السينما العراقية المعاصرة: بين وهم الصناعة وسؤال الاعتراف الدولي
تواجه السينما العراقية المعاصرة ازدواجية حادة بين وهج الحضور الدولي وهشاشة البنية التحتية، حيث يُختزل مفهوم الصناعة في نجاحات فردية تعتمد تقنيا على الخارج وتستهدف ذائقة المهرجانات العالمية. يطرح هذا المشهد تساؤلا جوهريا حول المسار الحقيقي للنهوض: هل نبحث عن اعتراف دولي عابر أم بناء منظومة إنتاج وطنية مستدامة؟
شهدت السينما العراقية خلال العقدين الأخيرين تحولات لافتة في حضورها الخارجي، تمثّلت في مشاركات متفرقة ضمن مهرجانات دولية كبرى، وفي تصاعد الخطاب الثقافي الذي يروّج لفكرة تشكّل صناعة سينمائية محلية قادرة على تجاوز آثار الحروب والعزلة الطويلة. هذا الحضور، على أهميته الرمزية، فتح بابا واسعا للأسئلة النقدية حول طبيعة ما يتحقق فعليا، وحول الفارق بين الفيلم بوصفه حدثا فرديا، والصناعة بوصفها بنية متكاملة.
تُستَخدم السينما، في السياق العراقي، بوصفها أداة تمثيل ثقافي أكثر من كونها منظومة إنتاج مستدامة. يُنظر إلى الفيلم غالبا باعتباره سفيرا رمزيا للبلد في المحافل الدولية، وتحميله عبئاً يتجاوز طاقته الفنية، ليغدو دليلاً على التعافي أو الصمود أو النهضة. ضمن هذا السياق، تتقدّم القيمة التمثيلية على القيمة البنيوية، ويصبح الاعتراف الخارجي معياراً مركزياً للنجاح، بينما تبقى البنية الداخلية هشّة وغير متراكمة.
ارتبط مصطلح “الفيلم المهرجاني” في التجربة العراقية المعاصرة بنوع محدد من الخيارات الجمالية والسردية، التي تتكرر عبر أعمال مختلفة مع اختلاف الأسماء والتفاصيل. تتجلى هذه الخيارات في الإيقاع المتأني، والاعتماد على الصمت بوصفه أداة تعبير أساسية، وتقديم الشخصيات في حالات سكون أو انتظار، مع تركيز بصري على الخراب والهامش والعزلة. هذا التوجه يجد صدى إيجابياً لدى لجان التحكيم التي تبحث عن سينما تعكس أزمات كبرى بلغة فنية هادئة وقابلة للتأويل، ما يحوّل الفيلم تدريجيا إلى خطاب موجّه إلى الخارج، ويضع الذائقة المهرجانية على رأس أولويات الكتابة والإخراج، أحياناً على حساب السياق الاجتماعي المحلي والحس الشعبي.
السينما العراقية تحتاج إلى خطاب يعترف بطبيعة المرحلة الانتقالية، ويمنح التجربة حقها من دون تضخيم أو إنكار للتحديات
ضمن هذا المناخ، تواجه الأصوات المختلفة صعوبة في الظهور والاستمرار. الإقصاء هنا يعمل عبر منظومة ناعمة من الاختيارات المتكررة، والدعم الانتقائي، وتدوير الأسماء ذاتها ضمن لجان ومؤسسات ومنصات عرض. تُمنَح الثقة لمن ينسجم مع النموذج السائد، بينما تُترك التجارب التي تشتغل على السخرية، أو الحس الشعبي، أو البنية السردية غير الخطية، خارج دوائر الاهتمام. مع الوقت، تتكوّن صورة واحدة للسينما العراقية، تُعاد صياغتها مراراً بوصفها الصورة المقبولة والقابلة للتداول، وتتحول السينما إلى مرآة انتقائية تعكس جزءاً واحداً من الواقع، وتغفل إمكانات أخرى كامنة في المجتمع واللغة والتجربة الحياتية.
في قلب هذا المشهد يبرز سؤال محوري يتعلق بالغاية النهائية: هل الهدف هو بناء صناعة سينمائية، أم تحقيق اعتراف دولي متواصل؟ الاعتراف يمنح حضورا سريعا، ويخلق سردية نجاح فردية، ويؤمّن استمرارية اسم أو اثنين في المشهد الثقافي. الصناعة تتطلب مسارا أطول، وتراكما بطيئا، وتحمّلا للتجارب غير المكتملة، ووجود أفلام تتعثر قبل أن تنضج. تتشكل الصناعة عبر الاستمرارية، وتنوّع الإنتاج، وتراكم الخبرات التقنية محليا، وتكوّن سوق داخلية ولو محدودة، ووجود جمهور يتفاعل مع الأفلام بوصفها جزءاً من حياته الثقافية. هذا المسار لا يعتمد على فيلم واحد أو جائزة واحدة، بل على شبكة من العلاقات المهنية، والمؤسسات، والتعليم، والتجريب المتواصل.
