وليد الصالحي يفكك القوالب التقليدية للفن الشعبي التونسي برؤية تجريبية
يحقق الفنان الشعبي التونسي وليد الصالحي بأغنيته الجديدة “ستّار مش بلعاني” طفرة تجديدية في موسيقى المزود، حيث تجمع الأغنية بين إيقاع “الشارلستون” الغربي والكلمات التونسية الساخرة، في كليب يمزج بين أنماط فنية متنوعة تستحضر شخصية شارلي شابلن كرمز للتحدي والنجومية العفوية بعيدا عن القوالب النمطية السائدة.
“الفنان لا يبتدع أسلوب حياته، بل يعيش بالأسلوب الذي يبدع به”، لم أجد أفضل من كلمات الناقد الفرنسي جان ليسكور لأصف الفكرة العالقة في ذهني عن الفنان الشعبي التونسي وليد الصالحي، منذ استمعت مصادفة لأغنيته الجديدة التي رأت النور مطلع يونيو الماضي وعنونها بـ”ستّار مش بلعاني”.
منذ أن بدأت أسمع وليد من سنوات طويلة، وأنا ما زلت طفلة تحلم بأن تصبح يوما صحافية وناقدة، لمحت فرادة أسلوبه، دقته في انتقاء الكلمات والألحان، سعيه الحثيث لإثبات نفسه في الساحة الفنية التونسية وافتكاك حقه فيها، معتمدا التجريب منهاجا، فهو من القلائل الذين يخوضون غمار التجارب الفنية، عبر إيقاعات لا تلتزم بضوابط الموسيقى الشعبية التقليدية، يزينها بفيديو كليبات غير مألوفة في عالم الفن الشعبي أو كما نسميه، نحن التونسيين، المزود التونسي. تدريجيا، أصبح البعض يصفه بأنه فنان ذكي متمرد يرفض الانصياع للقوالب النمطية الجاهزة التي تحكم هذا اللون الغنائي عادة.
في “ستّار مش بلعاني” تظهر بوضوح خصوصيته الفنية ويبدو مستمرا في مسعاه لانتزاع الأغنية الشعبية من فضاءاتها التقليدية الضيقة ليزاوج بينها وبين السينوغرافيا المسرحية وعمق الطرح الفني.
جاءت الأغنية هذه المرة بألحان وليد الصالحي نفسه، وتوزيع موسيقي لأحمد بدرالدين بوعلي، ونجح الثنائي في المزج بين موسيقى “السوينغ” وإيقاع “الشارلستون” الحيوي، إلى جانب الكلمات التونسية، لتقديم أغنية شعبية تبتعد عن الصخب والفلكلور الكلاسيكي، إنما حولاها إلى ما يشبه مونولوجا غنائيا مبهجا يستعيد رمزا من رموز المسرح والفن العالمي ألا وهو شارلي شابلن، ويثبت من خلاله الصالحي تفرده كفنان تونسي يطوع النغم لخدمة الفكرة المبتكرة.
واللافت للانتباه أن الفنان يستحضر شخصية شارلي شابلن في هذا العمل الفني، ويعيد إلى الأذهان مسيرة مبدع استثنائي، كانت حافلة بالمعاناة والألم، مسيرة صاغت تفاصيل هذا النجم العالمي، فقد شق شابلن طريقه نحو النجومية من قاع البؤس والفقر المدقع في شوارع لندن، محولا مآسيه الشخصية اليتيمة إلى مادة للسخرية السوداء التي ألهمت الملايين. ولم تكن نجوميته يوما نتاج تصنع أو تكلف، بل نبعت من بساطته العميقة وقدرته على تجسيد روح الإنسان الهامشي والمستضعف بصدق مطلق.
واليوم، ورغم مرور عقود طويلة، لا يزال شابلن قادرا على تحريك مشاعر البشر، وإضحاكهم، والبكاء من أجلهم، وتوجيه أقوى الرسائل النقدية والسياسية للعالم دون أن ينطق بكلمة واحدة، مكرسا بذكائه الصامت حقيقة أن الفن الحقيقي يتجاوز حدود اللغات والزمن ليلامس الجوهر.
