقافة العراقية، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بغداد، وجائزة الإبداع العراقية المقدمة من وزارة الثقافة عام 2011. يعمل أستاذا في كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل. شارك في العديد من المعارض التشكيلية في العراق، الأردن، القاهرة، الإمارات، الكويت، سويسرا، فرنسا ودول أخرى.

9