هاجر خنفير لـ"العرب": الحرية والكرامة من المقولات الخطيرة عندما تتعلقان بالنساء
ما تزال الحركة أو الحركات النسوية العربية تواجه التهميش والتشويه وترد الفعل بالتالي بطرق غير مدروسة، وهو ما جعل تأثيرها وانتشارها محدودين، علاوة على تفاقم ظواهر الأصولية والتطرف، ما رسخ بالتالي من واقع يقمع المرأة مهما ادعى العكس. "العرب" كان لها هذا الحوار مع الباحثة والأكاديمية التونسية هاجر خنفير المختصة في الخطاب النسوي حول ملامح هذا الخطاب ومقترحاته.
خاضت الدكتورة هاجر خنفير مسيرة بحثية مميزة منذ تحصلها على الأستاذية في الآداب واللغة العربية سنة 1993، ثم على شهادة الماجستير سنة 2003 – كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، وحصولها سنة 2012 على أطروحة دكتوراه عنوانها “إشكاليات الخطاب النسوي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.”
وإن كانت تشغل حاليا منصب أستاذة مساعدة في اللغة العربية في المعهد العالي للغات بتونس، فإن انشغالاتها في التدريس لم تمنعها من تقديم إسهامات متنوعة في
مجال الدراسات النسوية والمقاربة الجندرية.
الذكورية والمؤسسة الدينية
• العرب: ما هي “الدوافع الموضوعية” التي جعلتك تتطرقين إلى مجاهل الخطاب النسوي العربي المعاصر وتعملين على تفكيكه؟
هاجر خنفير: لقد لقي الخطاب النسوي العربي منذ بوادره الأولى ردود فعل تراوحت غالبا بين الحذر والتشويه والتهميش، وبلغ حد اتهام بعض النسويات المعاصرات بالتمرد مثل نظيرة زين الدين وهدى شعراوي اللتين دعتا إلى السفور، وتعرضتا للتكفير مثلما كان الأمر مع نوال السعداوي.
لقد كان لهذا الخطاب المضاد المنتشر في ربوع العالم العربي آليات دعاية ضخمة بسيطرته على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي واستغلال الفضاءات الدينية، علاوة على امتلاك دعاة هذا الخطاب القدرة الإقناعية برفع شعارات الدفاع عن الهوية والأخلاق وحماية الإسلام وحفظ الاستقرار.

وبذلك لعب هذا الخطاب وظيفة تأثيرية وتحريضية ضد الخطاب النسوي حتى صار خطابا مطاردا ومطرودا دون وعي فعلي بحقيقة ما يطرحه من إشكاليات أو معرفة بتنوع خلفياته ومقارباته لا سيما في فترة النصف الثاني من القرن العشرين. ذلك ما دفعني إلى البحث في مضامين هذا الخطاب من خلال بعض النماذج للكشف عن مظاهر ديناميته وعمق أطروحاته وعلاقته بالشريعة من جهة وبالاتفاقيات والمعاهدات الدولية من جهة أخرى. على أن ذلك لا يعني الانسياق في قراءة تمجيدية للجهود النسوية بقدر إبراز أسباب ضعف مردودية هذا الخطاب من داخله.
• العرب: قلت إن “طرح إشكالية أساسية تتمثل في تبين مدى نجاح هذا الخطاب في التأسيس لقطيعة مع التصور التقليدي للعلاقات بين الجنسين وتشكيله لحراك فعلي يقض آليات السيطرة الذكورية.” ألا ترين أن هذا الوصف “السيطرة الذكورية” صار فزاعة للمرأة العربية وفيه أيضا شيء من الوهم بات لا يفارق من هو مريض به من بعض النساء؟
هاجر خنفير: لا أعتقد أنها فزاعة ولكنني وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على بحثي في هذا الخطاب أضيف إلى السيطرة عبارة الهيمنة رغم أنهما يبدوان مترادفين. فاليوم بات معلوما أن الحديث عن المرأة العربية غير كفيل بالكشف عن دقائق وضعها الذي يختلف من بلاد عربية إلى أخرى. إننا إزاء نساء عربيات تتفاوت درجة تعرضهن للظلم والغبن وتختلف أشكال العنف المسلط عليهن باختلاف الثقافة والقيم التي يتبناها المجتمع.