لا أعرف كواليس حياة وليد، ولا كيف انبثقت في روحه وفؤاده البذرة الأولى لحب الفن، ولا التحديات التي واجهها ليصبح اليوم من أهم فناني الموسيقى الشعبية التونسية، لكن المؤكد أن تجربته ليصنع اسما مميزا في تونس لم تكن سهلة. واستحضاره لشارلي شابلن قد يكون فيه إسقاط غير مباشر على تجربته الذاتية، ورسالة تعبر عنه، وتصف كم هو مستمتع بخوض غمار التجربة والسير وراء شغفه بالفن رغم كل المعيقات والعراقيل والحاقدين.
يذكرني هذا الاستحضار لنجم عالمي، لا يزال نجما رغم رحيله منذ عقود، بقول شابلن “لا بدّ للمرء أن يكون واثقا من نفسه.. هذا هو السر.. حتى عندما كنت أعيش في ملجأ الأيتام، وحتى عندما كنت أهيم على وجهي في الشوارع والأزقة باحثاً عن لقمة خبز أملأ بها معدتي الجائعة.. حتى في هذه الظروف القاسية كنت أعتبر نفسي أعظم ممثل في العالم، كنت أشعر بالحماس الشديد يملأ صدري لمجرد أنني أثق في نفسي، ولولا هذه الثقة لكنت قد ذهبت إلى النفايات مع بالوعة الفشل”.
كلمات بسيطة لكنها تختصر مدى معاناة شابلن ومدى تمسكه بشغفه وتعلمنا درسا مهمّا وهو أن الاستمرار والتمسك بالحلم، مع وجود الموهبة، قد يصنعان المستحيل. وكما استطاع شابلن أن يحفر اسمه في تاريخ الفن، استطاع وليد الصالحي أن يثبت اسمه كواحد من أهم الفنانين في تونس، ويستطيع أي شخص أن يحقق حلمه طالما آمن بذاته.
الفنان يستحضر شخصية شارلي شابلن في هذا العمل الفني، ويعيد إلى الأذهان مسيرة مبدع استثنائي كانت حافلة بالمعاناة
هذا الاستحضار لشخصية مهمة مثل شابلن، تجلى في كل ملامح الفيديو كليب، الذي أخرجه الفنان التونسي حسام الساحلي، وتبدو بصمته واضحة، في تجربة وليد الصالحي عموما، ثم في هذا العمل الفني على وجه الخصوص، حيث يضفي الساحلي شيئا من روحه المسرحية -وهو بالأساس فنان مسرحي- على اختيارات الصالحي الموسيقية. بالتالي جاءت أزياء الراقصين وحركاتهم شبيهة بعالم شارلي شابلن المبهر، الذي يعبر دون أن ينطق ويتخذ من الجسد محملا لكل رسائله وانفعالاته وتعبيراته الفنية. وتدور فكرة الكليب عموما حول فنان (وليد) يوجه مجموعة من الراقصين خلال أدائهم بروفات عمل فني على خشبة المسرح. هنا يبدو جليا المزج بين عالمي الفنانين اللذين يقدمان منذ فترة ثنائيا ناجحا استطاع أن يجدد كثيرا في تجربة وليد الصالحي على مستويات عدة.
اختار المخرج فضاء “قاعة الفن الرابع” العريق بتونس العاصمة ليكون المسرح الحاضن لفيديو كليب الأغنية، محولا الكليب إلى عرض مسرحي متكامل ومونولوج غنائي ممتع. وساهمت مصممة الأزياء ضحى الغربي في إتقان هذه اللوحة الفنية التي تعيدنا إلى أربعينات القرن الماضي، عبر تصميم ملابس وإكسسوارات دقيقة كالقبعات الدائرية والحمالات التي تحاكي حقبة الأربعينات بدقة متناهية.
