د. سارة الجويني لـ"العرب": التصوف ليس بديلا.. بل أفقٌ لفهم الإنسان والعالم

من ابن عربي إلى أسئلة العصر.. قراءة صوفية في نظريّة الإنسان الكامل والسلم.
الأربعاء 2026/02/04
المتصوفة يعلموننا قبول الاختلاف

واجه الفكر الصوفي الكثير من التصنيفات المجانبة لجوهره، بينما بات اليوم على طاولة التشريح من زوايا مختلفة، في محاولة للاستفادة من طاقته الكبرى في المزج بين العقل والروحانيات، وغيره من خواصّه. "العرب" التقت الباحثة والأكاديمية التونسية سارة الجويني حفيز، التي خصصت جزءا هاما من مشروعها الفكري للصوفية، في حوار حول هذا التيار وعوالمه.

سارة الجويني حفيز أستاذة محاضرة بالمعهد العالي لأصول الدين ورئيسة قسم أصول الدين بجامعة الزيتونة بتونس نشرت عددا من البحوث والدراسات في مواقع ومجلات معروفة ولها كتب صادرة منها “صورة المسيح في التراث الصوفي الإسلامي ” صدر في طبعته الأولى عن دار الطليعة للطباعة والنشر سنة 2010، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه.

وواصلت الباحثة مشروعها الفكري في كتب أخرى نذكر منها “الهوية الغيبية في الفكر الصوفي الإسلامي” (2010)، “الكونيّة في التجربة الصوفيّة من خلال نماذج” (2014)، “دور البعدين الأخلاقي والصوفي للدين في إشاعة السلم بين البشر” (2015).

عالم التصوف

العرب: كيف جئت إلى عوالم الفكر والفلسفة عامة وعالم التصوف خاصة؟ من أين دخلت هذا العالم؟

سارة الجويني: أحببت من بداية تكويني الدراسي ريشة الفنان وجنيّة الشعراء ومهج المؤلفين والتهمت القصص وبرأسي أسئلة تجمع الدهشة على البراءة على الفضول. كنت وحيدة أمي وآخر عنقود أبي، الشيء الذي أمدني بشحنة عاطفية عالية اغترفت منها بقية حياتي، ترددت على أزقة المدينة العتيقة المزدحمة ألوانا وروائح ووجوه وارتأت والدتي تحصيني بزيارة مقام الولية عائشة المنوبية.

التّفلسف الصوفي ليس مجرّد ترف فكريّ في عزلة وإنّما هو طريق رئيسيّ في وجود الموجود في صورة عاكسة منعكسة
التّفلسف الصوفي ليس مجرّد ترف فكريّ في عزلة وإنّما هو طريق رئيسيّ في وجود الموجود في صورة عاكسة منعكسة

في ذلك المقام كنت أهتزّ فرحا بمشاهدة الأضاحي وأناشيد الحضرة وأجسام النساء المهتزة على نغماتها، وعرفت بعد ذلك وفي مرحلة الدراسات العليا بأنها كأغلب العارفات تقول بالأهلية العلمية والعرفانية في المشيخة، وعلمت أن منافستها للمجتمع الرجالي آنذاك لم تكن مجرد فرز جندري أو رغبة في الارتفاع إلى مقام الرجال وإنما ولع بالعوالم الجوانية وتحسس لطرق الوصل بالقوة العلية وتخفيف لستار الحجب وتأمين لوسائط الكشف من خارج تلك الفوارق التصوريّة التي تحشرها في تقاطيع الجسد الأنثوي.

لاشكّ أننا نحفظ من ذاكرة الطفولة والصبى ما يحفّز اهتمامنا بمسائل بعينها، مررت بمرحلة الثانوية وأنا محبة للأدب والفلسفة وكنّا نلقب أستاذ الفلسفة “سبينوزا” من شدة ولعه به وتحمسه الشديد عند شرح أفكاره.

