العالم يدين بوليساريو
استهداف مدينة السمارة المغربية من طرف ميليشيات بوليساريو في 5 أيار/مايو لم يبق في حدود حادث ميداني، لأن ما أعقبه من مواقف دولية أظهر سريعاً أن الأمر يتجاوز واقعة أمنية منفصلة إلى محطة سياسية ذات دلالة ثقيلة في مسار النزاع.
خلال أيام قليلة، صدرت إدانات واضحة من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لحقت بها مواقف أخرى من بلجيكا والتشيك والإمارات وليبيريا، في مشهد قوي من حيث سرعة التفاعل واتساعه وتقاطع رسائله الأساسية. أهمية هذا التراكم لا تتحدد بعدد البيانات في حد ذاته، بل بما يعكسه من تموضع صادر عن جهات وازنة داخل مجلس الأمن والمنظومة الأممية والفضاء الأوروبي، ثم من دول أخرى اختارت بدورها أن تتحدث بلغة صريحة إزاء ما جرى في السمارة.
ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، هي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، خرجت كل واحدة منها بإدانة واضحة للهجوم. وهذه النقطة وحدها تكفي لإبراز أن الملف دخل، بعد استهداف السمارة، مرحلة أكثر حساسية على المستوى الدولي. داخل مجلس الأمن لا يتعلق الأمر بمواقف دول عادية، بل بدول تملك التأثير الأكبر في رسم المناخ السياسي الذي يتحرك فيه النزاع، وفي توجيه لغة القرارات الأممية.
الموقف الأميركي يبقى الأثقل من حيث أثره السياسي والاستراتيجي، بالنظر إلى أن واشنطن ليست فقط عضواً دائماً في مجلس الأمن، وإنما هي أيضاً الدولة التي أحدثت المنعطف الأكبر في هذا الملف منذ الاعتراف التاريخي بسيادة المغرب على الصحراء عام 2020. وعندما تربط الولايات المتحدة هجوم بوليساريو على السمارة بتهديد الاستقرار الإقليمي وبالإضرار بالتقدم نحو السلام، فهي تضع الفعل العدائي في تعارض مباشر مع الاتجاه الذي تدفع هي نفسها إليه داخل هذا الملف.
هجوم بوليساريو على السمارة فجّر موجة إدانات دولية واسعة أكدت أن النزاع تجاوز حادثاً أمنياً ليصبح محطة سياسية تكشف وزن المغرب المتصاعد
أما الموقف الفرنسي فقد حمل بدوره دلالة لا تقل وزناً، لأن باريس لم تكتف بإدانة الهجوم، بل وصلت هذه الإدانة بالإطار السياسي الذي ترى أنه يشكل أساس التسوية النهائية، حين شددت على أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الأساس الوحيد للحل. فرنسا هنا لا تتحرك فقط بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، بل أيضاً باعتبارها دولة مركزية داخل التوازن الأوروبي وداخل النقاش الأممي المتصل بالصحراء. لذلك فإن وضوح موقفها يعزز الانطباع بأن الإدانة الدولية لم تعد تقتصر على رفض التصعيد الأمني، وإنما صارت متلازمة بشكل أوضح مع تثبيت المرجعية السياسية التي يتحرك داخلها الحل.
ثم جاء الموقف البريطاني ليعطي هذه السلسلة وزناً إضافياً بالغ الأهمية، لأن لندن تمثل العضو الدائم الثالث في مجلس الأمن الذي أدان هجوم بوليساريو على السمارة. وهذا يجعل المشهد أكثر وضوحاً، فنحن أمام ثلاثة من أصل خمسة أعضاء دائمين داخل المجلس يتحركون، خلال فترة زمنية قصيرة، في الاتجاه نفسه. وبريطانيا لم تصدر موقفها من فراغ، فهي كانت قد أعلنت دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق من أجل تسوية دائمة. وعندما تعود اليوم لتدين هجوماً تبنته بوليساريو وتعتبره مهدداً لجهود السلام، فإنها تضيف إلى الموقفين الأميركي والفرنسي بعداً مؤسساتياً وسياسياً بالغ الوضوح.
