مضيق هرمز ليس قناة السويس

المضيق ليس قناة صناعية كقناة السويس أو بنما بل ممر دولي طبيعي يخضع لقانون البحار، ما يجعل فرض رسوم أحادية انتهاكًا لحرية الملاحة.
الجمعة 2026/03/27
إيران تسعى لفرض واقع جديد على العالم

تُطرح اليوم معادلة استثنائية على المجتمع الدولي، ليست في ميادين الصواريخ أو المفاعلات النووية، بل في صلب الملاحة الدولية: هل تمتلك إيران، بحكم موقعها الجغرافي، القدرة على فرض شروطها على الولايات المتحدة والعالم، عبر تحويل مضيق هرمز إلى ممر تجاري خاضع لإرادتها المنفردة؟

تبدو الفكرة، للوهلة الأولى، قابلة للفهم إذا قيست على نماذج قناتي السويس وبنما، حيث تفرض الدولتان رسوم عبور على سفن التجارة العالمية. لكن المغالطة الجوهرية هنا تكمن في طبيعة الممرات ذاتها. فقناتا السويس وبنما ممران اصطناعيان، حفرتهما دول ذات سيادة بمواردها الذاتية، وأدارتهما باتفاقيات دولية تعترف بحقها في فرض رسوم نظير استخدام منشآت أقامتها بنفسها. أما مضيق هرمز فهو ممر طبيعي دولي، لا يمكن لأي دولة أن تحتكره أو تحوله إلى مصدر دخل إجباري، إلا إذا أعيدت صياغة قواعد القانون الدولي أو جرى التوصل إلى اتفاق عالمي جديد، وهو أمر مستبعد في ظل الموقف الرافض للقوى الكبرى.

إيران تحاول استثمار موقعها الجغرافي عبر مضيق هرمز لفرض رسوم مرور لكنها تواجه رفضًا دوليًا يعتبر الخطوة ابتزازًا يهدد أمن الطاقة والغذاء

منذ اندلاع الحرب في الخليج قبل نحو أربعة أسابيع، بدأت طهران تنفيذ ما تصفه بـ”النظام السيادي الجديد” في المضيق، حيث تطالب سفن الشحن التجارية بدفع رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار عن الرحلة الواحدة، مقابل توفير “ممر آمن” تحدد إيران مساره وفق شروطها. وقد أقر علاء الدين بروجردي، النائب في البرلمان الإيراني، بأن هذه الإجراءات تأتي في سياق تعويض “تكاليف الحرب”، واصفًا إياها بأنها تعكس “قوة إيران” في إدارة هذا الممر الحيوي.

لكن هذا التبرير لا يصمد أمام التدقيق القانوني. فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، التي تُعد الإطار القانوني الأكثر قبولًا لتنظيم الملاحة الدولية، تنص في المادة 38 على حق “المرور العابر” (Transit Passage) للسفن عبر المضائق الدولية المستخدمة للملاحة، وهو حق لا يمكن للدولة المشاطئة تعليقه أو اشتراطه. وحتى لو أن إيران لم تصادق على الاتفاقية، فإن أحكامها تعتبر اليوم جزءًا من القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول.

المواقف الدولية الواردة في الساعات الأخيرة تعكس إجماعًا لافتًا على رفض هذا المسعى. فالهند، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والأسمدة عبر المضيق، أعلنت عبر وزارة النقل لديها أن القانون الدولي يضمن حرية الملاحة ولا يجوز لأي دولة فرض رسوم على استخدام الممر. وأكد رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن إبقاء الممر “مفتوحًا وآمنًا ومتاحًا أمر ضروري للعالم بأسره” .

لكن الأبعاد الاقتصادية لهذه الخطوة قد تكون أكثر إلحاقًا بالضرر من أبعادها القانونية. فالمضيق يمر عبره عادة نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية، وما يقرب من 25 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحرًا. لكن الأهم في السياق الحالي هو أن منطقة الخليج تمثل مركزًا رئيسيًا لإنتاج وتجارة الأسمدة. ومنذ اندلاع الحرب، توقفت فعليًا صادرات الأسمدة من المنطقة، مع إغلاق المضيق أمام الملاحة التجارية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي.