التحقت بعد ذلك بالجامعة الزيتونية ولم أكن أعلم أني سأجد متعة في دراسة المواد الدينية بنصوصها وفلسفاتها وتاريخها وسجلت في شعبة الأديان، وطرح أستاذي وفي مرحلة الدراسات المعمقة عنوانا حول القربان والتقرب ووجدت نفسي في مياهي الإقليمية أجيب عن أسئلة شغلتني حول طبيعته وأهدافه وتعليمه لتاريخ الأديان، تحتاج في مثل هذه البحوث إلى تفكيك المفردة الأنثروبولوجية وتعقب أفكار المتدين ومحاورة المقدس والوقوف على تفسير وتأويل النصوص ورصد التجارب والمراحل التي مرّ بها الإنسان في إثبات معتقداته والقراءة الفلسفية لذلك الثابت الذي تفيض عنه العقول في الفلسفة اليونانية لنقل في باب الإلهيات والطبيعيات.

جاء الاهتمام بالأديان المقارنة مطعّما بالتصوف في مرحلة الدكتوراه حيث وقفت على المدونة وصرت من شخصية لأخرى أتعقب عوالم الروحانيات واعتبرت أنها لا أفضل ولا أقلّ من العقل الخالص لكونها تحمل في ذاتها منطقها الداخلي متى سلّمنا أن المقاربات الوجوديّة لا تحمل أجوبة الحقيقة المطلقة وإنّما تعبّر عن مخارج للأنفس المتمعنة في هكذا عوالم.

التدريس بالجامعة بعد ذلك والإشراف على بحوث الطلبة وإعداد الدروس والمشاركة في الندوات رسّخ قناعتي بأنّ الديني شرائح رقاقيّة تتداخل المواد لفهمه وتأويله، وأنه قابع في النسيج الوجداني، وأنّ الدراسة الرصينة غير المأدلجة تمنحه الحيز الذّي يحتله سواء انطلقت من مقدمات جاهزة أو أسئلة وجودية مفتوحة على احتمالات، ولعلّ التصوف هنا – وفي تعبيرة أخرى العرفان – يحفر جيّدا بمقاماته وأحواله وقدرته على تسلق سلم المعرفة الدينيّة، قرعت هذا الباب ولم أخرج منه، بل وصارت المواد على اختلافها تمدّني بتفاصيل إضافيّة أسند بها الفكرة ووجهة النّظر.

تركت عينا ناظرة إلى الفلسفات الحديثة أرصد أو أحاول رصد كلّ جديد وإعادة ترتيبه ضمن ما عرفت، وعلمني المتصوفة قبول الاختلاف، فقد رددوا مطولا ما يفيد انفتاح قلوبهم واعتبارهم التاريخ الديني اعتباريا وأن الطرق إلى الله بعدد أنفس الخلائق بحيث يكون اهتمامي دوما بالأفكار ومحتواها وإضافتها لا بالحكم عليها، لذلك أترك في كتبي مساحة احتمال ترسم ابتسامة خفيفة على وجهي وأنا أراجع أو أعيد القراءة وأقول في خلدي لعلّي أفتح باب القراءة على القراءة والكتابة على الكتابة فالزمن الذي نعيشه نفسه نسبي وكل الذي يندرج في تفاصيله كذلك.انخرطت بالجمعية التونسية للدراسات الصوفية برئاسة د توفيق بن عامر ولانزال إلى اليوم نساهم من تأثيث الندوات ونشرها في كتب جماعية.

العرب: ما هي أول المصادر التي عرفتك بالعالم الصوفي والمتصوفة؟ وما هو شعورك عند قراءتك للصوفية والأسماء المعروفة كابن عربي؟

سارة الجويني: لا أذكر أول العناوين فقد بدأت بقراءة المقالات والمراجع وحفظت بعض القصائد الصوفية وتوقفت مطولا عند الفتوحات المكيّة لابن عربي لكونه من المصادر الأساسية في رسالتي، لاسيما أنه يعده من الإلقاء اللّدني، شغلتني اللّغة الصوفيّة المكتنزة معاني، وشعرت أن للعبارة حيوات أخرى تتفسح فيها بين الظاهر والباطن ودرجات التلقي والاتصال داخل الإبستيمولوجية المخصوصة لهذا العلم وفي تفاصيل تلك الملامح التّي حفل بها التاريخ وحفظتها ذاكرته، ودلت بواسطتها على مركزية الذات وقدرتها على تحفيز طاقتها الإبداعية.

