إغلاق هرمز… بداية أزمة غذاء عالمية
منذ 28 شباط/فبراير 2026، توقّف عبر مضيق هرمز ما يقارب عشرين مليون برميل نفط يومياً. هذا الرقم تصدّر العناوين، وحرّك الأسواق، وأشعل أزمة سياسية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. غير أن خلف ستار النفط، تتشكّل أزمة أخرى أبطأ في الظهور وأعمق في الأثر: أزمة أسمدة عالمية تهدّد موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، وتضع الأمن الغذائي لمئات الملايين في أفريقيا وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية على حافة الانهيار.
ثلث الأسمدة المتداولة بحرياً في العالم يعبر مضيق هرمز. منطقة الخليج تنتج وحدها 46 في المئة من إمدادات اليوريا العالمية، وهي المادة الأساسية في تغذية المحاصيل بالنيتروجين. المزارع يمكنه أن يتخطى موسماً كاملاً من دون إضافة البوتاسيوم أو الفوسفات، لكن غياب النيتروجين يعني خسارة مباشرة في المحصول. شركة قطر للأسمدة، أكبر مورّد يوريا في العالم، أعلنت القوة القاهرة، وأوقفت شحناتها بعد الضربات الإيرانية على منشآت رأس لفان. أسعار اليوريا في الخليج قفزت بنسبة تقارب 40 في المئة، فيما تجاوز سعر الطن في موانئ الولايات المتحدة 700 دولار، بعد أن كان في حدود 400 دولار قبل الحرب.
ثلث الأسمدة المتداولة بحرياً يعبر مضيق هرمز… منطقة الخليج تنتج وحدها 46 في المئة من إمدادات اليوريا العالمية وهي المادة الأساسية في تغذية المحاصيل بالنيتروجين
كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة، ماكسيمو توريرو، وصف الأزمة بأنها واحدة من أشد الصدمات التي تعرضت لها سلاسل السلع العالمية في السنوات الأخيرة. التوقيت هو الأخطر، فموسم الزراعة الربيعي بدأ، والمزارعون الذين يعتمدون على واردات الأسمدة من المنطقة يواجهون نقصاً فعلياً في المادة الأولية للإنتاج الزراعي، في لحظة لا تحتمل التأخير. إثيوبيا تستورد كامل احتياجاتها من أسمدة النيتروجين عبر خط إمداد واحد يمر من هرمز، والبرازيل، التي تنتج 60 في المئة من صادرات فول الصويا العالمية، تعتمد على الاستيراد في معظم أسمدتها، ونصف وارداتها يعبر المضيق ذاته. توريرو حذّر من أن استمرار الأزمة ثلاثة أشهر سيؤثر في قرارات الزراعة لعام 2026 وما بعده، وأن الدول الأكثر هشاشة في جنوب آسيا وشرق أفريقيا ستكون أول من يدفع الثمن.
المفارقة أن الأسمدة، رغم أهميتها الوجودية للأمن الغذائي، تُعامل في أوقات الأزمات كسلعة ثانوية. الاحتياطيات الإستراتيجية الدولية تغطي النفط ولا تشمل الأسمدة. دول مجموعة السبع تحتفظ بمخزونات نفطية ضخمة ولا تملك ما يقابلها من مخزون للأسمدة. وربّان السفينة الذي يغامر بعبور المضيق تحت تهديد المسيّرات سيفضّل حمل النفط على حمل اليوريا، لأن قيمة الشحنة أعلى والعائد يبرر المخاطرة. هكذا يصبح الغذاء العالمي في ذيل قائمة الأولويات، في اللحظة التي يحتاج فيها إلى أن يكون في صدارتها. الإمارات تعاملت مع هذا النوع من الهشاشة قبل أن يتحول إلى أزمة، فمنذ عام 2016 بنت بنية غذائية احتياطية خارج نطاق هرمز بالكامل: صوامع حبوب في الفجيرة على ساحل خليج عمان، واحتياطيات استراتيجية تغطي ما بين أربعة وستة أشهر لخمس عشرة سلعة أساسية، وموانئ بديلة على ساحلها الشرقي، وشبكة طيران فعّلتها لنقل الأدوية والمواد القابلة للتلف. بعد خمسة أسابيع من إغلاق المضيق، رفوف المتاجر في الإمارات ممتلئة، فيما فرضت دول في آسيا حصص تقنين على الوقود، وأغلقت مدارسها لتقليل استهلاك الطاقة.
