فيتو موسكو وبكين: معركة أكبر على مستقبل مجلس الأمن

هل ما زالت آليات مجلس الأمن قادرة على إنتاج إجماع دولي قابل للتنفيذ عندما تختلف القوى الكبرى حول تفسير القرار نفسه؟
الجمعة 2026/09/18
هل نحن أمام تحالف روسي–صيني–إيراني متكامل

في مجلس الأمن، السؤال الأكثر أهمية لم يعد ما إذا كانت إيران تستحق مزيداً من العقوبات؟ أو ما إذا كانت الضغوط الدولية عليها يمكن أن تغير سلوكها؟ السؤال الأكثر دلالة هو: من يملك اليوم حق تفسير قواعد النظام الدولي، ومن يملك القدرة على تحويل التفسير إلى واقع ملزم؟

ذلك هو المعنى الأوسع للفيتو الروسي والصيني الذي أسقط مشروع القرار الأميركي لتمديد ولاية فريق الخبراء المعني بالعقوبات على إيران. فالفريق الذي يبدو، للوهلة الأولى، مجرد آلية فنية مهمتها جمع المعلومات وتقديم التوصيات، أصبح جزءاً من معركة أكبر.

ولعل أخطر ما في المشهد أن مجلس الأمن بات عاجزاً عن الاتفاق حتى على الآلية التي ينبغي أن تراقب تنفيذ عقوبات سبق للمجلس نفسه أن أقرها. وبينما تتصاعد المخاوف حول البرنامج النووي الإيراني، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام مفارقة غير مسبوقة: الحاجة إلى الرقابة الدولية تزداد، لكن القدرة على إنتاج توافق دولي حول هذه الرقابة تتراجع.

وهنا يصبح فريق الخبراء أكثر من مجرد فريق خبراء. فوجوده يعني أن هناك نظاماً دولياً يقول إن العقوبات ليست مجرد قرارات سياسية تصدرها دولة كبرى، وإنما منظومة لها آليات للتحقق والمتابعة وتوثيق الانتهاكات. وغيابه، في المقابل، لا يعني تلقائياً سقوط كل العقوبات، لكنه يضعف إحدى الأدوات التي كان يفترض أن تمنح النظام درجة من الشفافية والمصداقية. ولذلك فإن معركة التمديد ليست معركة على عدد من الخبراء أو سنة إضافية من العمل، بل على سؤال أوسع: هل تظل آليات مجلس الأمن قادرة على العمل عندما تتحول القضية نفسها إلى موضوع صراع بين أعضائه الدائمين؟

العقوبة الأميركية يمكن أن تكون قوية، لكنها تبقى أميركية. أما العقوبة التي تستند إلى مجلس الأمن فتملك وزناً مختلفاً

في سبتمبر 2025، أعادت الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تفعيل آلية “العودة السريعة” للعقوبات المرتبطة بالملف النووي الإيراني، مستندة إلى القرار 2231. وترى الدول الغربية أن هذه الخطوة أعادت إلى الواجهة مجموعة من قرارات العقوبات السابقة، فيما ترفض إيران وروسيا والصين هذا التفسير وتعتبر أن الآلية لم تعد تملك أساساً قانونياً صالحاً بعد انتهاء الإطار الزمني للقرار. وقد تمسكت موسكو تحديداً بأن إخطار الدول الأوروبية بتفعيل “سناب باك” كان باطلاً ولا يمكن أن يؤدي إلى إعادة العقوبات.

المشكلة هنا ليست تقنية كما تبدو.

فالخلاف على تفسير القرار 2231 يعني عملياً خلافاً على السؤال الذي يبدو أكثر بساطة: هل العقوبات موجودة أم غير موجودة؟

الدول الغربية تقول إن عملية “سناب باك” اكتملت وإن العقوبات الأممية عادت إلى حيز التنفيذ. وفي المقابل تقول موسكو وبكين وطهران إن العملية غير قانونية وإن القرارات السابقة لم تعد قابلة للإحياء بهذه الطريقة. وفي مجلس الأمن لم يعد الخلاف بين موقفين قانونيين مجرد نقاش بين خبراء، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتوازنات القوة بين الأعضاء الدائمين.

وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات النظام الدولي المعاصر: القانون الدولي يحتاج إلى قوة سياسية كي يُنفذ، لكن القوة السياسية نفسها هي التي تتصارع على تفسير القانون.
لو كانت القضية تتعلق بدولة صغيرة بلا حلفاء داخل مجلس الأمن، لكان من السهل نسبياً النظر إليها باعتبارها نزاعاً على تنفيذ العقوبات. أما عندما تصبح روسيا والصين طرفين أساسيين في تعطيل الآلية المرتبطة بإيران، فإن القضية تنتقل إلى مستوى آخر.

