بلغة مزدوجة.. أكاديمي تونسي يسافر بين عوالم الكتابة والصحافة والسياسة
الانشغال بالبحث الأكاديمي وبقضايا الأدب واللسانيات والتاريخ والجماليات وغيرها، لم يكن مانعا لعدد من النخب التونسية لتنخرط في الشأن العام، وتخوض من منابر مختلفة خارج أسوار الجامعة مسيرة التنوير. لم تكن الجامعة التونسية بمعزل عن الحياة العامة. "العرب" تحاور هشام سكيك واحدا من رموز هذا التوجه الذي يتلاشى شيئا فشيئا اليوم.
وُلِدَ هشام سكيك في الثاني من أغسطس 1940 بتونس العاصمة، وكان باحثا في الألسنية بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، درّس الألسنية العامة والفرنسية والترجمة في الجامعة التونسية (في البداية في تونس، ثم في منوبة). كان ناشطا سياسيا ونقابيا، وعضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي التونسي، ثم في حركة التجديد، ثم في حزب المسار، ومديرا لهيئة تحرير صحيفة “الطريق الجديد”.
ويشغل سكيك حاليا منصب رئيس “منتدى التجديد” ومدير سلسلة لدى منشورات نيرفانا بتونس، وقد نشر مؤخرا (بمناسبة عيد ميلاده الخامس والثمانين) كتابا تحت عنوان “كتابات من أجل الحرية والتقدم”، قدّم له الوزير السابق والرئيس الحالي للأكاديمية التونسية بيت الحكمة محمود بن رمضان.
يتمثّل هذا الكتاب الجديد “كتابات من أجل الحرية والتقدم”، نصوصا نُشرت بين عامي 2001 و2024 وينقسم إلى قسمين رئيسيين: الأوّل تحت عنوان “كتابات من أجل الحرية والتغيير الديمقراطي (بين سنة 2001 وغرّة يناير 2010)” والقسم الثّاني تحت عنوان “الثورة، التحول الديمقراطي… (22 جانفي (يناير) 2011 و2024)”، وهو ما يُظهر انخراطًا عميقًا في الشؤون الوطنية والدولية، السياسية والجيوسياسية.
مسيرة وثورة تونسية
♦ العرب: هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن دراستك وكيف شغلت كلّ هذه الاهتمامات حياتك؟
في ما يتعلق بدراستي، التحقت بالعديد من “المدارس الابتدائية الفرنسية – العربية”، حيث انتقل والدي، الذي كان معلما في المرحلة الابتدائية ثم أستاذا مساعدا في إحدى المدارس الثانوية، إلى العمل. كانت آخر هذه المدارس ملحقة بالمعهد الصّادقي بتونس العاصمة.
بعد إتمام دراستي الثانوية في المدرسة الصّادقية خزندار (التي أصبحت بعد استقلال تونس مدرسة ثانوية خزندار)، سافرتُ إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية وآدابها في كلية الآداب بمونبلييه. بعد حصولي على الإجازة، انتقلتُ إلى باريس للتحضير لامتحان التبريز الفرنسي.
في ذلك الوقت كان التأهل لامتحان التبريز يتطلب إتمام فترة تدريب في مدرسة ثانوية والحصول على “دبلوم الدراسات العليا”. أكملتُ فترة تربّصي في مدرسة شارلوماني بباريس، وقدّمتُ أطروحة دكتوراه في الأدب المقارن بعنوان “موضوع الغيرة في الشعر الأندلسي وشعر التروبادور”.
بعد رسوبي في امتحان التبريز ذلك العام، قررتُ عدم التقدم له في العام التالي، كما يفعل معظم المرشحين لهذا الامتحان شديد الانتقائية، والذي نادرا ما ينجح فيه أحدهم من المحاولة الأولى. كنتُ قد اكتشفتُ لتوي تخصصا جديدا تماما بالنسبة إلي، تخصصا شهدَ تجديدا عميقا، في كلّ من الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصةً في فرنسا، بالتزامن مع تطور البنيوية في العلوم الإنسانية والاجتماعية. أتحدث هنا عن الألسنيّة، وتحديدا الألسنيّة البنيوية، التي كان أندريه مارتينيه من أبرز ممثّليها.