وفي مشهد يعكس حسابات مرتبكة، رفضت الدول الأوروبية الكبرى المشاركة في تأمين الممر البحري حين طلبت واشنطن ذلك في منتصف مارس. وزير الدفاع الألماني قالها صريحة: “هذه حرب لم نبدأها”. إسبانيا منعت الطائرات الأميركية من استخدام أجوائها وقواعدها، وإيطاليا أغلقت منشآتها في صقلية. الموقف الأوروبي بدا واضحاً: رفض الانجرار إلى صراع أطلقته واشنطن من دون تنسيق مع حلفائها. غير أن هذا الرفض تحوّل سريعاً إلى كلفة مباشرة، فأسعار الغاز في أوروبا ارتفعت 70 في المئة خلال شهر واحد، والنفط 60 في المئة، ومفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن اعترف بأن الأسعار لن تعود إلى مستوياتها الطبيعية حتى لو أُعلن السلام غداً. فاتورة الوقود الأحفوري المستورد ارتفعت 14 مليار يورو خلال ثلاثين يوماً فقط، والرئيس التنفيذي لشركة شل حذّر من أن نقص الديزل ووقود الطائرات سيضرب أوروبا مع حلول أبريل.
إغلاق هرمز كشف خللين متوازيين: خللاً بنيوياً في سلاسل الغذاء العالمية التي صُمّمت لعالم مستقر وتنهار عند أول اختبار جيوسياسي حقيقي، وعجزاً سياسياً في منظومة دولية تملك القانون ولا تملك الإرادة لتطبيقه
الحساب الأوروبي بدا قائماً على فرضية أن الابتعاد عن الصراع يحمي القارة من تبعاته، لكن في اقتصاد مترابط يتحول الحياد إلى كلفة. أوروبا التي رفضت المشاركة في تأمين المضيق وجدت نفسها تدفع ثمن إغلاقه بالكامل: ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي، وتهديد بركود تقني في ألمانيا وإيطاليا بحلول نهاية العام، وضغوط تضخمية تعيد شبح أزمة 2022 بالتركيبة ذاتها. ترامب ردّ بلهجة حادة: “الجزء الصعب انتهى. اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم”، ثم هدّد بالانسحاب من حلف الناتو، ووصفه بأنه “نمر من ورق”، وربط تزويد أوروبا بالأسلحة المخصصة لأوكرانيا بمشاركتها في تأمين هرمز.
في الثاني من أبريل، جمعت لندن نحو أربعين دولة في اجتماع افتراضي، خرج ببيان يدعو إلى إعادة فتح المضيق “بشكل فوري وغير مشروط”، واحترام حرية الملاحة وقانون البحار. أربعون دولة تصدر “دعوة”. الحرس الثوري يغلق ممراً دولياً تكفل المادتان 38 و44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق المرور الحر فيه، ويهاجم الناقلات، ويزرع الألغام، ويفرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار على كل سفينة، ويسمح لنفطه وحده بالمرور إلى الصين، والعالم يرد بـ”دعوة”. إيران تتعامل مع هرمز كأنه ملكية خاصة، وتستخدم الأمن الغذائي العالمي درعاً بشرياً اقتصادياً، والمجتمع الدولي يكتفي بلغة لا ترقى حتى إلى مستوى الإنذار.
إغلاق هرمز كشف خللين متوازيين: خللاً بنيوياً في سلاسل الغذاء العالمية التي صُمّمت لعالم مستقر وتنهار عند أول اختبار جيوسياسي حقيقي، وعجزاً سياسياً في منظومة دولية تملك القانون ولا تملك الإرادة لتطبيقه. الحرب قد تنتهي بوقف إطلاق النار، لكن أثرها على المحاصيل والأسعار سيمتد إلى ما بعد 2026، لأن الأرض لا تنتظر الدعوات، والبذرة التي فاتها موعد النيتروجين لا تعوّضها بيانات حسن نوايا تصدر متأخرة.