أزمة 2026: النفط يعيد رسم جغرافيته

كل برميل من الفجيرة، وكل شحنة من ينبع، وكل ممر بري–بحري يربط موانئ الخليج، يضيف مساراً جديداً لخريطة الأزمة.
الاثنين 2026/05/11
ما يجري اليوم أوسع من برنت فوق مئة دولار

في تاريخ النفط، تقاس الأزمات الكبرى بما تتركه خلفها في بنية السوق. حظر 1973 أنشأ وكالة الطاقة الدولية والمخزونات الإستراتيجية، وأفضى إلى اتفاق تسعير النفط بالدولار الذي ثبّت العملة الأميركية كعمود للنظام المالي العالمي. غزو الكويت عام 1990 ربط أمن إمدادات النفط بالوجود العسكري الغربي في الخليج، وأسّس معادلة الحماية مقابل استقرار التدفقات. وفي 2016، جاء تحالف أوبك+ ليضم روسيا ومنتجين آخرين في منظومة تنسيق إنتاجي وُلدت في لحظة فائض وأسعار منخفضة، لكنه فرض على منتجين كبار سقوفاً لم تعد تعكس أوزانهم الفعلية. الإمارات، التي رفعت طاقتها إلى نحو خمسة ملايين برميل يومياً باستثمارات بلغت 150 مليار دولار، وجدت نفسها محبوسة عند حصة 3.2 مليون، إلى أن أعلنت خروجها من المنظمة والتحالف في الأول من مايو 2026 بعد 59 عاماً من العضوية.

أزمة 2026 تنتمي إلى هذه السلسلة، لكنها تضيف عنصراً أكثر عمقاً: إعادة رسم المسارات التي يمر منها النفط. ما يجري اليوم أوسع من برنت فوق مئة دولار، وأعمق من مخزونات تُسحب بوتيرة استثنائية، وأخطر من أسواق تنتظر خبراً من هرمز لتسعّر اليوم التالي. جوهر الأزمة أن العالم اكتشف، مرة أخرى، أن أمن الطاقة يبدأ من الخريطة قبل أن يبدأ من منصة التداول.

مضيق هرمز كان دائماً رقماً كبيراً في الحسابات. في 2025، عبره نحو عشرين مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، هبطت التدفقات عبره إلى أقل من عشرة في المئة من مستويات ما قبل الصراع، وفق وكالة الطاقة الدولية. عند هذه النقطة تحوّل هرمز من ممر جغرافي إلى اختبار للنظام النفطي العالمي كله: كم يستطيع العالم أن يتحمل حين يصبح شريان بهذا الحجم رهينة قرار عسكري؟

أزمة 2026 تكشف أن أمن الطاقة يبدأ من الجغرافيا حيث تحوّل مضيق هرمز إلى اختبار عالمي وأجبرت الدول على بناء مسارات بديلة

وكالة الطاقة الدولية تصف ما يجري بأنه أكبر صدمة إمداد نفطي في التاريخ المسجّل، و”جي بي مورغان” تحذّر من “وهم الوفرة”: الأرقام الإجمالية توحي بهامش أمان، لكن الجزء القابل للاستخدام أصغر بكثير، وحين ينفد قد يتضاعف العجز إلى ثمانية ملايين برميل يومياً، وعندها ينتقل العالم من أزمة أسعار إلى نقص مادي في الإمدادات.

الأثر انتقل بسرعة عبر الأسواق. الفلبين أعلنت حالة طوارئ طاقوية، والهند فرضت رسوماً على تصدير الديزل ووقود الطائرات لحماية سوقها الداخلية. أما أوروبا، التي اختارت أن تنأى بنفسها عن تأمين الممرات البحرية، وجدت أسعار الغاز تقفز 70 في المئة خلال شهر واحد، وشركات الطيران تقلّص رحلاتها، وشبح الركود يعود إلى ألمانيا وإيطاليا. ففي اقتصاد مترابط، الحياد لا يُلغي الكلفة، بل يعيد توزيعها.

