ترامب في بكين: رجل الصفقات في بلد يعرف كيف ينتظر
عندما تطأ قدم رئيس أميركي الأراضي الصينية بعد غياب تسع سنوات، يفترض المرء أن هناك لحظة تاريخية على وشك الحدوث. لكن حين يكون ذلك الرئيس هو دونالد ترامب، وتكون الصين قد تعلمت خلال تلك السنوات كيف تتعامل مع “رجال الصفقات” المتقلبين، فإن المشهد يتحول من دراما جيوسياسية إلى سوق تفاوضي راقٍ.
لم يحضر ترامب إلى بكين ليصنع السلام أو ليعلن تحالفا جديدا، بل جاء بعقلية رجل العقارات: يريد تخفيض رسوم جمركية، وفتح أسواق، وتفاهمات حول الطاقة، وتهدئة في ملفات حساسة مثل إيران وتايوان. في المقابل، يقدم وعودا فضفاضة تعكس جوهر عقليته وتكشف معضلة الصين في التعامل معه.
منذ مصافحة نيكسون لماو عام 1972، ظلّت العلاقة بين واشنطن وبكين تتأرجح بين الانفتاح الحذر والتنافس الصلب. لكن ترامب، بخلفيته كرجل أعمال أكثر منه رجل دولة، يقرأ هذه العلاقة من زاوية مختلفة: الصين ليست مجرد قوة صاعدة، بل خصم اقتصادي لا يمكن عزله وشريك لا يمكن الاستغناء عنه. في ذهنه، السياسة الخارجية ليست بناء تحالفات طويلة الأمد، بل عقد صفقات آنية يمكن تسويقها داخلياً كإنجازات. لذلك، حين يجلس مع شي جينبينغ، يجتهد بحثاً عن مكاسب سريعة مثل تخفيض الرسوم الجمركية، وفتح الأسواق أمام شركات أميركية كبرى، وتفاهمات مؤقتة حول الطاقة، وإشارات تهدئة في ملف تايوان. هذه المطالب تشكّل جوهر ما يتوقعه من بكين، وهي في الوقت نفسه تعكس حدود تفكيره.
زيارة ترامب إلى بكين ليست تحالفا جديدا بل صفقة آنية؛ يريد مكاسب سريعة بينما الصين تختبر حدود براغماتيته وتنتظر اعترافا بدورها الإستراتيجي
الصين من جانبها لا ترى في الزيارة تتويجا لعلاقة متوترة، بل فصلا جديدا في لعبة قديمة: كيف تتعامل مع قائد يرى العالم كسوق مفتوحة، حيث كل شيء له ثمن، والولاءات مجرد بنود في عقد قابل لإعادة التفاوض. بكين تدرك أن الرجل يطلب تنازلات إستراتيجية، لكنه يعرض في المقابل براغماتية تكتيكية، والصين لا تشتري بضاعة بهذا السعر. فهي تريد استقرارا إستراتيجيا طويل الأمد، لا وعودا انتخابية عابرة. أي انسحاب أميركي مؤقت من التوتر حول تايوان هو، من منظور صيني، مجرد هدنة انتخابية، وأي تخفيض جمركي هو مجرد مسكن ألم. ما تريده بكين حقا هو إعادة هيكلة للعلاقة، لا صفقة آنية.
لكن الصين لن تمنح ترامب صورته الانتخابية مجاناً. بكين تدرك أن ترامب يريد “صفقة القرن” التي تخرجه من مأزق إيران وتوفر له فوزا دعائيا، لكنها تعرف أيضا أن أميركا باتت أكثر حاجة إلى الصين. هذا الاختلال في المعادلة هو ما يجعل لقاء بكين مختلفا عن أي لقاء جمع ترامب بزعيم آخر.
بالنظر إلى طبيعة الطرفين، يمكن توقع سيناريو واقعي يتضمن تفاهمات مؤقتة حول تخفيض بعض الرسوم الجمركية في قطاعات محددة مثل الزراعة والطاقة، وهدنة سياسية ضمنية مع استمرار المناورات العسكرية من الجانبين، واتفاقات استكشافية حول التعاون في أسواق الطاقة، وبيانا ختاميا عاما يصف “العلاقة البناءة” دون تفاصيل جوهرية. ومع ذلك، ليس من المرجح حدوث حل جذري لملف تايوان أو اعتراف أميركي بموقف الصين، ولا اتفاق شامل حول التكنولوجيا الحساسة مثل الرقائق والذكاء الاصطناعي، ولا شراكة إستراتيجية طويلة الأمد تتجاوز ولاية ترامب المحتملة. السيناريو الأكثر ترجيحا هو صفقة “تجميد النزاع” بدلاً من حله، حيث ستمنح بكين ترامب صورا وفواتير تجارية مقابل أن يمنحها هو الهدوء المؤقت في بحر الصين الجنوبي وتايوان، لكن لا أحد يخدع نفسه فهذا مجرد تجميد للصراع وليس حلا له.