وعليه تسللت المصادر والمراجع الكاشفة على مهج المتصوّفة وأذواقهم ووقفاتهم “والوقفة روح المعرفة والمعرفة روح العلم والعلم روح الحياة” على رأي النّفّري الذّي طرق أسئلة الوجود والحركة والسكون والاختلاف والائتلاف وهي عناوين مبثوثة في أكثر من علم تتجاذبها فلسفات الدين وما يمكن أن يستلّ منها من إشكالات وتؤثث لمسائل العقائد والمباحث الكلاميّة.

 لقد جلبتني مؤلفات عدة على غرار الأعمال الصوفية لمحمد بن عبدالجبار بن الحسن النّفري ت 354 هـ /965 م مؤلف المواقف والمخاطبات وهو الناظر في تعّدد مظاهر الوجود وسباحتها في الكون وعدم تنافرها. لعلّ وقفاته “أوقفني وقال لي” تثير فضولي من جانب كون الواقف يستشعر ما به يعتق من رقّ الكائنات، أو بمعنى أنه منهمك في ذاته ومراقيها غير مكترث بكسريات أخر وفي ذلك التقاط لسعادة لا يدركها إلا الواصل الذي لا ينتظر شيئا من أحد، فمتى خفضنا سقف انتظاراتنا قلت خيباتنا.

وفي “موقف العزّ من المواقف للنفري: وقال لي: لو نطق ناطق العز لصمتت نواطق كل وصف ورجعت إلى العدم مبالغ كلّ حرف”، وعليه فإن الغنى المعنوي والدلالي يأخذ المطلع إلى المزيد من النبش في أسرار الكون “أوقفني وقال لي: أنت ثابت ومثبت فلا تنظر إلى ثبتك، فمن نظرك إليك أتيت”، وفي مثل هذه التراتيب نلاحظ ومن دون كبير عناء وسائط النفاذ من سجن وضيق النفس إلى مراقي الكمال، فكثيرا ما تتصاحب التعبيرة الصوفية بابتغاء الوصول واستعجال السفر إلى الله واستجماع القوى الكامنة في طالبي الحقّ لإدراكه.

الامتلاء الروحي

التصور الصّوفي يعلي من شأن الإنسان
التصور الصّوفي يعلي من شأن الإنسان

العرب: إلى أي حد تستطيع الصوفية الحفاظ على هوية الإنسان في مستواها البيولوجي والثقافي؟

سارة الجويني: سبق وحررت عنوانا في الهوية الصوفية ولعل العنوان الأظهر لتلك الهوية الإنساني في أبعاده الظاهرة والمحتملة وفي تقاطيع التّصوف ما يعبّر عنه بالقول بالحقيقة الواقعيّة الواحدة المغذيّة لمعاني السّلم، فالإله في تفصيل وحدة الوجود يعني ومن جملة ما يعنيه أنّ وجود الله ووجود العالم بما يحويه هو ضرب واحد من الوجود، وذلك من شأنه إذبال أشكال التّصنيف والمخاتلات وادّعاء الأفضليّة، وليس أدلّ من ذلك أقوال الفلاسفة والمتأمّلين ومنهم وليام جيمس من مزايا تلك الواحديّة حيث يقول: “ومزايا الواحديّة هي ارتباطها الطّبيعي بينبوع متين من الإيمان الدّيني، والقيمة الانفصاليّة الخالصة لتصوّر العالم واقعة محدودة فالتّصوّر (الكثير) ليس هو التّصور (الواحد) وعلى ذلك فالكثرة في الواحد التّي يزوّدنا بها إدراكنا الحسّي مستحيلة التّفسير عقليّا”.

ويضيف “أنّ تصوّر المتصوّفة يتمثّل في أنّ الواحديّة تعني أنّ كلّ الانفصالات الظاهريّة ثمّة بينها اتّحاد أعمق… ولابدّ أن يكون ذلك الاتّحاد على نحو ما أشدّ واقعيّة من الانفصالات التّي تظهر على سطح الأشياء”.

كذلك اتّسمت نظرة ابن عربي بتلك الرؤية الواحديّة للوجود فالحقيقة لديه واحدة في جوهرها وذاتها متكثّرة بأسمائها وصفاتها والنّظرة على ذلك تربط بين “الإله” و”المألوه”، بمعنى أن هذا الإله يقتضي نسبا وإضافة إلى ما ومن هو مألوه له، أو بمعنى أنّه لا يعرف الله الحقّ إلاّ بمعرفة العالم أو الخلق بحيث تعقّل النّفس في مرآة الأسماء والصّفات وفي ذلك رفعة لمرتبة الإنسان لمّا يصير ممثلا لعلّة الوجود كما جاء في “فصوص الحكم”.