من زاوية سياسية، تحاول إيران استثمار موقعها الجغرافي لتعويض أزماتها الاقتصادية الداخلية المتفاقمة تحت وطأة العقوبات. لكن تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز هو خيار محفوف بمخاطر جسيمة. الرئيس دونالد ترامب، الذي منح إيران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح المضيق، مهددا باستهداف البنى التحتية للطاقة الإيرانية في حال عدم الامتثال، عاد وأمهل إيران خمسة أيام متوعدا بفتح أبواب الجحيم على إيران إن لم تمتثل. كما أعلن عن نشر نحو ألفي جندي إضافي من الفرقة 82 المحمولة جوًا في المنطقة.

يمكن القول إن ما تقوم به إيران لا يعكس قوة بقدر ما يعكس حالة من الإحساس بالحصار، حيث تحاول تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط سياسي واقتصادي

لكن اللافت أن طهران تتبع إستراتيجية مزدوجة: فبينما تفرض رسوم عبور بحكم الأمر الواقع، فإنها تتفاوض أيضًا مع دول آسيوية مثل الصين والهند وماليزيا وباكستان حول ترتيبات الشحن، ما يشير إلى محاولة لبناء تحالفات اقتصادية تخفف من العزلة الدولية. في المقابل، تعتمد دول الخليج المصدرة للطاقة بشكل متزايد على خطوط أنابيب بديلة لتجاوز المضيق، على الرغم من محدودية هذه الخيارات.

يمكن القول إن ما تقوم به إيران لا يعكس قوة بقدر ما يعكس حالة من الإحساس بالحصار، حيث تحاول تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط سياسي واقتصادي. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه المحاولات، حين تواجه بإرادة دولية موحدة، غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. فالعالم يحتاج إلى مضيق هرمز مفتوحًا لحرية الملاحة، لا إلى مضيق يتحول إلى أداة ابتزاز.

القراءة النقدية لهذا الموقف تكشف أن إيران تحاول أن تلعب دورًا أكبر من حجمها، لكنها تفعل ذلك بطريقة قد ترتد عليها. فبدلًا من أن تكسب شرعية دولية أو اعترافًا بحقها في إدارة المضيق، فإنها تضع نفسها في مواجهة مع المجتمع الدولي، وتزيد من عزلتها السياسية والاقتصادية. وإذا كانت إيران تريد أن تحصل على مقابل لتأمين المضيق، فإن الطريق الصحيح هو التفاوض على اتفاقيات دولية تضمن مشاركة الجميع في تكاليف الأمن، لا فرض رسوم أحادية الجانب. لكن إيران اختارت الطريق الأصعب، وهو طريق المواجهة، الذي قد يؤدي إلى نتائج كارثية على المنطقة والعالم.

في النهاية، مضيق هرمز ليس قناة سويس جديدة، بل ممر دولي لا يحق لطرف واحد التحكم فيه. أي محاولة لتحويله إلى مصدر دخل إجباري ستواجه رفضًا دوليًا واسعًا، وقد تؤدي إلى تصعيد عسكري خطير. العالم اليوم يعيش أزمة غذاء وطاقة بسبب الحرب في الخليج، وأي خطوة إضافية ستزيد من حدة الأزمة. المطلوب هو حل سياسي يضمن أمن الملاحة ويجنب المنطقة التصعيد، لا قرارات أحادية تزيد من التوتر. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن يتحول المضيق إلى ساحة مواجهة بين إيران والعالم، أم أن التوازن الدولي سيمنع ذلك؟ الإجابة ستحدد مستقبل الملاحة العالمية، وربما مستقبل الأمن الغذائي للبشرية جمعاء.

1