"كَوكَوش: مصنوعة من النار" وثائقي يعيد إحياء أيقونة الموسيقى الإيرانية
يقدم الفيلم الوثائقي "كَوكَوش: مصنوعة من النار" صورة حية لمسيرة واحدة من أبرز أيقونات الموسيقى الإيرانية. يجمع العمل بين المقابلات الشخصية والأرشيف الغني، مستعرضا صعود كَوكَوش الفني، وسنوات العزلة القسرية، وتجربة المنفى، ليبرزها رمزا ثقافيا يعكس تاريخ إيران الحديث ويجسد الإصرار على الحرية والإبداع رغم القيود.
الفيلم الوثائقي “كَوكَوش: مصنوعة من النار (Googoosh: Made of Fire)”، عمل سينمائي يتناول حياة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرا في الثقافة الشعبية الإيرانية خلال العقود الأخيرة. يفتح الفيلم نافذة واسعة على سيرة الفنانة كَوكَوش، المغنية والممثلة التي ارتبط اسمها بتاريخ الموسيقى الحديثة في إيران، وتحولت عبر مسيرتها الطويلة إلى رمز ثقافي تتقاطع عنده الذاكرة الفنية والتاريخ السياسي وتجربة المنفى.
الفيلم من إخراج الإيرانية – الألمانية نيلوفر طغيزاده، التي كتبت السيناريو وأنتجت العمل أيضا. وُلدت طغيزاده في إيران ثم درست السينما في ألمانيا، وتتناول أعمالها عادة قضايا المجتمع الإيراني وحقوق الإنسان من خلال سرديات شخصية قريبة من التجربة الإنسانية. وقد أُنتج الفيلم في ألمانيا ضمن شركة ويندكاتشر للإنتاج السينمائي بالتعاون مع القناتين الثقافيتين الأوروبيتين الثانية الألمانية والقناة الثقافية الأوروبية المشتركة. صُوِّر العمل في عدة أماكن من بينها ألمانيا والولايات المتحدة، مع استخدام مواد أرشيفية واسعة من إيران تعود إلى ما قبل الثورة.
تعتمد بنية الفيلم على مزيج من المقابلات الطويلة مع كَوكَوش نفسها وعلى تسجيلات أرشيفية من الحفلات والبرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية التي شاركت فيها خلال الستينات والسبعينات، إضافة إلى مشاهد من حفلاتها التي أقامتها في الخارج بعد عودتها إلى المسرح مع بداية الألفية الجديدة. ومن خلال هذا البناء السردي تتشكل صورة مركبة تجمع بين الذاكرة الشخصية والتاريخ السياسي والثقافي لإيران في النصف الثاني من القرن العشرين.
حكاية صوت عابر للزمن والحدود، حيث تبقى كَوكَوش من أكثر الشخصيات حضورا وتأثيرا في تاريخ الثقافة الإيرانية المعاصرة
ولدت كَوكَوش عام 1950 باسم فايقة آتشين في طهران لأسرة فنية من أصول أذريّة. ظهرت على المسرح منذ طفولتها المبكرة عندما كانت ترافق والدها في العروض الفنية الشعبية. كانت في الثالثة من عمرها عندما وقفت أمام الجمهور للمرة الأولى، ثم بدأت تدريجيا في شق طريقها نحو عالم الفن. مع مرور السنوات أصبحت نجمة طفلة معروفة في إيران قبل أن تتحول في مرحلة الشباب إلى واحدة من أبرز مغنيات البوب في البلاد.
في ستينات وسبعينات القرن العشرين صعد نجم كَوكَوش بسرعة كبيرة. امتلكت صوتا مميزا وحضورا مسرحيا لافتا، وكانت أغانيها تمزج بين الشعر الفارسي والإيقاعات الحديثة التي بدأت تدخل إلى الموسيقى الإيرانية آنذاك. ظهرت على المسارح الكبرى وغنت في الحفلات الرسمية وفي المسارح الشهيرة في طهران. في تلك السنوات كانت إيران تعيش فترة انفتاح ثقافي، وكان جمهور الشباب يبحث عن موسيقى تعكس روح العصر، فوجد في صوت كَوكَوش التعبير الأقرب إلى تطلعاته.
انتقلت شهرتها إلى خارج إيران أيضا، وقدمت حفلات في بلدان مختلفة وغنت بلغات متعددة من بينها الفارسية والفرنسية والإنجليزية. وفي تلك الفترة أصبحت واحدة من أبرز رموز الثقافة الشعبية الإيرانية، وارتبط اسمها بملامح جيل كامل من الشباب. حتى تسريحة شعرها القصيرة المميزة تحولت إلى موضة واسعة الانتشار، فقلدتها آلاف النساء في إيران وخارجها، وأصبحت صورتها حاضرة في صالونات التجميل والمجلات الفنية.
شهرة كَوكَوش امتدت إلى عالم السينما أيضا حيث شاركت في عدد من الأفلام الإيرانية الناجحة في الستينات والسبعينات، وكان من أبرز هذه الأعمال فيلم “على امتداد الليل” الذي أُنتج في عام 1977. أدت دور البطولة أمام الممثل الإيراني سعيد كنغراني في قصة درامية تمزج بين الحب والتضحية. أظهرت في هذا الدور موهبة تمثيلية واضحة، وبدت على الشاشة كمغنية وممثلة في آن واحد، الأمر الذي عزز مكانتها الفنية ورسخ حضورها في الذاكرة الثقافية الإيرانية.
