أمين مشرق الشّاعر المهجري المنسي
يعد الشاعر اللبناني أمين مشرق أحد رواد الأدب المهجري المنسيين، الذين لمعوا كالشهاب ثم انطفأوا باكرا، لكنه ورغم هجرته إلى الإكوادور وانقطاعه عن الرابطة القلمية، ترك نتاجا متميزا ثار فيه على التقليد، وجسد الحنين إلى الوطن، وصاغ نثرا مهموسا يتدفق بالصدق الإنساني والتأمل الوجودي العميق.
أمين مشرق شاعر وكاتب لبناني من رواد الأدب المهجري، هو من المغمورين أو المنسيّين شأنه شأن كثير من مجايليه من أدباء المهجر وأدباء المشرق والمغرب الذين نكبهم الحظ فلم تتح لهم الشهرة الواسعة ولا الذكر المتداول، ولعل ذلك راجع لسببين أولهما قصر حياته، فقد لمع كالشهاب ثم خبا ذكره وانتهى رمادا ذرته الأيام في حادث سيارة مفجع، وثانيهما أنه ترك أميركا الشمالية واختار العيش في الإكوادور فانقطع اتصاله المباشر بزملائه الكتاب والشعراء في الرابطة القلمية.
ولولا جهود محمودة من بعض الأصدقاء والكتاب لانطمس أثره وانمحى ذكره، وأول هذه الجهود مقالة هامة لحارث طه الراوي في مجلة الآداب عام 1954 في العدد الثاني بعنوان “أمين مشرق الأديب والشاعر المجهول”، وثانيها جمع قصائد ونصوص أمين مشرق من قبل صديقه وابن بلدته نسيب عازار بعنوان “أمين مشرق شعر ونثر” وقد جمع فيه خمسا وعشرين قصيدة، ثم مقالة في التعريف به، وثالث الجهود ما تكبده الدكتور حسّان أحمد قمحية من جمع وترتيب قصائد الديوان مع مقدمة ضافية عن حياة الشاعر وقد جمع تسعا وأربعين قصيدة، ورابع الجهود مقالة هامة للناقد الدكتور محمد مندور في كتابه في “الميزان الجديد” حيث تناول شعر الهمس في الشعر المهجري من خلال قصيدة “أخي” لميخائيل نعيمة وقصيدة “يا نفس” لنسيب عريضة ثم عرج على النثر المهموس واتخذ نص “أمي” لأمين مشرق مثالا تطبيقيا، وعدد قديم من مجلة “النبوغ العربي في العالم الجديد” لأمين الرافعي جمع فيه بعض النصوص المهجرية، ولو ذلك لكان من الصعب جدا أن نعثر له على أثر ناهيك عن قصائده الشعرية.
محارب التقاليد
أمين مشرق هو ابن بلدة غرزوز بلبنان ولد في نهاية القرن التاسع عشر، تحديدا عام 1894، تعلم بمسقط رأسه ثم بمدينة طرابلس حيث نال شهادة الاستعدادية، لكن ظروف العوز والفاقة منعته من متابعة تعلمه فهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1914 أي خلال الحرب العالمية الأولى شأن كثير من الأسر اللبنانية. أقام عامين في نيويورك ثم غادر إلى الإكوادور وتعاطى التجارة وعاد إلى لبنان ليتزوج ويعود بزوجته إلى الإكوادور، لكن الأقدار لم تمهله ليعيش طويلا ويواصل عطاءه وزخمه الإبداعي فتوفي على إثر حادث عام 1938.
أما الظروف التاريخية والسياق السياسي والاجتماعي والثقافي الذي عايشه فهو القهر السياسي من لدن الأتراك وتنكيل جمال باشا بالأحرار سجنا ونفيا وقتلا، وأما من الناحية الاجتماعية فالطبقية الجائرة ومخلفاتها من فقر وبؤس وأمية وانحطاط وضع المرأة وتشرد الطفولة، وثقافيا كان العلم تلقينا وتحفيظا والبلاغة تطلعا إلى الفخم وقصر الفكر والذائقة على التقليد وغياب النظرة العلمية، لولا بدايات وطلائع النهضة العربية التي استهلها الأفغاني ومحمد عبده ثم جيل الرواد من الشعراء والكتاب أمثال البارودي وشوقي وحافظ وطه حسين والعقاد وغيرهم، وقد كانت الأسر اللبنانية تهاجر إلى العالم الجديد طلبا للرزق وهروبا من الأوضاع الاجتماعية المزرية.
هكذا هاجرت أسرة جبران خليل جبران وهاجر ميخائيل نعيمة وعبدالمسيح حداد ورشيد أيوب وندرة حداد وأمين الريحاني وغيرهم إلى المهجر الشمالي، وهاجر آخرون إلى الجنوب من القارة الأميركية كالبرازيل والأرجنتين مثل رشيد سليم الخوري وإلياس فرحات وغيرهما.