وفي هذا الإطار يتنزل حديثنا عن السيطرة الذكورية إذا كانت ممارسات القوة والتسلط بينة ووظيفتها القمعية مباشرة وآنية ونذكر على سبيل المثال جرائم القتل على الشرف التي ما تزال بعض الدول العربية والإسلامية تماطل في تجريمها أو الاغتصاب الزوجي الذي ظل موضوعا مسكوتا عنه في جل مدونات الأحوال الشخصية أو يعبر عنه في أفضل الحالات بالإكراه واستمرار عادة ختان الإناث في بعض الدول الإسلامية (الصومال/ مصر/ السودان) إضافة إلى تواصل ظاهرة زواج القاصرات بفعل مرونة قانونية تتفاوت درجتها من بلد إلى آخر (اليمن / السودان).
ولا يخفى أن مثل هذه الممارسات هي وليدة براديغم الهيمنة الذي تنهض عليه العلاقات الجندرية في المجتمعات الذكورية بشكل عام. ويكفي النظر في التمثلات السائدة للأنوثة والذكورة لنتبين بيسر التمييز الجندري الذي يشرع للهيمنة الذكورية، فهي الكائن الناقص الضعيف التابع ولا صلاح لها إلا بإخضاعها وضبطها ومراقبتها. ليست السيطرة والهيمنة الذكوريتين فزاعة بل واقعا تختلف علاماته من مجتمع إلى آخر، ولكن الفزاعة في رأيي هي تلك الاتهامات الموجهة لكل الجهود النقدية الرامية إلى فضح أشكال التحيز الذكوري بدءا من الأنساق الثقافية وصولا إلى أدق تفاصيل اليومي. فأية صورة لهذا الحقوقي/ة أو النسوي/ة أو الباحث/ة تتشكل لدى مجتمعات قلقة على مصير هويتها الثقافية وقد وُصمت أفكاره ومواقفه بالخيانة والعمالة أو التغريب أو إثارة الفتنة.
• العرب: تقولين “مسألة إمامة المرأة تعد تجديدا في الدين وليست مساسا بقدسيته،” سيفسر البعض هذا على أنه معارضة لما جاء في الدين الإسلامي تحديدا “القرآن” وما عرفه العامة؟ من يحسم هذا الأمر؟
هاجر خنفير: بالنظر إلى تجارب ريادية في إمامة النساء (أمينة ودود بجنوب أفريقيا/ إلهام المانع بألمانيا/ شيرين خانكان بالدانمارك) يمكن القول إن الإقدام على تولي هذه الوظيفة يُعد فعلا ثوريا ضد التراتبية التي تحكم الفضاء الديني والوظائف الدينية والشعائر وهي تراتبية أقرها الفقهاء بناء على قراءات موجهة للحديث النبوي “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.”
وتتنزل هذه التجربة التي تكررت في بلدان غربية ذات أقليات مسلمة في نطاق إعادة النظر في موقع المرأة المسلمة من المشهد الديني وخرق الأسيجة التي تفرضها المعرفة الدينية الذكورية وهو هدف يجمع جل أطياف النسوية الإسلامية. ومن الأحكام المتسرعة القول إن في هذا الرأي معارضة للقرآن بل يندرج في صلب مقاصد الشريعة باعتباره تكريسا لمبدأ المساواة بين البشر وحصر الأفضلية في شرط التقوى. لكن مسألة الحسم في هذا الجدل لا يمكن أن تتحقق في مجتمعات تقودها المؤسسة الدينية الرافضة لكافة ضروب التجديد في الخطاب الديني تنظيرا وممارسة وخاصة إذا كانت مربكة للصورة النمطية للمرأة المسلمة.
• العرب: الحديث عن إمامة المرأة أو إلغاءِ عدة الطلاق والمساواة في الميراث… إثارة هذه المواضيع تعد من المحظورات في مجتمعات لا تؤمن بحرية الفكر أو الاختلاف في الرأي ألا ترين أنها مجازفة أو مخاطرة بحياة الباحث أو من يحركها؟
هاجر خنفير: لا يتوانى ممثلو المؤسسة الدينية في المجتمعات العربية والإسلامية في اتهام كل من خرج عن تعاليمهم وخرق ما اعتبروه من الثوابت بأنه عدو الإسلام، مثلما كان حظ أمينة ودود سنة 2005 وقد أقدمت على الإمامة. وكذلك كان الترهيب من المبادرة التشريعية حول أحكام المواريث بتونس فهبت طائفة من رجال الزيتونة وبعض رجال القانون المحافظين للتعبير عن رفضهم لهذا المقترح. ويذكرنا ذلك بموقف شيوخ الزيتونة من الطاهر الحداد إثر صدور كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع.
تلك ضريبة الفكر النقدي الذي لا يهادن ولا يجامل بل يعتنق مبدأ حرية التعبير والرأي فيكشف عن ثغرات تلك الخطابات الموسومة بالصلابة والمتانة ويبرز علامات ما أطلقت عليه رجاء بن سلامة الهذيان الأصولي.. هي مغامرة العقل الحر ومخاطرة بالنفس من أجل الدفاع عن الحق في التفكير والمعتقد والحياة.
