جميل صدقي الزّهاوي شاعر العلماء وثورته في الجحيم

شاعر تخيل الثورة في السماء ليغير الأرض ويطلق صرخة ضد الجمود والتقليد.
الأربعاء 2025/12/24
جحيم ملآن بالمفكرين (لوحة عمران يونس)

يبرز جميل صدقي الزهاوي "شاعر العلماء" الذي جسّر الهوة بين صرامة المختبر وعفوية القصيدة، حيث كان شعره ثورة تنويرية استحضرت نظريات داروين وأينشتاين، وفي ملحمته "ثورة في الجحيم"، استعار سماء التخيل ليحاكم واقعاً أرضياً يرسف في الجهل، منتصراً للعقل والحرية وحقوق المرأة في وجه الجمود والتقليد.

جميل صدقي الزّهاوي (1863 – 1936) الشاعر العراقي الذي وسمه عباس محمود العقاد بشاعر العلماء وعالم الشعراء، حيث جمع بين العلم والأدب متعمقا في دراسة العلوم الحديثة من طب وفيزياء وفلك وجيولوجيا وتاريخ طبيعي ومشبعا برغبة عارمة في نفسه في الاستزادة من العلم، وصاغ ثمرات الكشوف العلمية ونتائجها في قصائد شعرية نفى عنها الكثيرون صفة الشاعرية وإن لم يجحدوا قدراته اللغوية واسترساله في عطف الكلام بعضه على بعض في يسر وتلقائية وهو يحدثنا عن هذه الكشوف والنظريات العلمية، وما ذاك إلا لنضوب العاطفة وشح الشعور، وليس الشعر إلا اعتدادا بالذات وتعمقا لنوازعها واستيهاماتها وشهواتها وذلك ليس من شأن العلم.

نقد التراث الديني

كان الزهاوي يدعو إلى العلم، ويُقصد العلم بالمفهوم الكونتي وهو النظر إلى الشيء كما هو بلا عواطف ولا ذاتية، وهو ما يعرف بالموضوعية أي قصر البحث على الموضوع بغض النظر عن ذات الباحث، ولذا يقال إن العلم موضوعي والفن ذاتي، فالعلم يتعلق بالحقائق والفن بالجمال.

وقد تسرب هذا الاتجاه إلى حياتنا الثقافية بعد الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، فقد رأى المصريون جحافل العلماء في جيش نابليون ومنهم علماء هندسة وفلك وطب وكيمياء وكان هذا الحدث العظيم بداية التفكير في النهضة العلمية الحديثة التي بدأت بإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا للدراسة، وبدت بواكيرها بظهور التفكير العلمي وإنشاء المجلات والجرائد التي تهتم بالبحوث العلمية ونشر نتائج العلم، كما دأبت على ذلك مجلات مثل الهلال والمقطم والمقتطف، وظهر كتاب ينشرون ثمرات العلوم ويحرصون على نقل آخر ما توصل إليه العلم في مقالات نشرت في تلك المجلات آنفة الذكر ولعل أشهرهم شبلي الشميل وأنطون الجميل ويعقوب صروف وغيرهم.

كان الزهاوي في دعوته إلى الأخذ بالعلم استمرارا لدعوة ذلك الرعيل من المفكرين العرب، فأخذ ينهل من معينه عبر ما وقع في يده من مجلات علمية وكتب ودوريات بالعربية وباللغات التي كان يتقنها كالفارسية والتركية، متحمسا لذلك، فما تخلف العرب وانحطت حياتهم إلا بتخليهم عن العلوم، وما تقدمت أوروبا إلا بالعلم وبالبحث العلمي وفق منهجية صارمة، وهكذا فطريق النهضة واضح بيّن، فبينما كان هؤلاء الرواد يكتبون ويشرحون النظريات العلمية نثرا كان الزهاوي يفعل ذلك شعرا في قصائده.

خيال الشاعر الزّهاوي مسرف يثور حتى على المسلمات والبديهيات ويتناقض مع ما هو مبثوث في ثنايا الكتب
خيال الشاعر الزّهاوي مسرف يثور حتى على المسلمات والبديهيات ويتناقض مع ما هو مبثوث في ثنايا الكتب

ولعل من أشهر قصائده ملحمته الشعرية “ثورة في الجحيم” وهي طراز فريد في الملاحم الشعرية لم يعرفها العرب من قبل، وأثر المعري في “رسالة الغفران” وابن شهيد في “التوابع والزوابع” ودانتي في “الكوميديا الإلهية” وملتون في “الفردوس المفقود” ظاهر في هذه الملحمة، وهي استمرار لتفكيره وسيره في الطريق الذي ما تنكب عنه يوما، ولقد نظمها في 432 بيتا من بحر الخفيف على قافية وروي واحد في مشاهد أو مقاطع عديدة، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على تمكنه من العربية ورسوخ قدمه في نظم الشعر، دون أن يكل له نفس أو تعجزه قافية، وإن هالك شيء فهو الاسترسال في السرد وفي الوصف والانسيابية والتلقائية فكأنه منهل يتدفق بالماء العذب بلا معاناة ولا تكلف.