ولم تكن اللوحة لتكتمل دون استحضار حركات شارلي شابلن بتناغم حركي كبير بين الراقصين أشرفت عليه الكوريغراف وفاء الڤيزاني، حيث قدمت رفقة فريق الرقص لوحات تعبيرية تماهت بشكل مطلق مع إيقاع “الشارلستون” ومع بطل الحكاية الغائب الحاضر، شارلي شابلن.
لنعدْ إلى عنوان الأغنية، ” ستّار مش بلعاني”، الذي يبدو كرسالة مشفرة يوجهها الصالحي لجمهوره وآخرين. يحمل العنوان شفرة دلالية تتأرجح بين لغتين وثقافتين مختلفتين. بالمفهوم المحلي التونسي كلمة “ستّار” (بتضعيف التاء)، أو “ستّار مش بلعاني” عموما، هي عبارة شهيرة يرددها التونسي حين يصطدم بأحدهم، أو حين يوجه كلاما لأحدهم ويؤلمه، فيعتمده كنوع من الاعتذار وأحيانا كنوع من السخرية.
وليد الصالحي أثبت أنه فنان لا يخشى التجريب والتجديد، فنان مثقف، يكسر الصورة السائدة عن الفنان الشعبي
تشير الكلمة أيضا إلى الستر الإلهي فعبارة “يا ستّار”، هي عبارة شعبية تونسية تُقال على سبيل مناجاة الله وطلب الستر. من ناحية أخرى، ستار دون تشديد على التاء، وبتعريبها الحرفي من العبارة الفرنسية Star تعني “نجم” ومنها يمكن أن يقرأ عنوان الأغنية على أنه “نجم دون تصنع”، هكذا يتحول معنى الأغنية من اعتذار سطحي وعابر إلى “كلاش” فني حاد، رسالة فنية يلمح فيها الفنان لخصمه بأنه نجم دون تصنع، نجم رغما عن “كيد الكائدين وحقد الحاقدين”، وليس ذنبه أن بريق نجوميته قد حجب الضوء عن الآخرين أو أصابهم في مقتل. هذا التناقض البديع حوّل الأغنية إلى معركة فنية أنيقة مغلفة بالتهكم والاستخفاف والتحدي. إنها معركة فنية يبدأها الصالحي بعبارة تتصدر الفيديو كليب “إهداء لكل من يهمه الأمر”.
بالتالي، منذ العنوان، وفكرة الفيديو كليب، يستشعر المشاهد/ المستمع أنه أمام صوت مغاير لا يكتفي بالتميز داخل بيئته التي تشبهه، بل يملك الجرأة الكاملة للتجريب الفني وتفكيك السائد، جرأة استندت أيضا إلى موهبة الشاعر معز الدادسي وجرأته هو الآخر، حيث صاغ أغنية محملة بجرعة مكثفة من التحدي، وحملها كلمات حادة ومباشرة تفيض بالتهكم البليغ، معلنا صراعا فنيا يتجاوز الصخب اللفظي التقليدي السائد في أغان مشابهة. يقول في مطلع الأغنية المثير للجدل:
“لو في كلامي معاني.. وإنتي قريته عليك ستار موش بلعاني.. وسامحني كان جات فيك”. المعنى العربي قد يوضح للمستمع الأجنبي المعنى أكثر، فهذه الكلمات يمكن أن تصبح “لو في كلامي معاني وأنت فهمت أنك المقصود منه، آسف لا أقصد ذلك، وأعتذر إن كان الكلام على مقاسك”.
على هذه الشاكلة تتواصل الأغنية في التهكم والسخرية، يقول في البعض منها “لو في كلامي معاني.. وإنتي قريته عليك.. ستار موش بلعاني.. وسامحني كان جات فيك.. لو في كلامي كليمة بانت ليك أنت شتيمة.. ماهيش مسؤوليتي نفسر كلامي ديما.. تغششت ياخي بجدك..زيد ارزن والزم حدك.. مالا البس كان جات قدك وقياسك ومواتيك.. سامحني كان جات فيك”. لا تحتاج هذه الكلمات تفسيرات مطولة، هي سخرية من كل من يظن أن كل كلمة موجهة إليه وأنه المقصود منها.