عوالم الروحانيات تعتبر الباحثة أنها لا أفضل ولا أقلّ من العقل الخالص لكونها تحمل في ذاتها منطقها الداخلي

كذلك تتجلّى الإنسانيّة في أفضل صورها وتحتاج  إلى ذلك البعد الذّي سبق للفكر الفلسفي ممثلا في سبينوزا أن وضع عبارة ذلك على زوايا المثلّث، وانتهى إلى أنّ الأجزاء تنتج الكلّ، والواقع أنّ جولة الخاطر في معنى الوحدة حاضر وبقوّة في المدوّنة الصّوفيّة، فابن سبعين، على سبيل المثال، يتمثّل ذلك الاتحاد بين الأجزاء وذلك الارتباط بالأصل الواحد بحيث تقوم نظريّته على قضيّة مركزيّة وهي أنّ الموجودات المتعدّدة المختلفة الماهيّة واحدة، فلا وجود في رأيه للكلّ إلاّ في الكلّ “فاتّحد الكلّ بالجزء، فارتبطا بالأصل وهو الوجود وافترقا وانفصلا بالفرع، فالعامّة – على حدّ قوله – والجهّال غلب عليهم العارض وهو الكثرة والتّعدّد والخاصّة والعلماء غلب عليهم الأصل وهو وحدة الوجود”.

التّمشيّات تكرّس إطلاقيّة الكامل الأوحد وإحاطته التّامّة أو بمعنى تلاشي الفروق حيث يتأسس معنى السّلم الطّبيعي المفترض بين الإنسانيّة جمعاء ويكتسح الإنساني جانبا مهما من ذلك الكيان البيولوجي الروحي، يعدّ السّلم من كمالات الذات البشريّة في التّراتيب الصّوفيّة لكونه واقعا وفي اعتبارهم بين الذّات والذّات وبين الذّات والله بحيث تتكرّر صورة الإنسان الكامل على صورة ربّه.

ويسحب عبدالكريم الجيلي على الإنسان الكامل أعلى مقامات التّمكّن في مقابل ما تطرحه أحيانا العدميّة من مفهوم يحمل معنى الخواء، وفي مقابل ما تخبر به الأنا الشّرطيّة الهوويّة كذلك من كيقيّة استبصار ذاتها على رأي ابن سينا أو ما يحمله زوج الظّاهر والباطن من جانب احتواء العالم، وعليه تستوعب تلك الكمالات علوّ الذّات وتحقّق تحرّرها كما بينت في كتابي “في الذائقة الصوفية”. وفي التفاصيل نستشفّ ذلك التّخاطر بين وهج الذّات الإلهيّة ومقام الذات الإنسانيّة وطرق استبصارها ودنوّها من خالقها والنّظر إليه بعين القلب كما يحلو للمتصوّفة ذكره والتّفنن في وضع العبارات وحبكها.

وعلى الرّغم من انغلاق بعض المصطلحات لتعلّقها بالتّجارب الذّوقيّة الخالصة من قبيل القول في الدنو بكونه  “دائرة الضبط لحقيقة حقّ الحقائق، في دقيقة الدّقائق، من شواهق الشوائق، بوصف ترياق التائق…” فإنّ الحاصل في الذّهن أنّ التّصور الصّوفي إنّما يعلي من شأن الإنسان ويخصّه بمرتبة متقدمة لكونه على صورة ربّه أو هو المجلى الإلهي المعبّر عن اسمه المجيد ورسمه الفريد.

