العلاقات الإيرانية – العربية: دراسة في الجذور والتداعيات
العلاقة بين إيران والعالم العربي ليست مجرد علاقة ثنائية بين دولة ومحيطها الإقليمي، بل هي العصب الذي تتحرك عبره الدماء في جسد المنطقة بأكمله. كل صراع، وكل تحالف، وكل أزمة، تحمل في جوهرها بصمة هذه العلاقة المعقدة، التي لا توصف ببساطة بالعداوة ولا بالصداقة، بل بأنها حالة دائمة من الترقب والتشكك المتبادل. إنها تصادم بين روايتين، ومشروعين جيوسياسيين، وهويتين ثقافيتين، وعقيدتين دينيتين، كل منها يرى نفسه محورا للشرق الأوسط ووارثا لحضارته العريقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة على أي باحث جاد في شؤون المنطقة هو: هل هذه العلاقة مقدر لها أن تظل صراعا دائما، أم أن هناك أفقا للتعاون قد ينفتح تحت ضغط المتغيرات الإقليمية والدولية؟ وكيف انعكست هذه العلاقة، في تعقيداتها كلها، على الأحداث الراهنة التي تشعل المنطقة من أقصاها إلى أقصاها؟
لن نتمكن من فهم الحاضر دون العودة إلى الجذور، فالجذور في الشرق الأوسط لا تزال جزءا من الخطاب السياسي والديني والثقافي حتى اليوم. يعود التفاعل بين العرب والفرس إلى ما قبل الإسلام، لكن اللحظة التأسيسية الحقيقية كانت الفتح الإسلامي للعراق وفارس في القرن السابع الميلادي. ذلك الفتح الذي جمع الحضارتين تحت لواء الدين الجديد، لم يلغ الفروق بينهما، بل خلق علاقة معقدة من التبادل والتنافس في آن.
الفرس، الذين كانوا يحملون إرثا إمبراطوريا عريقا يعود إلى عهد الإخمينيين والساسانيين، لم يقبلوا أبدا دور التابع الثقافي أو السياسي للعرب، بل سرعان ما استعادوا نفوذهم من خلال التغلغل في أجهزة الدولة العباسية، وفي الميدان الفكري والديني. هنا يبرز العنصر الأكثر حساسية في هذه العلاقة: المذهب الشيعي. فتحول إيران إلى معقل للتشيع بعد تأسيس الدولة الصفوية في القرن السادس عشر، لم يكن مجرد تحول ديني، بل كان مشروعا سياسيا لخلق هوية إيرانية مستقلة عن الجوار العربي السني. ومنذ ذلك الحين، أصبح المذهب الشيعي في إيران أيديولوجيا دولة وأداة للنفوذ الإقليمي.
في المقابل، فإن الغالبية السنية في العالم العربي نظرت – ولا تزال تنظر في كثير من دوائرها – إلى التشيع الإيراني بارتياب، كتهديد للمذهب الأكثر انتشارا، وكأداة للتغلغل الفارسي في المجتمعات العربية. هذا الميراث التاريخي الطائفي يغذي اليوم صراعات المنطقة، لكن من السذاجة اختزاله إلى مجرد عداء مذهبي، فهو ممزوج بحسابات قومية وجيوسياسية أكثر تعقيدا.
العلاقة الإيرانية – العربية ليست عداوة عابرة ولا صداقة دائمة إنها حالة من الترقب والتشكك المتبادل وتصادم بين روايتين وهويتين ومشروعين جيوسياسيين
عندما نحلل العوامل التي تؤثر في العلاقات الإيرانية – العربية اليوم، نجد أنفسنا أمام شبكة من الأبعاد لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. البعد الطائفي هو الأكثر ظهورا في الخطاب الإعلامي والسياسي. لكن البعد القومي لا يقل أهمية. النزعة الفارسية التي تغذي جزءا من الخطاب السياسي والثقافي في إيران، وخصوصا لدى التيارات القومية المتشددة، تنظر إلى العرب بعين التفوق الحضاري، وتعتبر أن تاريخ المنطقة بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية كان انحدارا بفعل “الغزو العربي”.
هذا الخطاب يغذي بدوره المشاعر المعادية لإيران في العالم العربي، حيث لا تزال القومية العربية، رغم تراجعها، حاضرة كخلفية ثقافية تؤثر في المواقف الشعبية والنخبوية.