بحضوري حلقات دروس مارتينيه في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وُلعتُ بهذا التخصص ومنهجه العلمي الدقيق للغاية (لاسيما في التحليل الصوتي)، والذي ركّز في الوقت نفسه على البعد الاجتماعي للظواهر اللغوية، وهو منهجٌ أفضى إلى تطوّرٍ مذهلٍ في مجالٍ خاصٍّ من اللغويات، ألا وهو علم اللغة الاجتماعي.
فأعددتُ، تحت إشراف أندريه مارتينيه نفسه، أطروحةً لنيل درجة الدكتوراه في اللغويات العامة والتطبيقية، وعند عودتي إلى تونس، انضممتُ، كما تفضّلت بالذّكر في المقدمة، إلى مركز الأبحاث “سيريس”، الذي أُنشئ قبل بضع سنوات، والذي مكّن من تطوير البحث في العلوم الاجتماعية في بلادنا بشكل ملحوظ. وبمصادفةٍ لا تقلّ أهمية، شهد هذا المركز، منذ البداية، إنشاء قسمٍ للّسانيات، بفضل رائدٍ سابق: صديقي صالح القرمادي، وهو أيضًا أستاذ عربيّة ومترجمٌ وشاعرٌ وكاتب. هناك، أجريتُ بحثًا اجتماعيًا لغويًا حول ثنائية اللغة (تجدر الإشارة إلى أنه بسبب آرائي السياسية، رفضت السلطات قبولي في مركز سيريس. لذلك عملت هناك أربع سنوات دون أن أتقاضى راتبًا واحدًا).
في عام 1980 انضممتُ إلى قسم اللغة الفرنسية في كلية الآداب بتونس، ثم إلى كلية الآداب بمنوبة (التي شُيّدت حديثًا في موقع معزول على أطراف تونس، بهدف رئيسي هو إبعاد الطلبة واضطراباتهم وإضراباتهم ومظاهراتهم المناهضة للحكومة، إلخ، عن مركز العاصمة).
درّستُ هناك -وكذلك في دار المعلّمين العليا- اللغة الفرنسية والترجمة، والأهم من ذلك الألسنية العامة وعلم اللغة الاجتماعي لمدة أربعين عامًا تقريبًا. أما في ما يتعلق بالجوانب السياسية والنقابية لنشاطي فيمكنني القول إنني انغمستُ منذ طفولتي في بيئة عائلية مُسيّسة إلى حد ما: كان والدي، إلى جانب معلمين تونسيين آخرين، وراء تأسيس أول نقابة تونسية خالصة للمعلمين عام 1963، وكان أول أمين عام لها (لفترتين).
أعتقد أنني تأثرت أيضًا بوالدتي، التي كانت أيضًا شديدة الاهتمام بالشؤون العامة: لم تفتها أبدًا أخبار الساعة الثامنة مساءً على الراديو ثم في التلفزيون؛ حتى أنها شاركت في المظاهرات السياسية، التي أخذتني إليها. لاحقًا، في الثامن عشر من يناير 1952، شاركت -ربما تقليدًا لكبارنا في الصادقية- في مظاهرة وطنية كبيرة نُظمت كجزء من موجة الاحتجاجات التي أعقبت اعتقال القادة الوطنيين والشيوعيين والنقابيين.
غادرت الصادقية إلى مقر الاتحاد العام التونسي للشغل (الذي كان يقع، في ذلك الوقت، في مدينة تونس العتيقة)، حيث وقع استقبالنا من قبل فرحات حشاد، الذي ألقى علينا خطابًا من شرفة المركز النقابي. بعد أشهر فقط -في الخامس من ديسمبر 1952، على وجه التحديد- شهدت بتأثر مظاهرة طلاب معهد خزندار احتجاجًا على اغتيال فرحات حشاد على يد القوات الاستعمارية.
على الصعيد الفكري لعبت دروس الفلسفة في المرحلة الثانوية دورًا حاسمًا -بالنسبة إلي وإلى أجيال عديدة من التونسيين- في انفتاحنا على العالم (كان ذلك قبل الإصلاحات الكارثية في سبعينات القرن الماضي التي أفرغت تدريسها عمليًا من أي تفكير نقدي أو انفتاح على العالم، بحجة التعريب).
