لا تسمعوا ترامب، راقبوا الإستراتيجية

كل ورقة راهنت عليها طهران انقلبت ضدها؛ إغلاق هرمز وضرب الجوار والرهان على الصين انتهت جميعها عبئاً عمّق العزلة وأضعف القدرة التفاوضية.
الثلاثاء 2026/04/21
واشنطن حدّدت إيقاع التصعيد

ما جرى منذ بداية المواجهة مع إيران أقرب إلى عملية تفكيك منهجية تتجاوز في تعقيدها الحرب التقليدية. مسار واحد دمج الضربة العسكرية بالضغط الاقتصادي بهندسة التفاوض، وكل خطوة فيه صُمّمت لتضيّق الخيارات أمام طهران، إلى أن وجدت مضيق هرمز محاصراً أميركياً وهي غير قادرة على إطلاق رصاصة واحدة.

أربعون يوماً والعالم يتابع تصريحات ترامب وتهديداته المتقلبة بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء وتحويل إيران إلى “العصر الحجري”. الضجيج كان عالياً بما يكفي ليحجب المسار الحقيقي، إلى درجة دفعت كثيراً من المحللين إلى استنتاج تخبط واشنطن. غير أن القراءة بأثر رجعي تكشف مساراً مترابطاً.

الضربة الافتتاحية استهدفت بنية القرار: مقتل المرشد الأعلى ورئيس الأركان وعشرات من كبار القيادات في ضربات متزامنة خلال ثلاثين ثانية أزال الطبقة التي تملك صلاحية اتخاذ قرارات كوقف إطلاق النار أو التصعيد المحسوب أو التفاوض من موقع قوة. ما تبقى من هيكل الدولة قضى الأيام التالية في ملء الفراغ: مجلس قيادة مؤقت، ثم تعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً، وبيانات ولاء متسارعة. طهران ردّت بوابل من الصواريخ والمسيّرات على دول المنطقة والقواعد الغربية، أكثر من 4600 مقذوف وُجّه نحو دول الجوار وخصوصاً الإمارات، مقابل نحو 930 استهدفت إسرائيل. الحساب الإيراني كان واضحاً: ضرب الجوار لإجبار الدول المتضررة على الضغط على واشنطن لوقف الحرب، واستخدام الألم الاقتصادي والأمني في الخليج ورقة تفاوضية بالوكالة. غير أن الرهان انقلب؛ الإمارات تصدّت بنسبة اعتراض تجاوزت 92 في المئة، والدول المستهدفة تحوّلت من وسيط محتمل إلى طرف معاد، والعزلة الإيرانية تعمّقت بدل أن تنكسر.

المواجهة مع إيران كشفت أن الحرب لم تكن تقليدية بل عملية تفكيك منهجية دمجت الضربة العسكرية بالضغط الاقتصادي لتضيّق الخيارات وتفرض حصاراً شاملاً

واشنطن في المقابل حدّدت إيقاع التصعيد منذ اللحظة الأولى: ضربات مركّزة على مراكز القيادة والسيطرة ومنظومات الدفاع الجوي ومنصات الإطلاق. معدل إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية انخفض بشكل حاد خلال الأسبوع الأول نتيجة استنزاف المخزون وتدمير المنصات في آن واحد. ثم انتقلت الضربات إلى طبقة أعمق: مقرات الحرس الثوري، مخازن الأسلحة، القواعد الاستخباراتية. وبعد أسابيع قُتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً أمنياً رفيعاً. لاريجاني كان يُعتبر القيادة الفعلية للبلاد بعد مقتل خامنئي، والرجل الذي أُعدّ مسبقاً لإدارة المرحلة الانتقالية. إزاحته أزالت آخر عقل استراتيجي قادر على بناء مسار تفاوضي متماسك من الداخل.