الأمم المتحدة، من جهتها، أرسلت واحدة من أكثر الإشارات دلالة في هذه اللحظة، ليس فقط بسبب مضمون ما قيل، بل أيضاً إذا ما قورنت بمحطات سابقة كانت فيها اللغة الأممية أكثر ميلاً إلى العمومية والتحفظ. في الإحاطة الصحافية اليومية، تحدث ستيفان دوجاريك بوضوح عن قلق ستافان دي ميستورا والمينورسو من الهجوم قرب السمارة، وأشار إلى إطلاق نار على مناطق مدنية، مع التشديد على ضرورة العودة إلى وقف إطلاق النار وإعطاء الأولوية للحوار والمفاوضات. وقيمة هذا الموقف أن الأمم المتحدة لم تكتف هذه المرة بصيغة تقنية أو فضفاضة، وإنما ربطت ما جرى في السمارة بمسار العملية السياسية نفسها.
الاتحاد الأوروبي بدوره خرج عن اللغة الرمادية التي كانت أحياناً تميز بعض المواقف الأوروبية، لأن التصريح الصادر عن سفير الاتحاد في المغرب لم يقتصر على الدعوة إلى التهدئة أو الشجب العام، وإنما أدان الهجوم وربط المرحلة بقرار مجلس الأمن 2797 وبمخطط الحكم الذاتي المغربي. وهنا تظهر إحدى أهم دلالات هذا التطور، لأن بروكسل لم تفصل بين الإدانة الأمنية وبين الإطار السياسي للحل، بل جمعتهما في رسالة واحدة. كما أن موقفي بلجيكا والتشيك أكدا أن الأمر لا يتعلق فقط بصوت مؤسساتي صادر عن الاتحاد الأوروبي، وإنما باتجاه أوروبي أوسع تتقاطع داخله دول أعضاء في التأكيد على أن استهداف السمارة من طرف بوليساريو يهدد الاستقرار ويصطدم بالمرجعية التي أصبح القرار 2797 يعيد تثبيتها بشكل متزايد.
وتكتسب بقية المواقف أهميتها من كونها وسعت النطاق الجغرافي والسياسي للإدانات، بما أخرج التفاعل الدولي من دائرة القوى الغربية والأممية وحدها. الإمارات، على سبيل المثال، ذهبت إلى توصيف ما جرى بأنه هجوم إرهابي، وهو اختيار لغوي وسياسي له وزنه، لأنه يعكس مستوى أعلى من الحدة في التعاطي مع استهداف مدينة مدنية، كما أنه يربط الواقعة مباشرة بتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة. أما ليبيريا فقد أدانت هجمات بوليساريو على المدنيين في السمارة، وهو موقف مهم من داخل الفضاء الأفريقي والأممي معاً، لأنه يبين أن التفاعل مع الهجوم لم يعد محدوداً في محور بعينه. وهذه النقطة تضيف بعداً مهماً إلى القراءة العامة، لأن قيمة الإدانات لا تتحدد فقط بوزن كل دولة على حدة، وإنما أيضاً بالمدى الذي تنجح فيه في خلق مناخ دولي يتعزز بالتراكم.
تلاقي مواقف واشنطن وباريس ولندن مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أبرز أن الحل يترسخ داخل الحكم الذاتي المغربي فيما بوليساريو تواجه عزلة متزايدة
ما تكشفه هذه السلسلة، في مستوى أعمق، أن القرار 2797 بدأ يشتغل سياسياً بوتيرة أوضح مما كان عليه الأمر في السابق. لم يعد هذا القرار مجرد مرجع أممي، وإنما يتكرس يوماً بعد يوم كإطار حصري للحل يحدد طريقة قراءة الفاعلين الدوليين لما يجري على الأرض، ويعيد ربط أي حديث عن التفاوض بالسقف السياسي الذي بات يتجه أكثر فأكثر نحو حصر التسوية داخل مخطط الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية. وهذا ما يفسر أن عدداً مهماً من المواقف التي صدرت بعد هجوم السمارة لم يكتف بالشجب، وإنما قرن الإدانة بالتذكير بأن الحل يوجد داخل هذا الإطار تحديداً.