وينتصر في هذه الملحمة للفكر الحر وينتقد التدين الشكلي والولوع بالشكل على حساب المضمون، ويشيد بالعقل وبالفكر العلمي ويندد بتخلف المرأة، دون أن يغفل الدعوة إلى إصلاح وضعها ونبذ الحجاب والدعوة إلى السفور، ويؤكد أن هضم الرجل حقوق المرأة يؤدي إلى تعطيل نصف المجتمع ومن ثمة الحكم عليه بالجمود.

لقد ولع الزهاوي بالثورة على الجمود والتخلف والظلم الاجتماعي وهو يرى ثورة البلاشفة تستأصل الرجعية وتقيم مجتمعا اشتراكيا يتوخى العدالة الاجتماعية والعلم والتقدم والرخاء ونظر إلى حال  العراق وحال البلاد العربية فرآها ترسف في أغلال التخلف والطبقية والفساد والاستبداد، فلم ير غير الثورة مخرجا من هذا النفق واحتال لذلك بأن تخيلها ثورة في السماء على طريقة أبي العلاء في “رسالة الغفران”، وهو في الحقيقة يقصد ثورة في الأرض لا ثورة في السماء.

إنها رحلة تخيلية على نمط رحلة ابن القارح تبدأ من لحظة إيداع الشاعر في قبره ثم مجيء الملكين منكر ونكير لسؤاله عن أمور دينية دون أن يغفل الشاعر نعتهما بالقسوة، ولربما في ذلك نقد ضمني للخطاب الديني المعتمد على القسوة والترهيب، ثم الدخول في أسئلة تفصيلية لا جدوى منها حسب رأيه، وهو بذلك ينتقد التدين الشكلي والإيغال في الغيب بلا بينة ولا برهان مع إهمال الواقع المادي الذي يحيا فيه الإنسان.

ثم ينتقل الشاعر إلى ذكر ما دار بينه وبين الملكين تفصيلا، وأسئلة الملكين التي تتمحور حول هويته وصنعته في الدنيا وعن خالقه ودينه وعن إقام الصلاة وصوم رمضان وإيتاء الزكاة والحج حيث أخبرهما بأنه كان ملازما لأداء الفرائض، وبعد ذلك أسئلة عن الحشر وعن الجنة والنار والميزان والصراط وجبل قاف، ولم ينف الشاعر أنه بسبب ميله إلى الحرية الفكرية وتأثره بالفكر كان يتشكك أحيانا فهو تارة مؤمن وتارة شاك.

ويسأله الملكان عن الحجاب، وهو ينتفض من كثرة الأسئلة ومن نوعيتها وعدم جدواها، أما عن الحجاب فيقول الشاعر صراحة:

قال هل في السفور نفع يرجى

قلت خير من الحجاب السفور

ثم يشرع الملكان في سؤاله عن ذات الله وصفاته وقد ضاق الشاعر العجوز بأسئلتهما ذرعا وهو ينتقد ضمنيا ولع الناس ورجال الدين بالتفريعات الفقهية والأمور الغيبية، مع نسيان واقعهم وحياتهم التي ترسف في كل نقص وضحالة، وكان الأجدر بالملكين أن يسألاه عن دفاعه عن الحق ونصرته للمظلوم واتخاذه الشعر وسيلة للإصلاح الاجتماعي وبعفته وعدم تكسبه بالشعر ولتحمله الأذى في سبيل ذلك.

ثورة العراق والعرب

تبدأ رحلة العذاب والإذلال من ضرب بالمقامع وصب القطران على جسده وتوثيق يديه وهو يقتبس هنا ما ورد في القرآن والسنة النبوية عن العذاب وما قاله شيوخ الدين تفسيرا لذلك، ثم يأخذه الملكان بعد ذلك في رحلة إلى الجنة ليرى ما فاته من نعيمها، من حورها ومطاعمها ومشاربها لتزداد حسرته.

ويمعن الشاعر في وصف مفاتن الجنة وكأنه يتحدى المعري في توصيفاته وينفي مقولة “ما ترك الأول للآخر شيئا” ثم يعود إلى الجحيم ليذوق العذاب، ووصف الشاعر دركات الجحيم وعذاب النار وشواظها وحميمها وقطرانها.

وفي النار يلتقي الشاعر بليلى التي دخلت النار لأنها غالبت أهلها في حبيبها، وهو نقد ضمني لوضع المرأة في المجتمع العراقي خاصة والعربي عامة من تسفيه للحب ووصمه بالانحراف الذي عاقبته الوبال في الآخرة، كما يلتقي بمجموعة من الشعراء مثل امرئ القيس والأخطل وجرير والفرزدق والمتنبي والمعري وعمر الخيام الذي كان ينشدهم شعرا في الخمرة ويتمنى لو كانت معهم ما هالهم عذاب النار، لكن هؤلاء الشعراء يفصحون للشاعر أن سبب وجودهم في النار هو قلة اكتراثهم بالدين في أشعارهم.