وأثناء إقامته بالولايات المتحدة اتصل بالأدباء الذين كانوا ينوون الالتفاف حول جمعية أدبية تجمع شملهم وتنشر إبداعهم وتصلهم بالمشرق موطنهم الأول مساهمة في الارتقاء بالثقافة والأدب، وكان أن تأسست الرابطة القلمية في نيويورك عام 1920 وكان أمين مشرق يراسلها وينشر في الصحف المهجرية إبداعه، ولم يكن من المؤسسين كما يشاع والدليل هو قول ميخائيل نعيمة في رسالة وجهها إلى حارث طه الراوي: “المرحوم أمين مشرق كان صديقي ولكني لا أعرف الكثير عن حياته إلا أنه هاجر إلى الولايات المتحدة أولا ومنها إلى الإكوادور ثم عاد إلى لبنان عام 1932 حيث كانت الفرصة الأولى لتعارفنا وتزوج في العام ذاته وعاد إلى الإكوادور، وبعد عام أو عامين قضى في حادث سيارة، أما آثاره الشعرية على قلتها فأكثرها من طراز ممتاز”.
وحين تأسست الرابطة القلمية كان مشرق في الإكوادور ولم يكن في الولايات المتحدة وثانيا كيف يكون من المؤسسين ونعيمة يقول إن التعارف الأول تم في لبنان عام 1932؟ فلو كان من المؤسسين لتم اللقاء والتعارف في نيويورك وليس في لبنان.
نشر أمين مشرق شعره ونثره في جريدة “السائح” لعبدالمسيح حداد و”الفنون” لنسيب عريضة وهما الجريدتان الثقافيتان الذائعتان في العالم الجديد، وكان مشرق في مهجره يهتم بحال بلده لبنان وحال الشرق حيث يخيم البؤس والانحطاط والافتقاد إلى الحرية وتقدير المرأة وانتشار الرذائل الاجتماعية وتكالب الاستبداد أو الاستعمار على ربوع الوطن العربي، وغياب العلم الذي كان سببا في سيادة الغرب وتقدمه، ولم تنسه رفاهية العيش ورغد الحياة وزخرف المادة شقاء وطنه لبنان والعالم العربي وتخلفهما فانعكس ذلك على أدبه تنديدا بالظلم وفضحا لمقابح الاستبداد وجرائم الاستعمار مع دعوة إلى الحرية والتقدم والإخاء والمساواة والأخذ بطريق الرقي الذي يتيحه العلم المادي.
كان في إبداعه حربا على التقليد شأنه شأن أدباء المهجر، يكره التصنع والزخرفة والتنميق ويلح على حرية الفنان وصلته بالطبيعة (الأم الرؤوم) مع نقد ممض للجماعة التي تستسلم للحداة المزيفين من ساسة كالأتراك والمستبدين ورجال الدين المتآمرين مع الإقطاع ونخبة إقطاعية تطيل عمر الأزمة لتحفظ مصالحها وسلطويتها، وفي شعره يبدو أقرب إلى التمرد الميتافيزيقي ولكنه مؤمن في جوهره، إنه البركان الداخلي الذي يضطرم في أعماقه فتندفع حممه إلى الخارج فتوشك أن تحرق القارئ معها.
حنين للوطن
في شعره عبر عن الحنين إلى مسقط رأسه غرزوز، وحب الوطن والحنين إلى مرابع الصبا ثيمة رئيسية في أدب المهجريين، فما هجرته الاضطرارية إلا لجمع المال والعودة إلى الوطن، والنزعة التأملية ظاهرة في شعره، والاندغام في الطبيعة والتعبير بمفرداتها من سمات أدبه خاصة الشعري، والنقد الحاد لمن يجعل التقليد لا التجديد في الفكر، واللغة والأسلوب ديدنه، وكتب البلاغة القديمة إنجيله، والأغراض الشعرية السلفية منتهى شاعريته.
ولغته الشعرية سلسة وألفاظه جزلة موحية بالمعنى المراد مع الحرص الشديد على الصدق الفني، وقد كان يسخر من عبارة “أعذب الشعر أكذبه” التي تنسب إلى أرسطو ويكتب “الشعر والنثر كلام ونتيجة الكلام التفاهم ونتيجة التفاهم التأثير وأبلغ تأثير في الكلام الصادق”، مع ميل إلى التشاؤم، وشعراء المهجر طالما حلقوا حول معاني الحياة والموت والفناء والزمن والخلود والحياة الأخرى والروح والمادة والجوهر والعرض والمدركات الحسية ووسائل الإدراك وانتهوا إلى عجز الإنسان عن الوصول إلى الحقيقة لقصر الأعمار ومحدودية وسائل المعرفة والإدراك، فعادوا إلى المشرب الروحي التأملي وإن اختلفت نظرتهم إلى الدين. ومما يحمد لهم وعيهم وتشبثهم بالراهن في مقابل من يدعو إلى الماضوية ودعوتهم إلى الارتقاء بوضع المرأة والطفولة ونبذ الطبقية الجائرة وحرصهم على التثاقف، فالغرب ليس شرا كله، إن الذي يدان منه الاستعمار، أما الأخذ بالعلم المادي من أجل التصنيع لتغيير بنية المجتمع الزراعية فتتغير معها الأفكار والرؤى ونمط الحياة، والاقتباس من الفكر والإبداع والفن، كل ذلك عمل محمود مع الاحتفاظ بالروح المشرقية والهوية العربية. إنه التزام بالحرية والنهضة ودعوة إلى الجديد والقيم الإنسانية من غير نبرة خطابية أو جعجعة أيديولوجية أو إكراه سياسي، وهذا ما كان يميز حياة وإبداع أمين مشرق مثل مجايليه من رواد الأدب المهجري.