هذه الدينامية تستحضر، بشكل طبيعي، ما جرى في الكركرات سنة 2020. يومها أيضاً أدى تصرف بوليساريو إلى تسريع زخم دولي واسع أيد تحرك المغرب واستنكر ما أقدمت عليه الجبهة، قبل أن يأتي بعد ذلك الاعتراف الأميركي التاريخي الذي أحدث تحولاً عميقاً في مسار النزاع. والمقارنة هنا تظل ذات معنى سياسي واضح، لأن المشترك بين اللحظتين أن فعلاً ميدانياً أقدمت عليه بوليساريو أطلق سلسلة مواقف دولية متقاربة انتهت إلى تقوية الاتجاه المؤيد للمغرب وإلى مزيد من تثبيت المرجعية التي يتحرك داخلها الحل.
في المدى القريب، تبدو فرضية اتساع دائرة الإدانات واردة بقوة، ليس فقط لأن التفاعل جاء سريعاً، وإنما لأن طبيعته نفسها تولد أثراً سياسياً جاذباً على عواصم أخرى. حين تتحرك الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في وقت متقارب، ثم تخرج الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن اللغة الباردة، وتلتحق بعد ذلك دول أخرى من فضاءات مختلفة، فإننا نكون أمام بداية مناخ سياسي يصعب على أطراف دولية أخرى تجاهله. وفي مثل هذه اللحظات، لا تبقى البيانات مجرد مواقف منفصلة، بل تصبح جزءاً من تموضع أوسع يأخذ في التبلور، وقد يترجم خلال الأيام والأسابيع المقبلة في مواقف إضافية، أو في لغة أممية أكثر صراحة، أو في مزيد من الضغط من أجل تحصين وقف إطلاق النار، ودعم مهمة دي ميستورا، وربط أي تقدم تفاوضي بالإطار الذي أصبح يتقدم بثبات، وهو الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية.
المهم في كل هذا أن الإدانات المتتالية لهجوم بوليساريو على السمارة لا تقدم فقط صورة عن ردود فعل ظرفية، وإنما تكشف عن لحظة فرز سياسي تتضح ملامحها أكثر مع كل بيان جديد. وزن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا داخل مجلس الأمن، ووضوح الأمم المتحدة بعد مراحل سابقة من الحذر، وانخراط الاتحاد الأوروبي ثم بقية الدول في الاتجاه نفسه، كلها عناصر تقول إن ما وقع في السمارة لم يمر دولياً كحادث هامشي. العالم يتعامل معه باعتباره تصعيداً خطيراً مسّ الاستقرار وأصاب المدنيين واصطدم بمسار سياسي يتجه أكثر فأكثر نحو ترسيخ الحل داخل الإطار المغربي. وهذه هي الدلالة الأبرز التي يرجح أن يزداد معناها وضوحاً كلما استمر هذا الزخم خلال الأيام المقبلة، لأن التراكم الدولي لا يقتصر على تسجيل المواقف، بل يخلق بيئة سياسية جديدة تضيق فيها هوامش المناورة أمام بوليساريو، وتتعزز فيها مكانة المغرب كطرف وحيد قادر على تقديم حل واقعي وذي مصداقية.
بهذا المعنى، فإن واقعة السمارة لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل محطة سياسية أعادت ترتيب المشهد الدولي حول النزاع، وأكدت أن أي محاولة لتقويض الاستقرار أو تعطيل المسار السياسي ستواجه برد جماعي متزايد. والنتيجة أن بوليساريو تجد نفسها اليوم أمام عزلة أعمق، فيما المغرب يراكم دعماً دولياً متصاعداً يرسخ مبادرته للحكم الذاتي تحت سيادته الوطنية كخيار وحيد للحل.