موسكو لديها حساباتها الخاصة. علاقتها بطهران لم تعد محصورة في التنسيق السياسي، بل توسعت خلال السنوات الأخيرة في مجالات اقتصادية وأمنية، وتنظر إلى العقوبات الغربية بوصفها جزءاً من منظومة ضغط أوسع تستهدفها هي أيضاً. ومن ثم فإن الدفاع عن الموقف الإيراني يمكن أن يتقاطع مع مصلحة روسية أكبر: مقاومة توسيع نموذج العقوبات الغربية وتحويله إلى أداة دائمة لإدارة العلاقات الدولية.

أما الصين، فحساباتها مختلفة، وإن تقاطعت في بعض النقاط. إيران بالنسبة لبكين ليست فقط دولة واقعة تحت العقوبات، وإنما شريك اقتصادي ومصدر مهم للطاقة وجزء من شبكة علاقات أوسع في الشرق الأوسط. ولذلك فإن الاعتراض الصيني على بعض آليات العقوبات لا يمكن تفسيره فقط باعتباره اصطفافاً سياسياً مع طهران.

واشنطن تريد استخدام مجلس الأمن لإبقاء الضغط الدولي على إيران، لكنها تواجه حقيقة أن الأداة التي تريد استخدامها أصبحت رهينة للمنافسة بين القوى الكبرى.

وهنا يجب الحذر من الوقوع في تبسيط آخر: ليس بالضرورة أن تكون موسكو وبكين قد قررتا بناء تحالف كامل لحماية إيران مهما كان سلوكها. الأكثر دقة أن هناك تقاطع مصالح بين ثلاث دول تواجه، بدرجات مختلفة، ضغوطاً أميركية وغربية، وترى أن استمرار هذه الضغوط عبر المؤسسات الدولية قد يكرس قواعد لا تريدها لمستقبل النظام العالمي.

إيران تستفيد من هذا التقاطع، لكن ذلك لا يعني أنها تتحكم فيه.

وهذه نقطة مهمة لأن قراءة الفيتو الروسي والصيني باعتباره مجرد “حماية لإيران” تختزل المشهد. طهران هي المستفيد المباشر من تعطيل بعض آليات الضغط، لكن المعركة بالنسبة إلى موسكو وبكين تتجاوز الملف الإيراني. إنها تتعلق أيضاً بمنع تحول مجلس الأمن إلى قناة تمر عبرها السياسات الغربية عندما لا تستطيع واشنطن أو العواصم الأوروبية الحصول على موافقة القوى الأخرى.

وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة لا تقل تعقيداً.

فواشنطن تستطيع فرض عقوباتها الخاصة من دون موافقة مجلس الأمن. ولديها بالفعل أدوات مالية وتجارية واسعة تستطيع استخدامها ضد إيران والشبكات التي تساعدها على تجاوز العقوبات. وقد فرضت الولايات المتحدة أخيراً عقوبات على بنك روسي، متهمة إياه بالمساعدة في إنشاء قنوات مالية لدعم التجارة والتنسيق مع إيران، وهو ما يكشف أن واشنطن تتحرك بالفعل خارج الإطار الأممي عندما ترى أن المؤسسات متعددة الأطراف لا تحقق أهدافها.

لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن ليست في قدرتها على فرض العقوبات وحدها. المشكلة في الشرعية الجماعية.

العقوبة الأميركية يمكن أن تكون قوية، لكنها تبقى أميركية. أما العقوبة التي تستند إلى مجلس الأمن فتملك وزناً مختلفاً لأنها تستمد شرعيتها من مؤسسة يفترض أنها تمثل المجتمع الدولي كله. وعندما تفشل واشنطن في تمديد آلية أممية للرقابة، فإنها لا تفقد بالضرورة قدرتها على الضغط على إيران، لكنها تفقد شيئاً آخر: القدرة على تقديم ذلك الضغط باعتباره تعبيراً عن إجماع دولي.

وهذا فرق استراتيجي بالغ الأهمية.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج من قاعة مجلس الأمن ليس فقط: كيف نضغط على إيران؟

بل: هل ما زال المجتمع الدولي قادراً على الاتفاق على القواعد التي سيستخدمها للضغط عليها؟

عند هذه النقطة، لا تعود معركة العقوبات مجرد معركة على إيران.

1