أدوار الصوفية المعاصرة

العرب: يقترح حسام الحداد الكاتب المصري بدائل فكرية مثل إعادة إحياء التصوف لتعزيز قيم التسامح والروحانية في مواجهة التطرف ما رأيك؟ هل ترين أن التصوف بديل حقيقي لما هو سائد من أفكار وتيارات مختلفة باسم الدين؟

سارة الجويني: كثيرا ما يرد هذا السؤال على مسامعي بمعنى البدائل المحتملة للتصوف ضمن خارطة أفكار تتجاذب بين يمين ويسار بين نزعة تاريخية لا ترى في الديني غير الجانب الفينومولوجي ونزعة اعتقادية لها ما يكفي من المسلمات المطعمة بقراءة حرفية، قد تذهب و-بفعل الجيوسياسي- إلى التمثل في جماعات أو اتجاهات نسميها بالإرهابية، لذلك تقترح الدوائر الروحانية بدائل لتلك الحديّة، إلا أنني صدقا أرى أن التصوف يتحوز مكانه ويؤثر من داخله ويشبع طالبي الحقّ كما يحلو للسادة المتصوفة قوله، بحيث أنه لا يلغي التيارات الفكرية المخالفة لاعتقادي بأن الأفكار لا تموت وإن غمرناها.

الفكر الصوفي يستند على معاني التّعدّد والكثرة في الواحد، لذلك تتقاطع مفردات التّصوّف والعرفان مع محبّة الحكمة
الفكر الصوفي يستند على معاني التّعدّد والكثرة في الواحد، لذلك تتقاطع مفردات التّصوّف والعرفان مع محبّة الحكمة

أؤمن أن التقدم في سلم المعرفة الدينية يتأتى من أصحاب الاتجاه بتراكم التجارب ذلك أن الديني وفي كلّ الأحوال يشكّل نسقا وهو لا يتحدّد من خلال لحظة معطاة معلقة وعليه تراكم التجربة الدينية التاريخي على الثقافي على السياسي ضمن تلك الدائرة النسقية، صحيح أننا نلاحظ عودة الروحانيات في العالم، ولو أن التصوف غادر المقام والزاوية، إلا أنه يتشكل في فضاءات أكاديمية وجمعياتية ويتحوّز مكانا استحقه في اعتقادي جوابا على اختفاء المعنى والبحث عن المعنى غير المشبع وكما هو الشأن لدى التيارات المؤدلجة والفرقة الناجية.

وعليه فإن ما يراه حسام الحداد له وجاهته، سواء من حيث ما تستبطنه المقامات والأحوال الصوفية من قدرة على المحبة التي يضفي عليها البعض أوصاف وبهاء الحضرة الإلهية أو ما يتميز به من التصوف من تقاطع والإرث الروحي المترامي الأطراف – العربي الفارسي الهندي- أو ما يقع استقباله اليوم في أنحاء العالم من رياضات روحية تشتغل على الطاقة. غير ذلك أرى أن بقية الفرق والاتجاهات والحساسيات الدينية تخضع لأحوال الزمان وجغرافيته، فالسلفية مثلا شهدت انزياحات مفهومية كبرى وصارت تقسم إلى سلفية علمية وأخرى جهادية، والتيارات السياسية ولا شكّ تضع يدها كما كان الأمر دوما وعبر التاريخ على المؤسسة الدينية ولم تسلم الطرق الصوفية نفسها من ذلك.

العرب: ما هو الواضح عند ابن عربي يضيف لنا في زمننا هذا وما الذي يحتاج إلى بحث وتأويل؟ كيف يتم البحث في العلاقة بين اللغة والتأويل والمعرفة؟

سارة الجويني: لا شكّ أنّ التّصوف يختلف ومن حيث نسقه اللّغوي على جملة من الأنساق اللّغويّة لكونه يرسم مصطلحاته ومفاهيمه على تصوّر مخصوص روحاني للعالم، تكون اللّغة فيه رمزا ومفتاحا للكون، فالمتصوّفة عموما لا يخضعون إلى عالم الإمكان بقدر توسّلهم إليه بالأفعال والإنجاز، وفي آثار الحارث المحاسبي ما يؤثّث لمنطق متقدّم من التّرقّي إلى عالم الإمكان، لذلك تتحوز اللغة في هذه السياقات أبعادها الباطنيّة وفق المقامات والأحوال، والأمر لا يختلف لدى محي الدّين ابن عربي، بحيث يعكس تأويله للنصّ تصوّره للوجود بين الظّاهر والباطن تصوّرا يستبطن المفاهيم البلاغيّة كوجه من وجوه اللّه المتجلّي في النصّ مع حضور مكثّف للمعجم الصّوفي الذّوقي الخالص كالبرزخ المحمّدي، والقطع والوصل  والفناء.