مع نهاية السبعينات كان اسم كَوكَوش قد أصبح واحدا من أشهر الأسماء في الموسيقى الإيرانية. غير أن التحولات السياسية التي شهدتها إيران في عام 1979 غيّرت مسار حياتها بالكامل. بعد قيام الثورة الإسلامية فُرضت قيود صارمة على الفنون الشعبية والموسيقى الحديثة، سُجِنت ومن ثم وُضِعت تحت الإقامة الجبرية في المنزل، وتوقفت عن الغناء وابتعدت عن المسرح. مُنعت من تقديم الحفلات العامة وتعرضت لقيود في السفر، فعاشت سنوات طويلة من الصمت والعزلة داخل إيران.
امتدت هذه الفترة أكثر من 21 عاما. خلال تلك السنوات بقي صوتها غائبا عن المسارح وعن التسجيلات الجديدة، في حين ظلت أغانيها القديمة تنتشر بين الناس عبر التسجيلات الخاصة وأشرطة الكاسيت التي تداولها الجمهور في الخفاء. كانت في تلك المرحلة تعيش حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، بينما بقي اسمها حاضراً في ذاكرة محبيها داخل إيران وخارجها.
يقدم فيلم “كَوكَوش: مصنوعة من النار” هذه المرحلة المعقدة من حياتها عبر روايتها الشخصية للأحداث. تتحدث الفنانة في المقابلات التي أجرتها معها المخرجة عن سنوات الصعود الفني وعن حياتها الخاصة وعن السنوات الطويلة التي عاشتها صامتة. يرافق كلماتها أرشيف بصري غني يظهر حفلاتها القديمة وبرامجها التلفزيونية وأفلامها السينمائية، فيتكوّن أمام المشاهد بورتريه إنساني وفني لامرأة عاشت تحولات تاريخية كبيرة.
تعتمد اللغة السينمائية للفيلم على التلاعب بالزمن وعلى التباين بين الصوت والصمت. تظهر سنوات المجد في السبعينات عبر لقطات ملونة نابضة بالحياة، حيث تمتلئ المسارح بالتصفيق والضحكات والألحان. ثم تتغير الإيقاعات البصرية عندما يصل السرد إلى سنوات العزلة، فتصبح الصورة أكثر هدوءاً وتأملاً، وكأن الصمت نفسه يتحول إلى عنصر أساسي في الحكاية. بعد ذلك تأتي مشاهد العودة إلى المسرح في الخارج مع بداية الألفية الجديدة، حيث يعود صوت كَوكَوش تدريجيا إلى الجمهور الذي انتظره طويلاً.
يشارك في الفيلم عدد من الفنانين والمثقفين الإيرانيين الذين يقدمون شهاداتهم عن تأثير كَوكَوش. من بينهم الممثلة الإيرانية – الأميركية شهره آغداشلو التي تتحدث عن المكانة الخاصة التي تحتلها كَوكَوش في ذاكرة الإيرانيين، وكذلك المغني والملحن عارف عارفكيا الذي يوضح أثرها في تطور الموسيقى الشعبية الحديثة في إيران. كما يظهر في الفيلم عدد من الفنانين الآخرين الذين يتحدثون عن تجربتهم معها وعن الدور الذي لعبته في تشكيل المشهد الفني في تلك المرحلة. تظهر هذه الشهادات أن تأثير كَوكَوش تجاوز حدود الغناء. فقد أصبحت رمزاً للموضة وللأناقة وللثقافة الشبابية في إيران خلال السبعينات.
يتناول الفيلم أيضا حياتها الشخصية التي مرت بعدة تحولات. تزوجت في سن السابعة عشرة من رجل الأعمال محمود قرباني الذي كان يدير أحد الملاهي الشهيرة في طهران. انتهى هذا الزواج بالطلاق وفقدت بعده حضانة ابنها، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في حياتها. لاحقا تزوجت لفترة قصيرة من نجم السينما الإيراني بهروز وثوقي بعد أن التقيا أثناء تصوير أحد الأفلام، غير أن هذا الزواج لم يدم طويلا.
في عام 2000 سُمح لكَوكَوش أخيرا بمغادرة إيران للمشاركة في جولة فنية عالمية. بدأت الجولة في كندا واستقبلها جمهور كبير من الإيرانيين المقيمين في الخارج. بالنسبة إلى الكثير من هؤلاء كانت حفلاتها أشبه بلقاء مع الوطن البعيد. بعد تلك الجولة استقرت خارج إيران وواصلت تقديم الحفلات في مدن عديدة حول العالم. يربط الفيلم أيضا بين تجربتها الفنية وبين التحولات الاجتماعية التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، خصوصا الحركات التي تدافع عن حقوق النساء. يظهر صوتها في نظر كثيرين بوصفه رمزا للإصرار على الحرية وللقدرة على الاستمرار رغم القيود والظروف الصعبة.
حظي الفيلم باهتمام واسع في المهرجانات السينمائية الدولية. عُرض للمرة الأولى في مهرجان شيفيلد الدولي للأفلام الوثائقية عام 2024، ثم شارك في مهرجانات أخرى في أوروبا وأميركا الشمالية. كما رُشّح لجائزة الإنجاز الوثائقي في مهرجان ميامي السينمائي عام 2025، وهو ترشيح يعكس التقدير الذي حظي به هذا العمل على الصعيد الدولي. تتشكل في هذا الفيلم حكاية صوت عابر للزمن والحدود، حيث تبقى كَوكَوش من أكثر الشخصيات حضورا وتأثيرا في تاريخ الموسيقى والثقافة الإيرانية المعاصرة.