الطائرات الأميركية ضربت المنشآت العسكرية في جزيرة خرج التي يمر عبرها 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية مرتين، وتركت البنية النفطية سليمة في المرتين. الرسالة كانت واضحة: واشنطن تحتفظ بشريان النفط الإيراني ورقة قادرة على تمزيقه في أي لحظة. في المقابل اعتقدت إيران أنها تملك ورقة مقابلة حين أغلقت هرمز أمام العالم وسمحت لنفطها وحده بالعبور إلى الصين، وجنت نحو خمسة مليارات دولار خلال أربعين يوماً. بدت المعادلة مربحة، لكن هذا الربح كان الطُعم؛ فبعد فشل محادثات إسلام آباد فرض ترامب حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، وخلال 36 ساعة توقفت التجارة البحرية من إيران وإليها بالكامل. وزير الحرب هيغسيث قال: “نحن نستخدم أقل من عشرة في المئة من قوة بحريتنا، وإيران تملك صفراً في المئة من بحريتها”. الإغلاق الذي ظنته طهران ورقة ضغط على العالم تحوّل إلى الحبل الذي يلتف حول رقبتها.

بعد ثلاثة أيام من فرض الحصار، مضت واشنطن أبعد وسحبت من يد طهران آخر ورقتين كانت تعوّل عليهما خارج حدودها. وزير الخزانة سكوت بيسنت أعلن أن الوزارة حذّرت بنكين صينيين بأن أي أموال إيرانية في حساباتهما تعني عقوبات ثانوية فورية، وأن التراخيص العامة التي كانت تسمح بتدفق النفط الروسي والإيراني لن تُجدّد. وترامب أعلن أن الصين وافقت على عدم إرسال أسلحة إلى إيران. بقرارين من واشنطن قُطع الممر المالي الصيني وأُغلق شريان النفط الروسي، وتحوّل الحصار من إجراء عسكري ضد دولة واحدة إلى إعادة ترتيب لموازين القوة في ثلاث عواصم دفعة واحدة.

الأرقام تتحدث عن حجم الانهيار: الحكومة الإيرانية قدّرت الأضرار بنحو 270 مليار دولار كتقدير أولي مرشح للارتفاع نحو تريليون دولار. البنك المركزي أبلغ الرئيس بزشكيان بأن إعادة البناء قد تحتاج إلى 12 عاماً. الريال فقد قدرته الشرائية الدولية وأصبح أقل العملات قيمة في العالم، واضطرت الحكومة إلى طرح ورقة نقدية من فئة عشرة ملايين ريال تساوي سبعة دولارات. صادرات البتروكيماويات التي كانت تدرّ ما بين 13 و15 مليار دولار سنوياً أُوقفت بالكامل.

إغلاق هرمز منح واشنطن ذريعة الحصار، والصين تراجعت تحت ضغط العقوبات. كل ورقة بدت رابحة في لحظتها، وانتهت جزءاً من مسار ضيّق الخيارات

الهدنة تنتهي في 22 أبريل، وعلى مدى ستة أسابيع انقلبت كل ورقة رفعتها إلى عبء: الضربات على ست عشرة دولة عمّقت العزلة، إغلاق هرمز منح واشنطن ذريعة الحصار، والصين تراجعت تحت ضغط العقوبات. كل ورقة بدت رابحة في لحظتها، وانتهت جزءاً من مسار ضيّق الخيارات.

في اليوم الخمسين للحرب، أعلن عراقجي فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة التجارية، قيّد الإعلان بعبارتين: “تماشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان” و”خلال الفترة المتبقية من الهدنة”، في محاولة لتقديم التنازل كأنه قرار سيادي. لكن التوقيت يكشف العكس؛ المضيق فُتح تحت الحصار البحري الأميركي وبشروط الطرف الآخر.

عراقجي، وزير خارجية إيران ومفاوضها، وضع خلاصة تجربته في كتاب بعنوان “قوة التفاوض”. وترامب سبقه بعقود بكتاب “فن الصفقة”. لكن ما كشفته هذه المواجهة أن الطاولة وحدها لا تصنع النتيجة، وأن فن التفاوض يبدأ حيث تنتهي قدرة الخصم على قول “لا”. ومن يريد أن يفهم ما حدث، عليه ألا يستمع إلى ما يقوله ترامب ولا إلى ما يصرح به عراقجي، بل أن يقرأ ما فعلته الإستراتيجية على الأرض.

6