على مستوى البناء اللحني، تولى وليد الصالحي تلحين العمل بنفسه، لينجح في صياغة توليفة موسيقية ممتعة، غريبة وذكية. فالأغنية في جوهرها تونسية شعبية أصيلة، لكنها ارتدت ثوبا غربيا بلمسة أحمد بدرالدين بوعلي الذي أشرف على التوزيع والمكساج والماستيرينغ الذي نفذ التوزيع الموسيقي بروح موسيقى “السوينغ” وإيقاع “الشارلستون” الحيوي، ما أضفى ديناميكية حركية تأخذ المستمع في رحلة ممتعة عبر الزمن، وتقدم التحدي بروح مبهجة وخفيفة تتجاوز الصورة الأصلية للفنان وليد الصالحي المعروف بأنه فنان شعبي.
ولم يكن هذا الخيار الموسيقي وليد المصادفة، بل كان النواة التي تشكلت حولها الرؤية البصرية للكليب. فوفقا لوليد الصالحي، كانت الموسيقى الملهم لاستحضار شخصية الأيقونة العالمية شارلي شابلن، وإعادة إحياء أجواء أربعينات القرن الماضي. فشابلن هو خير تجسيد للإيحاء والسخرية المبطنة، كان يسير بخفة وسخرية فيصطدم بالناس -متعمدا ذلك أحيانا- ثم يسارع للاعتذار بحركات صامتة تذكرنا بعنوان الأغنية (ستّار مش بلعاني)، بينما يذكّر العمل بأن شابلن هو في الحقيقة النجم الأكبر (Star) الذي يوجه أقوى الرسائل النقدية للعالم دون أن ينطق بكلمة.
من كل التفاصيل التي تطرقنا إليها سابقا، يمكن القول إن وليد الصالحي أثبت من خلال هذه الأغنية أنه فنان لا يخشى التجريب والتجديد، فنان مثقف، يكسر الصورة السائدة عن الفنان الشعبي الذي يخاطب الفئات الشعبية، وتحيطه هالة من “الجهل” المعمم. لقد نجح في سحب أغاني التحدي (الكلاش) من الشوارع والأزقة الضيقة، ومن الكلمات النابية، ليعيد إنتاجها في قاعة مسرح عريقة وبكلمات معبرة دون ابتذال، وباستحضار لفنون عديدة، تؤكد تميز صاحبها بالنظر إلى النمط الفني الذي ينتمي إليه.
ويمثل الفنان وليد الصالحي نموذجا بارزا لجيل شاب من صناع الأغنية الشعبية والمزود في تونس، حيث نجح منذ سنوات في تحقيق انتشار جماهيري واسع. وتتميز تجربته الغنائية بالقدرة على محاكاة نبض الشارع التونسي وتقديم أعمال تجمع بين أصالة النغمة الشعبية وبين التجديد الأسلوبي، مما جعل أغانيه محبوبة بكثرة خاصة لدى من يحبون الأغاني الشعبية. ويعرف بتقديمه الموال في بداية أغنياته، ولديه قدرات صوتية تجعله قادرا على أداء أنماط غنائية مختلفة. وهو إلى جانب إحيائه حفلات ومناسبات خاصة، يحضر في المهرجانات الصيفية وتلاقي حفلاته إقبالا مكثفا، ويردد معه الجمهور “دقيت باب البخت” و”شيطانة” و”بعدوني” و”اش محير جرحي” و”هكا نعيش” وغيرها من الأغنيات التي تبوح ببداية التجربة ومراحل تطورها ونضجها وبالأسلوب الذي اختار وليد أن يتخذه لنفسه ويصنع منه اسما مميزا في الفن التونسي.