لماذا يهدد ترامب بقصف عُمان؟

عُمان ليست قوة عسكرية كبرى لكنها تمتلك ما لا تستطيع حاملات الطائرات توفيره: الثقة النسبية لدى أطراف متعارضة وهذه قيمة استراتيجية بحد ذاتها.
الجمعة 2026/08/21
عندما تصبح الوساطة ضحيةً لحرب هرمز

ليس من السهل أن نفهم لماذا يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عُمان في لحظة تبدو فيها المنطقة بأمسّ الحاجة إلى دولة تستطيع أن تتحدث مع الجميع. فعُمان ليست طرفًا في الحرب الأميركية–الإيرانية، ولم تدخل المواجهة إلى جانب طهران، ولم تكن يومًا خصمًا لواشنطن. على العكس، بنت مسقط خلال عقود علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه حافظت على قناة اتصال مفتوحة مع إيران، وتحولت هذه القدرة على الحديث مع الطرفين إلى واحدة من أهم أوراقها السياسية. ومع ذلك، هدد ترامب بقصف عُمان إذا وقفت في طريق التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن مضيق هرمز.

المشكلة الأميركية مع مسقط ليست، في جوهرها، أن عُمان تتوسط مع إيران، وإنما أن الوساطة العُمانية بدأت تلامس المسألة الأكثر حساسية في المواجهة الحالية: من يملك حق تنظيم الملاحة في المضيق، ومن يضع شروط عبوره، ومن يحدد شكل الترتيب الذي سيعيد حركة السفن إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟

هنا بالضبط تتجاوز عُمان دور الوسيط التقليدي وتصبح، من وجهة نظر واشنطن، لاعبًا في معادلة هرمز نفسها.

خلال الأسابيع الماضية، دخلت مسقط وطهران في مباحثات حول إنشاء ممر مؤقت وآمن للملاحة، مع استمرار النقاش بشأن ترتيبات أكثر استدامة. وأكدت طهران أن محادثاتها مع عُمان تتعلق بإقامة طريق مؤقت للملاحة، فيما تحدثت تقارير عن اقتراب الطرفين من تفاهم بشأن آلية العبور. لكن واشنطن تريد شيئًا مختلفًا: فتح المضيق أمام الملاحة التجارية من دون أن تحصل إيران على حق فرض رسوم أو اشتراط موافقتها على مرور السفن.

◄ السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ترامب سيقصف عُمان. السؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضغط على مسقط من دون أن تدمر الدور الذي يجعلها مفيدة أصلًا؟

وهكذا لم يعد الخلاف متعلقًا فقط بفتح المضيق أو إغلاقه. إنه خلاف على من يضع قواعد فتحه.

وهذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل عُمان في موقع شديد الحساسية. فمسقط تقع على الجانب الجنوبي من المضيق، وإيران على الجانب الشمالي، والممر الملاحي نفسه يتداخل مع المجال البحري العُماني. لذلك فإن أي ترتيبات عملية للملاحة لا يمكن فصلها عن الدولتين المشاطئتين. لكن واشنطن، التي تريد استعادة حرية الملاحة، لا تريد أن يتحول ذلك إلى تفاهم إيراني–عُماني مستقل يمنح طهران نفوذًا على قواعد العبور.

بالنسبة إلى إيران، المسألة مختلفة تمامًا. فطهران تعرف أن هرمز هو واحد من أهم أوراقها في مواجهة الولايات المتحدة. وهي لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق إلى الأبد كي تستفيد منه. يكفي أن تثبت أن فتحه يحتاج إلى تفاوض، وأن أمن الملاحة لا يمكن ترتيبه من دون أخذ المصالح الإيرانية في الاعتبار.
أما عُمان، فتحاول أن تفعل ما فعلته طوال تاريخها الحديث. هي لا تستطيع تغيير موقعها بجوار إيران، لكنها تستطيع أن تجعل من هذا الموقع جسرًا بدل أن تجعله جبهة. وهذا ما جعل سياستها الخارجية تقوم على التوازن والوساطة، لا على الاستقطاب.

لكن المشكلة أن منطق الحرب لا يحب المناطق الرمادية.

ترامب يريد نتيجة واضحة: إيران يجب أن تتراجع، وهرمز يجب أن يفتح، دون أن تحصل طهران على مكاسب استراتيجية.

