عبدالله ثابت لـ"العرب": أكتب كما تمرر ومرر كما تكتب كلانا في هجمة الحياة المرتدة
العلاقة بين الأدب وكرة القدم تكشف مناطق مثيرة من الإنسان ووجوده، ليت تلك اللعبة مجرد كرة جلد تجري خلفها الأرجل بل هي هوية وانتماء وهوس قد يصل إلى الجنون، إنها مساحة وجود كاملة، وارتباطها بالكلمات أمر بالغ الأهمية، هذا ما نكتشفه مع الشاعر والكاتب السعودي عبدالله ثابت. "العرب" كان لها معه هذا الحوار.
ولد عبدالله ثابت في مدينة أبها بالمملكة العربية السعودية في السابع من مارس 1973، وهو شاعر وروائي وكاتب للمقالة، يجمع أسلوبه بين الطّرافة والبحث الدائب على المعنى من خلال التّفاصيل الصّغيرة والمواضيع الكبرى.
تحصّلت مجموعته الشعرية “كتاب الوحشة… كائن يقف في الظلام ويقول شيئا” على جائزة “بيروت 39” سنة 2009، وقد ترجمت روايته “الإرهابي20” إلى الفرنسية والنرويجية. وله مجموعة من الدّواوين الشّعريّة تحمل عناوين معبّرة كـ”الهتك”، “حرام CV”، “ميّال”، الإلهاء الرائع” و”جلبة لتحريك الوقت”، التي قدّم لها الشّاعر العالمي أدونيس وترجمت إلى الفرنسية تحت عنوان “معلّق في العدم” بواسطة المترجم والشاعر التونسي أيمن حسن. كما ترجم عدد من نصوصه الشعرية إلى لغات عالمية عديدة.
أصدر مؤخّرا عملا جديدا يحمل عنوان “كتاب الحفلة. كرة القدم: إحماء الذّاكرة والكلمات” عن دار تشكيل للنشر والتوزيع.
الأدب وكرة القدم
كتابة لا تنتبه للواقع، تتعالى عليه أو تنخفض عنه وبالتالي لا تجادله، لا تجاريه ولا تتفاعل معه بالضرورة
العرب: ينطلق كتابك الجيد بهذا الإمضاء: “ما تبقّى من فتًى قديم، كان في طريقه لحفلة كرةِ قدم، والطريق نفسُها انعطفت به نحو الكلمات…لحفلة كلمات”، ثمّ تقدّمُ إلينا هذا الإهداء: “إلى كلّ المندفعين، الذين يخوضون حياتهم كهجمة مرتدَّة، لنركُض… كلانا في الانطلاقة معاً!”، وأخيرا تبعثُ إلينا بهذه التّوصية لأجل المتعة: “اقرأ هذا الكتاب وفي حجرك جهازُك الذّكيّ. كلّ لقطة تمرّ بها أدخل… للشّبكة وشاهدها. أكادُ أرى انبهارك! وقتا سعيدا، لقد مررتُ هذا وأنا أكتب اللّقطة تلو الأخرى!”.
إلى من تتحدّث، يا عبدالله؟ هل تخاطب قارئا معيّنا أم تراك تحادثُ نفسك؟ أيّ علاقة ترى بين الكتابة والأدب وكرة القدم والرّياضة بصفة عامّة؟
عبدالله ثابت: أتحدث للجموع، من منطلق فكرتين متطابقتين؛ أنّ الأدب والكلمات للجميع، كما هي كرة القدم للجميع، وفي الوقت نفسه أنا أحد هؤلاء المدهوشين بقدرة الكلمات، بقدرة هذه الرموز الصغيرة والمحدودة، في جميع اللغات، على أن تحيط بعدد لا نهائي من المعاني، حتى إنه سيبدو كل شيء فارغاً دون فتيلها وشعلتها الأبدية، بما في ذلك كرة القدم، التي هي بدورها لغة متعددة ومزدحمة.
أنا حقاً أعني هذا: “ما تبقّى من فتًى قديم، كان في طريقه لحفلة كرةِ قدم، والطريق نفسُها انعطفت به نحو الكلمات…لحفلة كلمات!”… ومعها وددت لو أنني أنا الذي كتبت “لقد كدت أسقط في البئر وأنا طفل، ولما كبرت كدت أسقط في كلمة الأبدية”، ليس نيكوس كازنتزاكس. إنها عبارة خالدة، وتثير غيرة كل الكلمات.
العرب: ينتهي الكتاب بفكرة جميلة وطريفة وجديدة في أدبنا العربيّ تتمثّل في “مفضّلات القرّاء. شارك في الكتاب…” من خلال “هنا يمكنك الكتابة عن أعظم مباراة في ذاكرتك…” و”هنا يمكنك الكتابة عن أعظم لاعب بالنِّسبة إليك”… و”هنا يمكنك الكتابة عن أجمل هدف في ذاكرتك…” و”على هذه الرّسمة يمكنك تدوين تشكيلتك المفضّلة”، مع إمكانيّة مشاركة القارئ اختياراته معك. ما سرّ هذا الرّكن النّهائي؟ هل يمثّلُ فتح أفق جديد على عالم كرة القدم بصفة خاصّة وعلى العالم اللاّمتناهي بصفة عامّة؟
عبدالله ثابت: بل يمثل ما ينبغي أن تكون عليه الكلمات وكرة القدم في آن، فعلٌ فردي من حيث هو جماعي معاً. الشراكة التامة. الكلمات حفلة، وكرة القدم حفلة، وفي الحالتين لا يمكنك الذهاب وحيداً. كل كتابة عظيمة أو رديئة وصلتنا جعلتنا شركاء على نحوٍ ما. إنها تمريرة، الكلمات تمريرة. اصطحاب مختلف للذهاب إلى شيء ما، قد يكون عرساً، كما قد يكون الوقوف على ضريح. اكتب كما تمرر، ومرر كما تكتب. كلانا في هجمة الحياة المرتدة.