◄ على الصعيد الفكري، لعبت دروس الفلسفة في المرحلة الثانوية دورًا حاسمًا بالنسبة إلى سكيك وأجيال عديدة من التونسيين
ثم، في فرنسا، قرّبتني قراءاتي ومشاركتي في أنشطة الاتحاد العام لطلبة فرنسا واحتكاكي بالنضالات الديمقراطية التي قادتها منظمات فرنسية عدّة ضد حرب الجزائر، من الأفكار اليسارية والعمل النضالي. يعود أول اتصال لي بالحزب الشيوعي التونسي إلى صيف عام 1962. وقع منع الحزب من النشاط بعد بضعة أشهر، مما شجعني على الانضمام إليه فورًا. منذ ذلك الحين كنت ناشطًا، أشارك في نضالاته، سواء في العمل السري (الذي بسببه اعتُقلتُ وحُكم عليّ بالسجن) أو بعد إعادة تأهيله، ورافقتُ تطوره وتحولاته (وساهمتُ فيها على مختلف مستويات المسؤولية) من حزب المؤتمر الشعبي إلى “حركة التجديد” إلى “حزب المسار الديمقراطي والاجتماعي”.
من هذا المنطلق عهد إليّ – بالإضافة إلى مسؤولياتي السياسية كعضو في المكتب السياسي– بإدارة تحرير صحيفة “الطريق الجديد”، قبل الثورة وبعدها.
♦ العرب: يبدو أنك تؤمن إيمانًا راسخًا بثورة 2011، في حين بدأت أصوات كثيرة تشكّكُ فيها. هل لك أن تخبرنا عن رأيك؟
أنا -أو بالأحرى “نحن”- عشنا الثورة كنقطة تحول تاريخية شهدت استعادة الشعب التونسي لدوره كصانع لمصيره، وهو دور حُرمَ منه منذ الاستقلال.
بالطبع، وكما هو الحال مع جميع الثورات، لم يكن مسار ثورتنا، طوال هذه السنوات الأربع عشرة الأخيرة، مفروشًا بالورود، بل على العكس تمامًا. إنها عملية معقدة، فوضوية، وأحيانًا مأساويّة، تُثير مخاوفنا من الفشل التام وخطر التراجع: سيطرة أنصار الإسلام السياسي على الدولة، بتواطؤ حزبين علمانيين، وأعمال إرهابية دموية تستهدف استقرار البلاد والتجربة الديمقراطية، والتدخل الأجنبي، ونقص الخبرة والأخطاء من جانب الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، إلخ. كل هذا في ظل أزمة اقتصادية خطيرة، تفاقمت بسبب أزمة العالم الرأسمالي، شريكنا الاقتصادي الرئيسي. كنا نخشى أحيانًا الوقوع في فوضى مؤسسية واقتصادية واجتماعية تجرنا نحو الانحراف الاستبدادي.
ولكن، رغم كل هذه الصعوبات، رأينا المجتمع يجد في كل مرة ما يكفيه للتعافي، وإيجاد الحلول، والمضي قدما (مع أن ذلك كان دائمًا محفوفًا بالمخاطر، لا بد من الاعتراف بذلك). ولهذا السبب ما زلتُ واثقًا من قدرة شعبنا ونخبه على تجاوز الأزمات والمضي قدمًا لتحقيق أهداف الثورة أو استكمالها: “خبز، حرية، كرامة وطنية”.
ورغم كل المحاولات الحالية لرسم صورة قاتمة للفترة منذ عام 2011، يجب ألا ننسى أن الإسلام السياسي أُجبر على ترك السلطة دون تحقيق أهدافه في السيطرة على مفاصل الدولة، و”أسلمة” المجتمع، وتقويض إنجازاته التقدمية كحقوق المرأة. لقد وجّه لنا الإرهاب ضربات موجعة، لكنه هُزم وكاد يُباد. ما زالت الصعوبات السياسية والاقتصادية كبيرة، بل وخطيرة، لكنني أظل متفائلاً إلى حد معقول بشأن قدرتنا على التغلب عليها.