وفي مقالة له بعنوان “الداء العياء” منشورة في “النبوغ العربي في العالم الجديد” هاجم أمين مشرق قصيدة شوقي “درة شوقية” وانحاز لنعيمة في نقد هذه القصيدة واعتبارها لفظا براقا خاليا من الفن الجديد والمعنى الإنساني ورأى أنها قصيدة تشكو من داء الألفاظ وداء المبالغة.
نظم أمين مشرق الشعر على الأسلوب التقليدي في وحدة البحر والقافية، والإيقاع الخارجي لشعره يميل إلى البحور الخفيفة، واستعمل المجزوء ونظم على طريقة الموشحات وبدون تكلف، يقف القارئ لشعره على معرفة بالبلاغة وأسرارها، ففي شعره جماليات الالتفات والتكرار والتشجير والعكس والتضمين، وصوره الفنية تموج بالحركة (السينمائي) كما في قصيدتي الحبيبة والكمنجة.
من قصيدة الكمنجة وهي من روائعه حيث نستمع إلى نفسه وأشجانها التي تترجمها الكمنجة:
كاتب مجدد حمل هم وطنه لبنان وهم العالم العربي إضافة إلى ما ناء به من هموم العيش
وسنانة فوق صدري
والليل أرخى الوشاح
غير الضنى ما جلبنا
من ذا النواح الأليم
راحت بقايا شبابي
تطوي المدى والسنين
وأما في النثر فقد انتشر له نص مدرسي هو “أمي” حيث باح بالحب الأزلي وبروح شاعرية عبر عن الحنين للحضن الأول بعبارات تقطر سحرا ومعاني ملائكية، ولا ريب أن ألم الفراق كان مهمازا لقريحته شحذها وأفاض الوجدان، يقول “أمي ! ياعلة كياني ورفيقة أحزاني، يا رجائي في شدّتي وعزائي في شقوتي، يا لذتي في حياتي وراحتي في مماتي، يا حافظة عهدي ومطية سهدي، وهادية رشدي، يا ضاحكة فوق لحدي، أمي، وما أحلاك يا أمي!”.
وهذا النثر سماه محمد مندور بالنثر المهموس الذي يعتمد على قوة النفس وموسيقى اللفظ وكأنه يهمس ولا يصرخ أو يصخب، يخرج من القلب ويلج إلى القلب “وبعد فهناك شعر صادق جميل ونثر صادق جميل، سمّيتهما مهموسين لأعبر عما يثيره التعبير الفرنسي voix mi à الذي تستطيع ترجمته حرفيا بنصف الملفوظ، والمعنى في نفسي ليس واضحا تمام الوضوح، لأنه في الحق إحساس أكثر منه معنى”.
هذا هو أمين مشرق الشاعر المبدع والكاتب المجدد الذي حمل هم وطنه الصغير لبنان وهم وطنه الكبير العالم العربي إضافة إلى ما ناء به من هموم العيش وأكدار الزمان وتصاريفه، ولكن همته ونزوعه إلى الحرية واتجاهه الإنساني وعبقريته الفنية طوعت اللغة لخدمة أغراضه الشعرية وموضوعاته الكتابية فكان ملتزما بغير أيديولوجيا وذاتيا في نفس الوقت عبر عن موقفه من الطبيعة والحياة والإنسان والميتافيزيقا والموت والخلود وفق وجهة نظر شخصية، وأكره ما كان يكره التقليد والإمّعية، وناصر قضية المرأة وتحمس للتقدم وندد بالخنوع والجبن، ودعا إلى أدب الحياة وأدب العصر، لأن للكلمة تأثيرا لا ينكر ولربما هي أقوى من الجيوش وأعظم من العتاد، ألم تكن في البدء الكلمة؟ ولو أن الحياة قصيرة إلا أن بقاء الكلمات الشعرية والنثرية عكست زخما فكريا وحسا جماليا وعمقا نفسيا، فقد عاش الحياة على الرغم من قصرها في العمق، وهذا العمق لا يتيحه إلا الفكر الثاقب المتأمل المتعالي على مدركات الحس فقط ومتطلبات الغرائز، والتي هي في الواقع حجب تحجب البصيرة عن النظرة بعيدة المدى السابرة لأسرار الحياة وألغاز الوجود.