رحلة تخيلية على نمط رحلة ابن القارح تبدأ من لحظة إيداع الشاعر في قبره ثم مجيء الملكين منكر ونكير لسؤاله عن أمور دينية دون أن يغفل الشاعر نعتهما بالقسوة

كما يلتقي كذلك بلفيف من العقول الممتازة التي بفضلها تقدمت الحضارة وتطورت الحياة وازدهرت سوق العلم أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت ونيوتن وداروين وغيرهم، فبينما كانت هذه العقول الممتازة مصيرها النار كان السذج حسب تعبير الشاعر مصيرهم الجنان.

وحتى أمر الدين ينتقد الشاعر أخذه بالتقليد وعدم إعمال الفكر مما يؤدي بصاحبه إلى السلامة والدعة، فهو لا يشك ولا يسأل ولا يتمرد ولا يثور بينما صاحب الفكر ليس كذلك، فهذا في جحيم من فكره وذاك في نعيم من تقليده وقلة تفكيره، وكثيرا ما حام الشعراء حول هذه المعاني في أشعارهم.

وما يريد الشاعر إلا جنة الدنيا التي يحتلها الإقطاعيون والأثرياء بلا وجه حق يمتصون دماء الكادحين، ضاربين عرض الحائط بمعاناة كل حر يعيش في الجحيم في سبيل سعادة الجنس البشري بلا جدوى كثيرا.

ويصل الشاعر أخيرا إلى بيت القصيد من تأليف هذه الملحمة فقد خطب سقراط في الجمع، مؤكدا أن النار مصيرها الانطفاء لأن تحت النار منابع للبترول لا شك في جفافها مع مرور الزمن، فلن تكون متدفقة إلى الأبد، لكن شابا باحثا عالما استطاع اختراع آلة تطفئ اللهيب وهكذا سلم أهل النار من العذاب.

والمعري في الأخير وهو خطيب الثورة يدفع بالثائرين إلى ضرورة احتلال الجنة وطرد البله مما تسبب في معركة جاءت فيها الملائكة، وهي تشبه قوات مكافحة الشغب لطرد العلماء والثوار الذين ساندهم الجن والشياطين وأسفرت المعركة في الأخير عن هزيمة الملائكة واحتلال الجنة وطرد كل من كان فيها من البله.

خيال الشاعر مسرف يثور حتى على المسلمات والبديهيات ويتناقض مع ما هو مبثوث في ثنايا الكتب، لكن القصد لم يكن الانتقاص ولا التشكيك في ذلك بقدر ما كان الانتصار للعلم وللثورة؛ فقد قال للملك فيصل لما عاتبه على ما في القصيدة من تهكم ومن تناوله لقضايا الإيمان بهذه الصورة وما فيها من تحريض: “إنه أراد ثورة في الأرض فلما عجز عن ذلك أشعلها في السماء”.

فالمقصود هو تغيير وضع العراق ووضع العالم العربي كما غيرت الثورة البلشفية مثلا وضع الروس من فقر واستبداد وحيف وجهالة وقمع وأمراض إلى ديمقراطية وعدالة اجتماعية وعلم وحريات وصحة وسعادة شأن الأمم الناهضة.

ولم يفت الشاعر التهكم في آخر هذه الملحمة، وللتخلص من كيد السياسة وتزمت المتدينين الذين سيرمونه بالمروق والزندقة وربما الإلحاد وربما اعتدوا عليه وربما أوعزوا بصلبه أو نفيه أو سجنه على ما في هذه الملحمة من جرأة، احتال في الآخر فزعم أن كل ما حكاه في هذه الملحمة الشعرية كان حلما ثقيلا رآه في المنام نتيجة عسر الهضم من طعام ثقيل:

وتنبهت من منامي صبحا

فإذا الشمس في السماء تنير

وإذا الأمر في الحق ليس إلا

حلم قد أثاره الجرجير

تؤكد هذه الملحمة الطريفة المنحى الذي سلكه الزهاوي في حياته وفي شعره وهو ابتغاء العلم الذي به تنهض الأمم وابتغاء إصلاح المجتمع سياسيا بتقرير الحريات الفردية ووضع الدساتير التي تقيد الحاكم واجتماعيا بإصلاح وضع المرأة والمناداة بالعدالة الاجتماعية من أجل نهضة حقيقية ونقد للتدين الشكلي، وغير ذلك يبقى المجتمع يرسف في أغلال التقليد والماضي والاستبداد والجهالة دون أن يكون له شأن كالمجتمعات الناهضة.

9