تثير عبارة “صناعة محلية” إشكالية دقيقة في السياق العراقي، خاصة عندما تُستخدم لوصف أفلام تعتمد في مفاصلها التقنية الأساسية على طواقم أجنبية. مدير التصوير، والمونتير، ومهندس الصوت، ومراحل ما بعد الإنتاج غالباً ما تُنجَز خارج البلد أو بأيدٍ غير محلية، فتصبح المحلية مرتبطة بالموضوع أو الهوية أو مكان التصوير أكثر من ارتباطها بالبنية الإنتاجية. هذا الاستخدام الفضفاض للمصطلح يخلق التباساً في الوعي العام، ويمنح انطباعاً بتحقق ما زال في طور التشكّل. الصناعة، في معناها الدقيق، تشير إلى امتلاك أدوات الإنتاج، وتدوير الخبرات داخل البلد، وبناء كوادر قادرة على العمل المتكرر والتطوّر الذاتي. الاعتماد الواسع على الخارج يحمل قيمة تعليمية وتعاونية مهمة، ويؤسس لشراكات مفيدة، غير أن تسميته صناعة محلية يحجب الحاجة إلى بناء قاعدة تقنية داخلية.
الإقصاء يعمل عبر منظومة ناعمة من الاختيارات المتكررة، والدعم الانتقائي، وتدوير الأسماء ذاتها ضمن لجان ومؤسسات ومنصات
حتى الأفلام القديمة مثل المسألة الكبرى والقادسية نُفذت بأيادي غير عراقية، وكلفت كثيراً بميزانيات ضخمة وهالة فخمة، ما يعيد التذكير بأن هذه الإشكالية ليست وليدة المرحلة المعاصرة، بل امتداد تاريخي لثقافة السينما العراقية التي ربطت الإنجاز بالاستثناء، وربطت المحلية بالتمثيل الرمزي، وربطت النجاح بالصدى الخارجي، سواء في السينما الرسمية أو السينما المهرجانية.
عند مقارنة السينما العراقية بتجارب نشأت ونمت محليا، يصبح الفارق واضحا. السينما الإيرانية، على سبيل المثال، بدأت مشاريعها ببنية إنتاج محلية، واهتمّت بتدريب كوادر وطنية في مختلف المجالات التقنية والفنية، رغم التضييق والقمع، ما أتاح لها تكوين مدرسة متكاملة ومتطورة، وأدى إلى إنتاج أفلام قادرة على الانتشار دولياً دون فقدان هويتها المحلية.
كذلك، السينما الفلسطينية ركزت منذ البداية على التجارب الذاتية والأصوات المحلية، وبنت شبكة إنتاج رغم الظروف القاسية، ما منحها استمرارية نسبية وقوة سردية متميزة. هذه التجارب تبرز كيف يمكن للبنية المحلية المتماسكة، والتراكم المهني المستمر، أن تصنع صناعة حقيقية، مختلفة عن تلك السينما التي تعتمد على خبرات خارجية مؤقتة أو مشاريع فردية استثنائية، كما هو حال السينما العراقية الحالية.
في هذه المرحلة تحتاج السينما العراقية إلى خطاب أكثر هدوء يعترف بطبيعة المرحلة الانتقالية، ويمنح التجربة حقها من دون تضخيم أو إنكار للتحديات. الاعتراف الدولي قيمة ثقافية معتبرة، والصناعة هدف طويل الأمد، والمساران يلتقيان حين تتشكل بنية داخلية قادرة على إنتاج أفلام متعددة، بأصوات مختلفة، وبخيارات جمالية غير خاضعة لقالب واحد.
السينما تنمو حين يُسمَح لها بالخطأ، وحين يُفتح المجال للتنوع، وحين يصبح النقاش النقدي جزءاً من تطورها الطبيعي. عند هذه النقطة، يتحول الفيلم من استثناء احتفالي إلى حلقة ضمن سلسلة، وتتحول المشاركة الخارجية من غاية بحد ذاتها إلى نتيجة لمسار متكامل.