الكتابة بلغتين
♦ العرب: في مقدمة كتابك يقول محمود بن رمضان عنك “ينتمي، إلى جانب أحمد إبراهيم وجنيدي عبدالجواد، إلى ثلاثي عرفته عن كثب، بل عن قرب شديد، منذ عام 2001. يجمعهم تاريخهم المشترك، ولكل منهم مجال نشاطه المفضل: جنيدي في النضال النقابي والاجتماعي؛ هشام في مجال الصحافة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان؛ أحمد في الظهور العلني والحملات الانتخابية الصعبة (خطيبٌ نضاليٌّ بعيدٌ عن الديماغوجية). هذا الثلاثي رمزٌ للنضال الديمقراطي والتقدمي والحداثي في المجتمع التونسي منذ منتصف الستينات.” (ص 11)، مع رحيل أحمد إبراهيم في الرابع عشر من أبريل 2016، ما رأيك في هذا القول؟
نحن، في الواقع، مع رشيد مشارق، أقدم النشطاء الذين شهدوا العمل السري للحزب الشيوعي التونسي، والعودة إلى الشرعية، وتأسيس حركة التجديد، ثم حزب المسار. للأسف، رحل عنا أحمد إبراهيم، الذي كان قريبًا جدًا مني، مبكرًا جدًا، في وقت كان فيه في أوج نضجه السياسي، وبدأ يلعب دورًا إيجابيًا للغاية في انتقال حزب المسار من حزب معارض إلى حزب قادر على تحمل مسؤوليات إدارة شؤون بلد في خضم انتقال ديمقراطي. أنا على يقين بأنه لو كان معنا، لكانت أمور كثيرة قد تغيرت، داخل الحزب وفي البلاد على حد سواء.
♦ العرب: أنت فرنسيّ التّكوين، لكنّك كتبت العديد من المقالات والأعمال باللغة العربية. لذا، يبدو لنا أنك تنتقل تلقائيًا من الفرنسية إلى العربية. هل يمكنك شرح منهجك في العمل؟
مثل معظم أبناء جيلي (وخاصةً الأولاد، الذين تلقوا تعليمًا رسميًا أكثر من البنات)، تلقيتُ تعليمي منذ المرحلة الابتدائية في ما يُسمى بالنظام التعليمي “الفرنسي – العربي”، المستوحى من الصادقية، الذي وضعته سلطات الحماية. كان هذا النظام قائمًا على ثنائية اللغة الكاملة، مما أعطى مكانة مرموقة للغة الفرنسية التي كانت تُدرّس كلغة، وكانت أيضًا اللغة التي تُدرّس بها معظم المواد الأخرى -وخاصةً المواد العلمية- مع تقدير حقيقي للغة العربية كلغة متجذرة في الثقافة الوطنية، التي كانت في جوهرها عربية إسلامية.
والدي، الذي درس في مدرسة ترشيح المعلّمين، وهي أيضًا فرنسية – عربية، كان من يُسمّى “معلمًا ثنائي اللغة”، يُدرّسُ اللغتين العربية والفرنسية. كان يقرأ صحيفة “لا بريس” يوميًا، ويشتري لنا كتبًا بالعربية والفرنسية، وهكذا. لاحقًا، تابعتُ دراستي العليا بكلتا اللغتين، لكنني اخترتُ أيضًا، كما ذكرتُ، إجراء بحثٍ لنيل شهادة التعليم العالي في الأدب العربي وأدب الشعراء الأوكسيتانيين. أتاحت لي هذه العوامل مجتمعةً، منذ نعومة أظفاري وطوال حياتي، أن أكوّن علاقةً وثيقةً تقريبًا مع كلتا اللغتين.
أما صحيفة “الطريق الجديد” فقد صدرت في البداية باللغة العربية. وعندما تولّيتُ رئاسة التحرير، اقترحتُ بل ودافعتُ عن فكرة جعلها صحيفةً ثنائية اللغة، لأن الكثير من التونسيين يقرأون الفرنسية بسهولة أكبر من العربية، وأيضًا حتى لا نحرم أنفسنا من مساهمة العديد من الكفاءات التي تُعبّر عن نفسها بسهولة أكبر باللغة الفرنسية. لذلك كان من الطبيعي، بعد أن أصبحت الصحيفة ثنائية اللغة، أن أكتب مقالاتي أحيانًا بالعربية، وأحيانًا بالفرنسية، حسب الموضوع، والجمهور المستهدف، ومصدر الإلهام في تلك اللحظة.