أما البعد الجيوسياسي، فهو الأكثر حسما في تحديد مسار العلاقة. التنافس على النفوذ في الخليج، ذلك الخزان النفطي للعالم، هو جوهر الصراع. هذا التنافس يمتد إلى ساحات أخرى: العراق، سوريا، لبنان، واليمن. هذه الساحات المتعددة تجعل من المستحيل الحديث عن علاقة إيرانية – عربية واحدة، فهناك علاقات منفصلة مع كل دولة عربية.
إذا انتقلنا من العوامل البنيوية إلى المحطات الرئيسية، نجد أن العلاقات الإيرانية – العربية شهدت نقاط تحول كبرى. الثورة الإيرانية عام 1979 كانت الصدمة الكبرى. فجأة، لم تعد إيران مجرد دولة جارة، بل أصبحت نموذجا ثوريا يهدد الأنظمة العربية المحافظة. شعار “تصدير الثورة” كان بمثابة إعلان حرب أيديولوجية. رد فعل العرب كان سريعا: دعم صدام حسين في الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) التي تركت ندوبا عميقة في الذاكرة الجماعية للجانبين.
بعدها، جاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ليفتح فصلا جديدا، إذ وجدت إيران نفسها المستفيد الأكبر من سقوط نظام صدام، فصعد نفوذها في بغداد عبر الأحزاب الشيعية. الربيع العربي جاء ليكمل الصورة، إذ دخلت إيران بقوة في سوريا دعما لنظام الأسد، وفي اليمن دعما للحوثيين. الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 كان لحظة أمل قصيرة، لكن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات، ثم اغتيال قاسم سليماني، أعاد المنطقة إلى مربع التصعيد.
واليوم، مع الحرب المفتوحة بين أميركا وإيران، يجد العالم العربي نفسه في موقف بالغ الصعوبة: معظم الأنظمة العربية تعادي إيران وتخشى نفوذها، لكنها لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحة حرب.
لا يمكن فهم المواقف الرسمية دون النظر إلى المواقف الشعبية والنخبوية. في إيران، ثمة خطابان متناقضان: خطاب قومي عدائي تجاه العرب، وخطاب ديني – ثقافي يدعو إلى الوحدة الإسلامية. في الجانب العربي، المشهد معقد أيضا: في دول الخليج، المخاوف التي تثيرها إيران حقيقية وملموسة، بينما في العراق ولبنان النظرة إلى إيران أكثر تعقيدا، فهي حليف لبعض الفصائل لكنها أيضا قوة تسعى للنفوذ. وفي مصر، إيران ليست أولوية قصوى في اهتمامات الشعب المنشغل بقضاياه الداخلية.
انعكاسات هذه العلاقة على الأحداث الراهنة جسيمة. اليمن تحول إلى حرب بالوكالة بين إيران وتحالف عربي، واليمنيون يدفعون الثمن. سوريا تحولت إلى مستنقع طائفي بفعل التدخل الإيراني. في الخليج، التوتر في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله. والعراق أصبح ساحة تماس مفتوحة بين النفوذ الإيراني والضغط الأميركي – العربي. أما الموقف الأوروبي والدولي، فهو موقف حائر: أوروبا تريد استقرار الطاقة وتريد احتواء إيران نوويا، لكنها لا تريد الانحياز الكامل لأي طرف.
أمام هذه الحقائق، ما السيناريوهات المستقبلية؟ هناك ثلاثة سيناريوهات.
الأول: سيناريو التصعيد، وفيه تستمر الحرب الأميركية – الإيرانية أو تندلع حرب جديدة، ويُجر العرب إليها، ليكون العالم العربي هو الخاسر الأكبر.
الثاني: سيناريو التوازن، وهو الأكثر ترجيحا، وفيه تدرك الأطراف أن الحرب المفتوحة ليست في مصلحة أحد، فتقبل على تفاهمات إقليمية تحد من النفوذ الإيراني مع تنازلات مقابلة.
الثالث: سيناريو التعاون، وهو الأكثر تفاؤلا والأقل احتمالا، حيث تتحول العلاقة من الصراع إلى الشراكة. هذا السيناريو قد يبدو طوباويا اليوم، لكن التغييرات الكبرى غالبا ما تأتي من حيث لا يتوقعها أحد.