في إيران، تحوّلت ورقة إغلاق المضيق إلى عبء داخلي. الحصار الأميركي خنق حركة الناقلات، فتراجع تحميل النفط بسرعة، وبدأ الإنتاج يتكدس في خزانات تقترب من حدودها التشغيلية. تقديرات “كبلر” لتحليل بيانات السلع تشير إلى أن السعة القابلة للاستخدام قد لا تكفي إلا لأسبوعين تقريباً، ما يضع طهران أمام خفض قسري للإنتاج إذا طال الحصار. لكن إغلاق الآبار لفترة مطوّلة في حقول ناضجة يضغط على المكامن ويُفقد جزءاً من القدرة الإنتاجية قد يستغرق تعويضه سنوات. الإغلاق الذي اعتبرته إيران ضغطاً على العالم بدأ يضغط على آبارها وخزاناتها وإيراداتها.

وهذه هي المفارقة التي تصنع التحول: من يستخدم الجغرافيا كسلاح يدفع الآخرين إلى بناء جغرافيا بديلة. الإمارات كانت قد أنجزت منذ 2012 خط حبشان–الفجيرة بطاقة تصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً، لربط حقول أبوظبي البرية بميناء الفجيرة على خليج عُمان خارج هرمز. أدنوك تبني خطاً ثانياً إلى الفجيرة بطاقة 1.5 مليون برميل إضافية، ما سيرفع قدرة التصدير خارج المضيق إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً. صادرات الفجيرة ارتفعت 57 في المئة فوق متوسط 2025. السعودية تملك خط شرق–غرب من أبقيق إلى ينبع بقدرة تصديرية فعالة تقارب 4.5 مليون برميل يومياً.

في مارس، أُطلق ممر لوجستي بري–بحري يربط ميناء خورفكان في الشارقة بالدمام عبر ميناء سجعة الجاف، بتنسيق بين هيئة الموانئ السعودية و”غلفتينر”، لنقل البضائع دون المرور بالمضيق.

من الفجيرة إلى ينبع ومن الممرات البرية إلى الغاز القطري الأزمة أعادت رسم خريطة النفط مؤكدة أن الشريان الواحد لم يعد يضمن الاستقرار

هذه الخطوط والممرات لا تعوّض هرمز بالكامل، لكنها تمنح أصحابها ميزة حاسمة في لحظات الأزمة: هامش الحركة. في المقابل، العراق والكويت أوقفا حقول إنتاج كبرى بعد فقدان منافذ التصدير. من بنى البنية البديلة يصدّر اليوم، ومن ربط صادراته بالمضيق وحده يدفع الكلفة.

قطر واجهت وجهاً آخر من الأزمة. الضربات على منشآت الطاقة وتعطل المرور عبر هرمز أصابا الغاز المسال في واحدة من أكثر نقاطه حساسية، ودفعا “قطر للطاقة” إلى إعلان القوة القاهرة. تراجعت الإمدادات العالمية بنحو 20 في المئة، وظهر أن الغاز، مثل النفط، يبقى أسير الممرات التي تحمله إلى الأسواق. الأزمة التي بدأت نفطية امتدت إلى وقود كان يُنظر إليه كخيار أكثر أماناً في مرحلة التحول الطاقي.

أزمة 2026 تعيد تسعير النفط والممرات معاً. هرمز لن يفقد أهميته فجأة، فالجغرافيا لا تُلغى بقرار سياسي، لكن احتكار الضرورة بدأ يتآكل. كل برميل يخرج من الفجيرة، وكل شحنة تتحرك من ينبع، وكل ممر بري–بحري يربط موانئ الخليج بأسواقه، يضيف مساراً جديداً إلى خريطة ما بعد الأزمة.

حين تنتهي الحرب، ستعود الناقلات تدريجياً إلى مساراتها، وستعلن العواصم انتصار رواياتها. ما سيبقى أبعد من البيانات السياسية هو البنية التي وُلدت تحت الضغط. العالم يتعايش مع أسعار مرتفعة، ويتكيف مع عقوبات، ويحتمل أزمات مؤقتة في المخزون، لكنه لا يترك شرياناً واحداً يتحكم في نبضه إلى الأبد.

إيران أرادت تحويل المضيق إلى سلاح، فأجبرت العالم على بناء رئة جديدة، وكل أنبوب يُمدّ بعيداً عن هرمز هو الأثر الدائم الذي سيتجاوز عمره عمر هذه الأزمة.

7