المعايير المزدوجة
♦ العرب: لقد ازداد العالم ظلامًا منذ السابع من أكتوبر 2023. يبدو أن ما يُسمّى بالعالم “المتحضّر” يغرق في الهمجية والظلم، لأنّ من يدعم أوكرانيا ضد فلاديمير بوتين يدعم بنيامين نتنياهو ضد فلسطين ولبنان وإيران، والآن اليمن. وراء ازدواجية المعايير، ثمة مشكلة سياسية وأخلاقية حقيقية؛ كيف تستقبلون هذا الواقع القاتم؟ ما هي الأدوات التي نملكها للتعامل معه؟
أعترف بأنني أستقبل هذا الخبر بألمٍ شديد وقلقٍ على المستقبل. هناك بالفعل، وكما ذكرتَ بحق، “وحشية” عامة في العالم. خلال الثمانين عامًا التي انقضت منذ أن شهدنا نهاية الحرب العالمية الثانية، كنا نعتقد أن البشرية قد تعلمت دروس أخطاء الماضي والعواقب الكارثية لعالمٍ تحكمه قوانين القوى العظمى الأقوى والأكثر نهمًا. السلام الذي كنا نعيشه (سلام نسبي، نظرًا إلى كثرة الحروب الإقليمية في كامل أنحاء العالم) أوهمنا بأن العالم قد هدأ تمامًا. وعزّز تحرّر الدول من سلطة الاستعمار الانطباع بأنّ عصر استعباد شعب لآخر قد ولّى، وأنّ بإمكان جميع الشعوب أن تتطلّع إلى احترام حقها في الكرامة والسيادة كحقّ معترف به من الجميع ومُكرّس في العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية.
حتى آخر بقايا الحقبة الاستعمارية بدت لنا مُقدّرة على النجاة -على المدى البعيد – من هذا التطوّر التاريخي. أشير هنا إلى القضية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن ما نشهده، وخاصة خلال العامين الماضيين، ليس مجرد استمرار لوضع استعماري عفا عليه الزمن، ولم يعد مجرد حرمان شعب من أرضه وسيادته: كلا. إنه أخطر بكثير. إنها عودةٌ لأبشع صور الأنظمة المسؤولة عن الحرب الأخيرة: النازية، والتطهير العرقي، ومحاولة إبادة شعبٍ بأكمله بهدف اغتصاب أرضه وموارده.
◄ مع كل الصعوبات التي عاشها التونسيون نراهم يجدون في كل مرة ما يكفيهم للتعافي وإيجاد الحلول والمضي قدما
إن أكثر ما يُثير الاستياء هو أن نرى هذه السياسة الوحشية من الإرهاب والإبادة الجماعية تحظى بدعمٍ مباشرٍ ودون خجلٍ من دولٍ نمت فيها قيم الحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير بشكلٍ كبير، ورسخت فيها، كما كنا نعتقد، بشكلٍ قاطع.
لقد اتضح أن هذه الدول -أو بالأحرى الحكومات التي تقودها والقوى المالية التي تمثلها- لا تؤمن، في الواقع، إلا بمصالحها الخاصّة، وأن التزامها بالديمقراطية شكليٌّ وتصريحيٌّ بحت، يتكيّفُ دون خجلٍ مع أسوأ حالات الانتهاكات الصارخة للديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا السلوك يدفع البعض -سواء بدافع ردود أفعال انفعالية أو حسابات سياسية أو أيديولوجية- إلى إنكار هذه القيم الإنسانية، بذريعة أنها محض اختراع من هذه القوى لإخفاء مشاريعها الإجرامية على حساب الشعوب.
شخصيًا، ما زلتُ مقتنعًا بأن احترام حقوق الإنسان، والاعتراف بحقوق الشعوب، والمساواة التامة بين البشر، بغض النظر عن جنسهم أو لون بشرتهم أو معتقداتهم، إلخ، تُشكل إنجازات ثمينة للبشرية على طريق التحرر من قيود المعتقدات والأنظمة القديمة التي استعبدت البشر. ويظل النضال من أجل الحصول على هذه الحقوق وتوسيع نطاقها هدفًا نبيلًا يستحق كل تضحية. أولئك الذين يتلاعبون بهذه القيم، ويستغلونها لأغراض مخزية، ويطبقونها وفقًا لمبدأ “المعايير المزدوجة”… قد خانوا هذه المبادئ؛ وتجب إدانتهم ومعارضتهم.