انعكاسات القمة تتجاوز العلاقات الثنائية، فموقف الصين من إيران سيؤثر على مسار الحرب في الخليج، وموقفها من تايوان سيحدد شكل التوازن في آسيا. وإذا استغلت بكين حاجة واشنطن، فقد توسّع نفوذها في أفريقيا ومضيق هرمز، ما يعيد رسم خريطة النفوذ الدولي. بالنسبة لترامب، النجاح لا يُقاس بمدى استقرار العلاقة، بل بقدرته على انتزاع تنازلات آنية يمكن تسويقها سياسياً في حملته الانتخابية. أما بالنسبة للصين، فالقمة فرصة لاختبار حدود براغماتية ترامب ومعرفة ما إذا كان مستعدا لتقديم تنازلات حقيقية أم أنه يكتفي بالرمزية.
القمة تحمل رمزية كبرى لكنها تفتقر للجوهر؛ بكين تمنح صورا وهدوءا مؤقتا وترامب يسوّق إنجازا انتخابيا فيما يبقى الصراع مجمدا دون حلول
لنكن واقعيين: ترامب في زيارته الأولى عام 2017 غادر بكين حاملا بعض الوعود بالرسوم الجمركية المخففة مؤقتا، لكنه لم يحصل على ضمانات بشأن تايوان ولا على تفاهم حول التكنولوجيا الحساسة. حصل بدلا من ذلك على دعوة للاستثمار في “ممرات الحرير” الصينية، وهو ما بدا لإدارته وكأنه ابتلاع لإستراتيجية بكين بدلاً من مواجهتها. الصين من جهتها خرجت بفهم أوضح لحدود البراغماتية الأميركية. ترامب ليس رجلا يمكنه تقديم تنازلات إستراتيجية لأنه ببساطة لا يملك رؤية إستراتيجية. عقلية “رجل الأعمال” التي يفتخر بها هي بالضبط ما تجعله غير صالح لشراكة طويلة الأمد. إنه يبحث عن ربح سريع، بينما الصين تبني طرقا تمتد لعقود.
هذا الاختلاف الجوهري يجعل القمة ناجحة بشكل سطحي لكنها هشّة في العمق. تاريخ العلاقات الصينية – الأميركية يعيد نفسه، لكن مع كل مرة تصبح الصين أقل حاجة إلى أميركا وأميركا أكثر حاجة إلى الصين.
ترامب، الذي جاء إلى بكين يبحث عن صفقة، قد يجد نفسه مضطرا إلى القبول بصفقة أقل مما كان يأمل، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه في حسابات بكين الباردة مجرد “متغير مؤقت” في معادلة طويلة الأمد. السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا اللقاء ليس “من ربح القمة؟” بل “هل يستطيع أي رئيس أميركي، سواء كان ترامب أو غيره، أن يقدم للصين ما تريده حقا، أي الاعتراف بأن آسيا لم تعد ساحة خلفية أميركية؟”. حتى يحين ذلك اليوم، ستبقى زيارة بكين مجرد محطة أخرى في رحلة طويلة، ورجل أعمال في البيت الأبيض مجرد عابر سبيل أمام إمبراطورية تعرف كيف تنتظر.
في النهاية، زيارة ترامب إلى بكين هي اختبار لقدرته على تحويل عقلية “رجل الصفقات” إلى سياسة خارجية متماسكة. والسؤال الحقيقي ليس هل يريد علاقة جيدة مع الصين؟ بل هل يستطيع أن يوازن بين حاجته إلى شريك اقتصادي قوي ورغبته في البقاء سيد اللعبة الدولية؟ الصين، بدورها، تختبر حدود براغماتيته قبل أن تمنحه ما يريد، وتبقى العلاقة بين واشنطن وبكين محكومة بمعادلة معقدة: خصومة لا يمكن تجاوزها، وشراكة لا يمكن الاستغناء عنها.