تهديد ترامب لعُمان لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تستعد فعلًا لقصف السلطنة. فالضربة العسكرية ضد دولة حليفة للولايات المتحدة وذات دور محوري في الوساطة ستكون قرارًا بالغ الكلفة، وقد تدمر القناة التي تحتاج إليها واشنطن نفسها. لكن ذلك لا يجعل التهديد بلا معنى. إنه، قبل كل شيء، أداة ضغط سياسية لإبلاغ مسقط بأن الوساطة لها حدود، وأن واشنطن لن تقبل بتحولها إلى آلية مستقلة لصناعة قواعد هرمز.

والمفارقة أن واشنطن قد تحتاج عُمان الآن أكثر مما كانت تحتاجها قبل اندلاع الحرب.

كلما طال الصراع، زادت الحاجة إلى قنوات خلفية. وكلما أصبح هرمز أكثر حساسية، احتاجت الولايات المتحدة إلى دولة تستطيع الحديث مع طهران من دون أن تكون جزءًا من منظومتها.

◄ طهران تعرف أن هرمز هو واحد من أهم أوراقها في مواجهة الولايات المتحدة. وهي لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق إلى الأبد كي تستفيد منه

ولهذا فإن الضغط على عُمان يحمل خطرًا استراتيجيًا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية. فإذا شعرت مسقط بأن دورها كوسيط أصبح موضع شك أميركي، فقد تضطر إلى إعادة تقييم الطريقة التي تدير بها علاقتها بواشنطن وطهران. وإذا تراجعت الوساطة العُمانية، فمن سيملأ الفراغ؟ وهل سيكون البديل أكثر قدرة على ضبط التصعيد؟

المشكلة أن هرمز ليس ملفًا إيرانيًا–أميركيًا فقط. إنه ممر عالمي. وأي اضطراب طويل فيه ينعكس على أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد. وفي 20 آب/أغسطس أعلنت إدارة ترامب أنها تتجه إلى ما وصفته بـ”أقسى العقوبات في التاريخ” على إيران، في محاولة للضغط اقتصاديًا بدل توسيع الحرب العسكرية، بينما استمرت أزمة الملاحة في المضيق. وفي اليوم نفسه، كانت الأسواق لا تزال تتعامل مع علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة باستمرار أزمة هرمز.

وهنا يظهر التناقض الأكبر في السياسة الأميركية الحالية: واشنطن تريد تجنب حرب أوسع، لكنها تستخدم لغة تزيد من احتمالات توسعها. تريد إعادة فتح هرمز، لكنها تضغط على الدولة التي تحاول التوصل إلى صيغة عملية لفتحه. تريد إجبار إيران على التفاوض، لكنها تهدد أحد أهم الوسطاء الذين يمكنهم تقريب الطرفين من طاولة التفاوض.

عُمان ليست قوة عسكرية كبرى، لكنها تمتلك ما لا تستطيع حاملات الطائرات توفيره: الثقة النسبية لدى أطراف متعارضة. وهذه قيمة استراتيجية بحد ذاتها. وفي الشرق الأوسط، حيث تراكمت الحروب وانعدام الثقة، قد يكون امتلاك قناة اتصال أكثر أهمية من امتلاك منصة صواريخ.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ترامب سيقصف عُمان. السؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضغط على مسقط من دون أن تدمر الدور الذي يجعلها مفيدة أصلًا؟

إذا كانت واشنطن تريد هرمز مفتوحًا، فإن عُمان يمكن أن تكون جزءًا من الحل. وإذا كانت تريد اتفاقًا مع إيران، فإن مسقط يمكن أن تكون إحدى الطرق إليه. أما إذا تحولت الوساطة نفسها إلى جريمة في نظر القوة العظمى، فإن المنطقة ستتعلم درسًا خطيرًا: الدولة التي تحاول بناء الجسور قد تجد نفسها واقفة في مرمى النيران من الجانبين.

لقد تحولت معركة هرمز، من صراع على مضيق إلى صراع على قواعد النظام الإقليمي نفسه. من يملك حق فتحه؟ من يحدد شروط الملاحة؟ من يتفاوض باسم الأمن البحري؟ ومن يقرر أين تنتهي الوساطة وتبدأ المواجهة؟

وعُمان، بحكم موقعها ودورها، وجدت نفسها في قلب هذه الأسئلة.

1