ويعكس ذاك خطاب نظرة تفاعليّة جدليّة مثلّثة الأبعاد تجمع البعد الذّاتي أو التّجربة الرّوحيّة المخصوصة على بعد النصّ من حيث هو حروف وصور على أثر النصّ من حيث أنّه أي القرآن مربوط بالوجود كلّه كذلك يصير الدّال اللّغوي أو التّعبير اللّفظي الرّقمي لكلّ مراتب الوجود ومستوياته على قول نصر حامد أبو زيد: “يصبح القرآن هو الرّمز الدّال والوجود هو المدلول المرموز إليه”  موازنة وصفت بالأنطلوجيّة. “فالأساس في الوجود والقرآن ما في النّفس الإلهي الذّي ظهرت فيه أعيان صور الموجودات   كما ظهرت فيه حروف اللّغة التّي تتشكّل منها الكلمات الإلهيّة”، وعليه فإن إضافة ابن عربي تكمن في طرق تلقيه وانفعاله واستكناهه أسرار الوجود والمجال لا يسمح باستعراض فلسفته في عمقها وامتداداتها.

العرب: ما حاجتنا إلى جهاد النفس في زمننا الراهن ؟

سارة الجويني: يستند الفكر الصوفي وفي الكثير من أشكاله على معاني التّعدّد والكثرة في الواحد، لذلك تتقاطع مفردات التّصوّف والعرفان مع محبّة الحكمة والتّذوّق والافتتان بالمفارق، ممّا يقتضي مجاهدة النّفس التّي تعدّ تجليّا للثورة وترتّب “كشكل من أشكال المشاهدة”، ممّا يعبّر عنه بالفتوّة الرّوحيّة والتّي عرّفها السّلمي بكونها “سخاوة  النّفس”  وقد عرف الشاذلي بكونه من شخصيّة سائحة “مغتربة” سخّر له بفضل الولاية مداد روحيّ قاهر دعاه إلى النّظر في الضّنك والضّيق الذّي أصاب النّاس في عصره من مثل الحركات الانفصاليّة  والمدّ الاستعماري، وحيث تحسست الطريقة جانب اليقظة والمعرفة المدعومة بحزب البحر، الذّي تخمّر فيه السؤال عن الحركات والسّكنات والإرادات والظّنون والشّكوك.

ويحتمل الأمر مزيد التوسّع في الشّخصيات المنسوبة للشاذليّة والتيجانيّة من مثل الشيخ إبراهيم الرياحي المبعوث والمفاوض العليم لسلطان المغرب لأجل سدّ حاجة أهالي الإيالة التونسيّة من الحبوب، ولعلّ في سيرته بيان ذلك الربط البنيوي بين السلطة والمقدّس، بين العاهل والرعيّة أو ما يسمّى في تفصيل تاريخيّ نظام الرّعاية والأعيان. هذا أبسط مفردات أحد الحركات الصوفيّة “الحركة السنوسيّة” المعروفة بمقاومتها الاستعمار في فترات تراجع البلاد العربيّة والإسلاميّة وضعف المؤسسة الدينيّة واقتصارها على الشروح والحواشي، وحيث كشفت الحركة بنشاطها وفلسفتها وأثرها – على الصحراء الليبية وغيرها من البلدان – الأنسجة الرّقاقيّة المتشابكة بين الطرقي والاجتماعي والسّياسي وصارت الزّوايا أشبه بالقلاع المخبرة عن الصّرح الزّعاماتي بين الشّيخ والمريد.

وعليه يمكن للمجاهدة “الثوريّة” أن تتخذ شكلا تطبيقيّا مشاهدا، كما يمكن للثورة على الذّات أن تترجم من خلال بعض الفلسفات غير البعيدة عن الخلفيّة الطرقيّة على غرار نظريّة الإنسان الكامل أو بمعنى السّفر من الذّاتيّة إلى الغيريّة، أو المرور من المعاش إلى المتصوّر حيث لا يكون التّفلسف مجرّد ترف فكريّ في عزلة وإنّما يجعل منه طريقا رئيسيا في وجود الموجود في صورة عاكسة منعكسة.

8