ما زلتُ مقتنعًا بأن الشّعوب الحرّة ستنجح في مكافحة هذه الانتهاكات. أؤمن بأن قادة إسرائيل وشركاءهم الغربيين سيُحاكمونَ في نهاية المطاف ويُدانون بشدة كمجرمي حرب. وأنا كذلك على يقين تام بأن الشعب الفلسطيني العظيم، الذي يُظهر حاليًا قدرةً رائعةً على النضال والمقاومة والصمود، سينال في نهاية المطاف حقه الطبيعي في السيادة والكرامة والسلام.
♦ العرب: بمناسبة عيد ميلادك الخامس والثمانين، نجدد تمنياتنا لك بالصحة والعافية، ونسألك هذه الأسئلة: لو خُيّرتَ أن تبدأ من جديد، ما هي الخيارات التي ستتخذها؟ لو خُيّرتَ أن تتجسد أو تتقمص في صورة كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيُّها ستكون في كل مرة؟ وأخيرًا، لو طلبت منك ترجمة نص واحد فقط إلى لغات أخرى، إلى العربية مثلاً، فأيُّها ستختار ولماذا؟
شكرًا جزيلًا على تمنياتك. من الصعب جدًا الإجابة على أسئلتك. سأحاول على أي حال، فهي بمثابة اللّعبة.
لو خُيّرتُ أن أبدأ حياتي من جديد؟ بصراحة، لا أرى نفسي، في معظم الأحيان، أتّخُذ خيارات مختلفة تمامًا عن تلك التي اتخذتها أو التي أجبرتني عليها تلك الظروف. ولو قُدِّر لي أن أكون نبتة أو شجرة، لتمنيتُ أن أكون ياسمين، فهي نبتة معمّرة، مرنة، صامدة، نبتةً أجدها غيريّة، تُقدِّم أزهارها وعبيرها بسخاءٍ للمارة العابرين.
أي نصٍّ أودّ أن أراه مترجما؟ هذا صعب. يُمكنني التفكير في ثلاثة، جميعها تُمثِّل صرخاتٍ من القلب: الأوّل بعنوان “سيدي بوزيد: صرخة استغاثة، علينا أن نفتح آذاننا لها”. نصٌّ كُتِبَ في غرّة يناير 2011، تأثرًا بخبر الشاب الذي أشعل النار في نفسه، والذي كانت تضحيته قادحا لثورة شباب تونس على وضعٍ حكم عليهم باليأس. لم تتحوّل الثورة بعد إلى ثورة، لكن كتبت في النصَّ حينها “ما حدث، وما يحدث اليوم، وما سيحدث غدًا، لا شكَّ في ذلك، كلّ هذا يتطلب إعادة نظرٍ شاملةٍ في النظام بأكمله الذي يقود بلادنا إلى طريقٍ مسدود.”
بعد ثلاثة عشر يومًا، في الرابع عشر من يناير 2011، فرّ بن علي، ممهّدًا الطريق لما أُصرُّ على تسميته شخصيّا –رغم الجدل المُثار حول هذا المصطلح- بالثورة التونسية.
النصّ الثّاني تحت عنوان “تونسي، من حركة التّجديد، وأفتخرُ بذلك”. نصّ كتبته بعد حوالي شهرين من أحداث الرابع عشر من يناير 2011: يُوحي العنوان بمضمونه… أمّا النصّ الثالث فهو بعنوان “الأخ المفقود”. هذا نصّ مقابلة أجريتها مع الصحافية الموهوبة في جريدة “لا بريس”، هالة لحبيب، خلال التظاهرات الّتي قمنا بها بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاة الزّعيم أحمد إبراهيم. عبّرتُ فيها عن كل التقدير والصداقة التي شعرتُ بها تجاه فقيدنا العزيز، وعن كلّ الفراغ الذي خلّفه رحيله المُبكر فيّ شخصيّا.