سباق المتعة المهول
العرب: صحيح أنّ كرة القدم استغوت عددا كبيرا من الأدباء أمثال بازوليني وبيتر هاندكه المتحصّل على نوبل سنة 2019 وكذلك محمود درويش، وصولا إلى كتّاب معاصرين كبار مثل جان فيليب توسّان الذي تستشهد به في كتابك، لكن هل تستحقّ كرة القدم هذه اللّفتة الأدبيّة الكريمة خاصّة في ظلّ عالم الأموال والبيترودولار؟ ألا يقولون إنّ “كرة القدم رياضة الجنتلمان بين رجلي الحمقى والرّيغبي رياضة الحمقى يمارسها الجنتلمان”؟ ما رأيك؟
عبدالله ثابت: حسناً؛ هات شيئاً يأثر في الحشود البشرية كما تفعل كرة القدم تحديداً، ثم لنقم بإعادة السؤال والاستفهام: لماذا ليس هناك ما يكفي من الكلمات عن كل هذا الأثر؟ في تقديري إن أي كتابة لا تنتبه للواقع، مهما كانت طريقتها، فإنها تتعالى عليه، أو تنخفض عنه، وبالتالي لا تجادله، لا تجاريه، ولا تتفاعل معه بالضرورة.
الحمق كله أن ترى سباق المتعة المهول هذا، مطر البراعة البشرية أمام عينيك وهو يغمر الأنحاء، ثم تستخف به.
كل كتابة عظيمة أو رديئة وصلتنا جعلتنا شركاء على نحو ما. إنها تمريرة، الكلمات ما هي إلا تمريرة
العرب: يبتهج الشّاعر والأديب عبدالله ثابت بنيل المملكة العربيّة السّعودية شرف تنظيم كأس العالم سنة 2034، ما هو السّبب؟
عبدالله ثابت: قبل قرابة المئة عام وصلتنا كرة القدم مع الحجاج الماليزيين والأندونيسيين، جاؤوا بها معهم إلى مكة، ليسلوا عن أنفسهم في استراحات العبادة. أجدادنا حين رأوهم وقفوا متعجبين؛ ما الذي يفعله هؤلاء في الحج. هذه المخيلة الأولى تحولت إلى اعتناق وهوس بكرة القدم. في سنوات قليلة صارت تلك المشاهدة البكر ملاعب ترابية في كل مكان من مدن وقرى المملكة.
فإذا كنت تعرف كيف بدأت الأشياء فإنك ستكون في فرحك الأقصى أن تعود إليك تلك المخيلة القديمة وأنت الذي ينظمها لمنتخبات وشعوب العالم، وهذا بالطبع إلى جانب المجد والمكانة اللذين حققتهما، وإلا ما كانت ستذهب إليك أصوات العالم بفوز ساحق. أليس هذا هو النيل السعيد!
الكتابة والوجود
العرب: هل يمكنك إخبارنا عن طريقتك في الكتابة؟ كيف يشتغل عبدالله ثابت على نصوصه؟ ومتى ينتهي الشّعر ليفسح المجال للسّرد وللمقالة؟
عبدالله ثابت: صراحةً… هذا سؤال لم أستطع أن أفهمه، لكثرة ما قرأته في حوارات الآخرين، ولكثرة ما انسألته، ودوماً أفكر هل هناك طريقة وطقوس وشعائر للكتابة؟
أنا شخصياً… أفهم أن الكتابة مصير، الكلمات وجودي وأناي، كيفما تأتي. وهنا أعني الكتابة الجمالية الإبداعية، وفي جميعها أكتب في أي حين بأي حال باندفاع وحب، سواء أكانت الكلمات في ماعون الشعر أو السرد، أو حتى المقالة أحياناً.
الكتابة الأخرى التي تحتاج الخلوص للإعداد والتأهب، كالدراسات وسواها، إنما هي حرفة ومهارة وإتقان، وعمليات ذهن وتفكير، وهذه تسنّ فيها أدواتك، ومع ذلك فهي أيضاً تحمل طابعك ونفسك وروحك، تشي بشعلك وحرائقك.
العرب: لو خُيّرتَ البدء من جديد، ما الخيارات التي ستتّخذها؟ لو خُيّرتَ بين تجسيد نفسك أو إعادة تجسيدها في كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيّ منها ستكون في كلّ مرّة؟ وأخيرًا، لو تُرجم نصّ أو كتاب واحد فقط من نصوصك إلى لغات أخرى، إلى الفرنسيّة مثلًا، فأيُّها ستختار؟ ولماذا؟
عبدالله ثابت: لا أدري، كل الإجابات على هذا افتراض. أنا لست ممن يقولون إني كنت سأختار الخيارات نفسها، هذه هي الإجابة السهلة. السهلة جداً لأنها فانتازيا غير ممكنة، وأبسط وأقصر الإجابات وأكثرها طمأنينة أن تغمض عينيك عن السيناريوهات الموازية لحياتك، وتقول إنك كنت ستذهب لنفس الخيارات وستكون ما أنت عليه الآن!
أما لو فكرت في تجسيد نفسي في شيء… فربما أصلح أن أكون هجمةً مرتدة. وشجرة تين أو رمان. في الحيوانات قطعاً نمر جبلي. وما لو ترجم أحد كتبي إلى الفرنسية، وقد حدث هذا ببعض مختارات منه، فسيكون “كتاب الوحشة”، إلى جانب ترجمة نصوص وكتب أخرى.