"هي" للفنانة منى شعير.. أيقونة الوجود وجوهر الحياة
بعد أن استلهمت معرضها السابق من التجربة الموسيقية للفنان علي الحجار، واختارت له عنوانا “من وحي الحجار”، جاعلة منه صياغة للعلاقة بين النغم واللون، حيث استلهمت فيه لوحاتها من العوالم الغنائية للفنان محولةً المقامات الموسيقية والقصائد المغناة إلى تكوينات بصرية نابضة، اختارت الفنانة التشكيلية منى شعير أن يكون معرضها لهذا العام مخصصا للمرأة.
يحمل معرضها عنوان “هي” وتستضيفه قاعة وهبة للفنون بالقاهرة منذ منتصف يناير الحالي وحتى 25 منه، وهو تجربة بصرية تحتفي بالمرأة باعتبارها مصدر الحياة والأنس والعطاء والفرح، وتطرح رؤيتها الإنسانية في مواجهة التحديات الاجتماعية والأفكار النمطية.
في هذا المعرض، تتجلى المرأة بريشة منى عبر هيئات متعددة؛ هي الأم والأخت والزوجة والبنت والحبيبة والصديقة والفاعلة في سيرورة الحياة، تراها تشارك في جلسات دافئة، وفي لحظات فرح، عبر لغة تشكيلية أقرب للمنمنمات التي تمر أحيانا عبر الواقع الصعب وكيف يصبح عائقا أمام المرأة والحياة.
ويضم المعرض مجموعة من اللوحات ذات تكوينات لونية جريئة، حيث تميل الفنانة إلى الحفاظ دائما على ألوان حية، زاهية، حتى وهي ترصد انشغال المرأة بالعمل، لكنها بين حين وآخر تتمرد على ألوانها، بأن تجعل نساءها “رماديات” كما هو الواقع، لا يمنحهن صورة واضحة عن مآلاته، ما يجعل لوحاتها تبدو كأنها صرخة فنية تدعو إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع «هي».
“هي” أشبه باحتفاء بصري بكيان المرأة، حيث قدمت رسامته من خلاله مجموعة من اللوحات التي تكرس لدور النساء بوصفهن المصدر الأول للحياة والأنس والعطاء، لوحات تعكس نظرة منى الأنثروبولوجية والجمالية للمرأة، تجاوزت فيها التركيز فقط على الشكل الخارجي لتغوص في عمق القوة الكامنة وراء الرقة، والحضور الأنثوي والقدرة الفائقة على احتواء الصعاب ومنح الأمل.
وقد اعتمدت الفنانة في بناء لوحاتها على التكوين الهرمي والرأسي لتوزيع الشخوص داخل اللوحة، مستخدمةً تدرجات لونية مدروسة وتبسيط الملامح وإلغاء التفاصيل التشريحية للوجوه، مركزة بدلا من ذلك على لغة الجسد وحركة الأيدي (مثل العزف على الدف)، مما يجعل من الكتلة واللون وسيطا تعبيريا أساسيا يمنح العمل طابعا حداثيا بروح تراثية أصيلة، تؤكد أن المرأة هي الركيزة الأساسية لجمال الوجود واستمراريته.
كما تقدم أغلب لوحات معرضها تصورا للأنثى بوصفها كيانا جماعيا لا فرديا؛ فهي تصور نساء متجاورات، متلاصقات، يشكلن حضورًا واحدًا متعدد الأصوات والحالات. وكأنها تقول إن “هي” هي جزء من قوة “هن” وأن غياب الملامح في الوجوه ليس إلغاء للهوية، بل تحرير لها من القالب الفردي، الضعيف، والمنكسر والتائه والوحيد، وكأنها أيضا تؤكد أن “هي” لا تُختصر في وجه أو اسم، بل تُعرَّف بالوجود، بالذاكرة، وبالانتماء إلى “هن” ومن ثمة إلى مجتمعها بأكمله. وهي تعرفها بأدوارها التي تلعبها والتي تجعلها أول الحياة وآخرها.
من ناحية أخرى، تلعب الألوان والزخارف دورا سرديا مهما، فتنوع النقوش والأقمشة يشير إلى اختلاف الخلفيات والطبقات والحكايات، دون أن يخلق تمايزا هرميا بين النساء. لا لون يهيمن على المشهد، كما لا نموذج واحد للأنوثة يُفرض على الأخريات، بل تتجاور الاختلافات داخل وحدة بصرية متناغمة. وحتى اللوحات التي خصصتها لجسد أنثوي واحد، رصفتها متجاورة بحيث تنظر كل واحدة للأخرى، وتبدو كأنها تميل نحوها لتستند عليها وتكتمل بها.
يزداد هذا المعنى عمقا في الغياب الواضح لأي حضور ذكوري أو صراع مباشر بين أجساد أنثوية وأخرى ذكورية، فاللوحات إذا تبدو وكأنها لا تقوم على المواجهة أو الاحتجاج، انتصارا لـ”هي” بل تؤكد على الاكتمال الذاتي، على أن النساء هنا لا يعرفن بعلاقتهن بالآخر، بل بعلاقتهن ببعضهن وبأنفسهن، ما يعكس هدوئهن وقوتهن.
ورغم أنها فنانة نشيطة على مستوى الإنتاج والمعارض وتسعى لتقديم تجربة فنية مبتكرة، تنطلق فيها من مواضيع جذابة بعضها ذاتي والآخر جمعي، إلا أن شعير قليلة الحضور والظهور الإعلامي، وهو ما يجعل مسيرتها مخفية نوعا ما، تحتاج منها الانفتاح أكثر على الانتشار وتسليط الضوء على معارضها، أفكارها، وأعمالها المميزة التي تخفي وراها موهبة كبيرة لها لمستها الخاصة في تحويل الأفكار إلى حكايات لونية بصرية مبهرة.
ومنى شعير تعمل دكتورة بكلية الفنون الجميلة بالزمالك، متخصصة في الغرافيك والتصميمات المطبوعة، وتقوم بالتدريس في دورات تدريبية لأسس الرسم والتصميم تابع لبرنامج جامعة كامبردج البريطانية.
شاركت في العديد من المعارض الجماعية والفردية داخل مصر وخارجها، ونالت أعمالها تقديرا نقديا بفضل قدرتها على تطويع الخامات وابتكار تقنيات ملمسية تضفي حركية على السطح التصويري. تعكس لوحاتها فلسفة جمالية خاصة تربط بين الهوية والتراث وبين الحداثة التشكيلية، حيث تسعى دائماً إلى تقديم رؤية فنية تعيد صياغة الواقع بروح إبداعية تجعل من اللون وسيلة للتعبير عن حالات الضعف والقوة والتحولات الوجدانية. وهي في “هي” تطلق صرخة فنية أنثوية هادئة تدعو لإعادة الاعتبار للمرأة، للانتباه لتفاصيلها الجميلة والرقيقة، للاهتمام بهذا الكيان بوصفه الركيزة الأساسية لجمال الوجود واستمراره.