رهائن الماضي والتوحش

• العرب: خطر الأصوليات ما زال قائما، والأصولية ليست واحدة بل أصوليات متعددة. هل يمكن تصنيف طائفة من النساء ضمن الأصولية الأشد خطرا؟
هاجر خنفير: يكفي النظر في تجارب النساء المنتميات إلى تنظيم داعش واعترافاتهن الموثقة لنتبين خطورة الوظائف التي قمن بها وحرصهن على إثبات أهليتهن “للجهاد”، فهن في اختبار مستمر لأدائهن في الحياة الخاصة والعامة حتى ينلن رضا القادة من الرجال ونجاحهن في ذلك يكون بإظهارهن الولاء والالتزام ولو بالتضحية بالنفس.
بالإضافة إلى هذه الطائفة يمكن الحديث عن صنف آخر من النساء وإن كان ظهورهن مختلفا شكلا ومضمونا وذلك من خلال الداعيات اللواتي يشكل خطابهن سلطة مضادة للخطاب التنويري الحقوقي وللحراك الفكري النسوي. فباستقراء رسائلهن الموجهة لجمهور النساء يتضح عملهن على تكريس مقولة نقص الأنثى وضرورة عملها على تطبيق التعاليم الشرعية بدءا من طاعة الزوج إلى شطب الجسد باعتباره مصدر فتنة. وقد تكون خطورة الداعيات أشد من الإرهابيات باعتبار قدرتهن على دس السم (دونية المرأة) في العسل (الشرعية الدينية للخطاب).
• العرب: في أغلب محاولات التغيير في العالم العربي كانت التنظيمات الإسلامية تتصدر المشهد بالمبادرات والتحركات ماذا يعني هذا؟
هاجر خنفير: أية مبادرات تقدمت بها هذه التنظيمات وأية إصلاحات؟ هل تمكنت من تحويل الشعوب العربية من دور الاستهلاك إلى دور المنتج؟ هل عتقتها من موقع التابع إلى موقع المركز؟ إنها لا تعدو أن تكون مرحلة من تاريخ سياسي تحكمه العلاقة المتأزمة بين الحاكم والمحكوم في التاريخ السياسي العربي الإسلامي مثلما ذهب إليه نصر حامد أبو زيد، ولا يعني هذا أن ما عدا ذلك من الأنظمة الحاكمة هو أفضل أو أقدر على تحقيق تغيير ملحوظ، فحتى ما كان منها رافعا لشعار الديمقراطية لم يقطع مع غاية اكتساب شرعية التنظيمات الإسلامية باتخاذ تدابير تطمئن لها قلوب الجماهير.
• العرب: من يقود إدارة المستقبل؟ ومن أين يجب أن يبدأ التغيير؟
هاجر خنفير: أبدأ من السؤال الأخير لأن التغيير لا بد أن ينطلق من وضع المثقف العربي نفسه في علاقته بالسلطة (السياسية والدينية والاجتماعية والأيديولوجية) أو بالأحرى تكون البداية بالنظر في الإكراهات التي تجعل المثقف العربي فاقدا حرية تفكيره واستقلاليته فيكون عاجزا عن الفعل بل عن أداء دوره النقدي وبناء رؤيته الحضارية.
كيف يمكن أن يدار المستقبل بمثل هذا المثقف السلبي؟ كيف يمكن أن تنطلق عملية تغيير النظم التربوية والتعليمية في المجتمعات العربية والمثقف المعني بوضع التصور يخشى ردود فعل القيمين على تلك النظم التقليدية فإما أن ينحني صاغرا أو يفر إلى ما وراء الحدود أو يلقى مصيره خلف القضبان؟ ما أراه أن مستقبلنا ما يزال بيد اثنين في عالمنا هذا: يد من ارتهنوه بالماضي ليعملوا على ترسيخ بنى الهيمنة وقيمها ورفض الحداثة أو أسلمتها، ويد القوى الرأسمالية المتوحشة التي تحرص على تكريس خططها للإبقاء على العالم العربي في وضع التابع.
الأسئلة الصعبة
• العرب: من يملك حق الاجتهاد وإطلاق الأحكام في المسائل الجدلية؟
هاجر خنفير: من أوكد الشروط التي وضعها القدامى من أجل استحقاق صفة العالم في مجال المعرفة الدينية ولم يصرحوا بها إلى جانب الرصيد العلمي هو شرط الذكورة، ويعود ذلك إلى ما قد تتيحه مرتبة العالم لصاحبها من سلطة قد تبلغ حد الزعامة، لذلك كان الحرص على تهميش الأثر العلمي الذي تركته بعض النساء لما قد تحدثه من إرباك للمركزية الذكورية.
أما اليوم واستنادا إلى محاولات تجديد الخطاب الديني على يد عدد مهم المفكرين العرب المعاصرين فقد تغيرت المعايير وبات الأحق بوظيفة الاجتهاد والإفتاء هو ذاك الأقدر على تقديم قراءة للأحكام تناسب الواقع وما تقتضيه المصالح وما يتفق مع قيم المساواة والحرية والعدالة، قبل أن تكون إسقاطا لمنظومة أحكام متعالية عن التاريخ أو تدعي التقيد بالنص وأحكامه وتتجاهل أسباب النزول ومسألة النسخ وغيرها من العلوم التي تدعو إلى التريث والتنسيب وتجنب إطلاقية الأحكام.
• العرب: أين تقف حدود البحث والاجتهاد بالنسبة للباحث؟
هاجر خنفير: أعتقد أن الحديث عن حدود للبحث والباحث هو ضرب لمفهوم البحث نفسه مهما كان الاختصاص العلمي. إن أعظم الاكتشافات في التاريخ الإنساني كانت قطعا مع ما كان سائدا في العصور الوسطى وبداية نهضة العالم الأوروبي بثورة الشك في كل الثوابت وبمواجهة سلطة الكهنوت، ولقد أسس ذلك لمرحلة جديدة في تاريخ العلم وهو العلم التجريبي. وكذلك هو الباحث الحقيقي إنه لا يضع أمامه إلا ضابط العقل والحجة والموضوعية والتواضع ويقتضي ذلك شجاعة تحمل مسؤولية ما سيتوصل إليه من نتائج قد تستفز العقل الأصولي الحارس للمعرفة التقليدية. ولا مبالغة إن اعتبرنا أن هذه الشروط التي ذكرنا تسهم في ترسيخ حداثة ما زال العالم العربي يتلمس الطريق إليها.
• العرب: ما هي الأحداث سواء الخاصة أو العامة التي هزتك وطرحت عندك الأسئلة الصعبة؟
هاجر خنفير: من أهم الأحداث التي لا أراها تثير فيّ أسئلة بل وتجعلني أشعر بخيبة عميقة إزاء مجتمع مضى على الانطلاق في مشروعه التحديثي أكثر من قرن هي تفاقم جرائم قتل النساء بتونس، فهذا النسق الإجرامي ليس إلا طعنا للحرية وحق الحياة وهو أيضا دليل على فشل القوانين والسياسة التربوية والثقافية الحالية في دحر العنف البنيوي الذي تقوم عليه العلاقات بين الجنسين فجرائم القتل هي الجزء الطافي من الجبل الجليدي الذي يقوم عليه منوال الهيمنة وهو منوال يشرع للعنف بكل أشكاله. والسؤال الحارق: كيف يتسنى وقف نزيف العنف؟ ما الذي يجعل الحرية والكرامة من المقولات الخطيرة عندما تكونان خاصتين بالنساء؟
• العرب: كيف تنظرين إلى التابوهات في زمننا الحالي هل ما زالت هي نفسها أم تطورت؟ وهل اصطدمت بها في تونس؟
هاجر خنفير: تتغير التابوهات بإيقاع متفاوت السرعة والقوة من بلد عربي إلى آخر، وذلك وفق درجة تطور العلاقات الاجتماعية لأن من وظائف التابوهات تنظيم تلك العلاقات وتحديد مسارات التفاعل الاجتماعي، فإذا شرع النظام بتراتبيته وأبنيته التمييزية في الارتجاج فإن تحولا ما ستشهده لائحة التابوهات. وفي هذا السياق مثلا ما زال عدد من المسائل المتعلقة بالحياة الحميمية للمرأة المسلمة والصحة الجنسية أو العلاقات المثلية مدرجا ضمن التابوهات في بعض المجتمعات المسلمة بينما بات الخوض فيها متاحا بلبنان وتونس.
والخطير حسب رأيي ليس اندثار محظورات وظهور أخرى بل ما نراه أحيانا من دعوات إدراج بعض القضايا التي عفى عليها الزمن ضمن المسكوت عنه وهو مؤشر على حضور قوى أهون ما توصف به أنها محافظة أو هي وسطية معتدلة، وتسم نفسها بالإصلاح والصحوة واليقظة فتعود معها الرقابة على ما درج المجتمع على اعتباره من الحريات الفردية وفي هذا السياق مثلا أذكر ما حدث سنة 2022 من مطاردة المفطرين في رمضان داخل فضاءات مغلقة (مقاه) وغير مكشوفة بتهمة التجاهر بالفحش.